حكم الغناء بدون الآلات المحرمة

الإسلام > القضاء والشهادة > الملاهي > حكم الغناء بدون الآلات المحرمة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 26 دقيقة قراءة

حكم الغناء بدون الآلات المحرمة - الأقوال والأدلة

حُكمُ الغِناءِ بدونِ الآلاتٍ المُحرَّمةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ الغِناءِ -بدونِ الآلاتٍ المُحرَّمةِ- هل هو مُباحٌ أو مَكروهٌ؟ بعدَ اتِّفاقِهم على أنَّ الغِناءَ إذا كانَ مَصحوبًا بآلةٍ مُحرَّمةٍ كالطُّنبورِ والمِزمارِ والعُودِ فإنَّه حَرامٌ، إلا قَولًا للشافِعيةِ بأنَّه مَكروهٌ.

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الغِناءَ -بدونِ الآلاتٍ المُحرَّمةِ- مَكروهٌ وليسَ بحَرامٍ ولا مُباحٍ.

قال الحَنفيةُ: تُردُّ شَهادةُ مَنْ يُغنِّي للناسِ؛ لأنَّه يَجمَعُ الناسَ على الكَبيرةِ، واختُلفَ فيما لو كانَ لإزالةِ الوَحشةِ عن نَفسِه من غيرِ أنْ يُسمِعَ غَيرَه على قَولَينِ:

أحَدُهما: أنَّه لا يَجوزُ.

والثانِي: وهو الصَّحيحُ أنَّه يَجوزُ لإِزالةِ الوَحشةِ عن نَفسِه.

ورُويَ أنَّ عبدَ الرَّحمنِ بنَ عَوفٍ جاءَ إلى بَيتِ عُمرَ رضي الله عنه، فسمِعَ عُمرَ يَترنَّمُ في بَيتِه، فدَعاه فخرَجَ إليه عُمرُ خَجِلًا، فقالَ له: أسمِعتَني يا عبدَ الرَّحمنِ؟ قالَ: نَعمْ، قالَ له: إنا إذا خَلَونا قُلنا ما يَقولُ الناسُ، أتَدري ما كُنْتُ أقولُ؟ قالَ: لا، قالَ: إنِّي قُلتُ:

لم يَبْقَ من شَرفِ العُلا إلا التَّعرُّضُ للحُتوفِ

فلأرمِيَنَّ بمُهجَتي بَينَ الأسِنةِ والسُّيوفِ

ومنهم مَنْ جوَّزَه في عُرسٍ، أو وَليمةٍ، ومنهم من جوَّزَه ليَستَفيدَ به نَظمَ

القَوافي وفَصاحةَ اللِّسانِ، ومنهم من كرِهَه مُطلَقًا، ومنهم مَنْ أباحَه مُطلَقًا.

ولا تُقبلُ شَهادةُ مُغنِّيةٍ ولو لنَفسِها؛ لأنَّها مُرتكِبةٌ حَرامًا لحُرمةِ رَفعِ صَوتِها خُصوصًا معَ الغِناءِ؛ لقَولِ النَّبيِّ : «نُهيتُ عن صَوتَينِ أحمَقَينِ فاجِرَينِ صَوتٍ عندَ نَغمةِ لَهوٍ ولَعِبٍ، ومَزاميرِ شَيطانٍ وصَوتٍ عندَ مُصيبةِ لَطمِ وُجوهٍ وشَقِّ جُيوبٍ» (١).

وقالَ بُرهانُ الدِّينِ ابنُ مازةَ رحمة الله عليه: ومنهم مَنْ قالَ: إنْ كانَ يَتغَنَّى ليَستفيدَ به نَظمَ القَوافِي، ويَصيرَ فَصيحَ اللِّسانِ فلا بأسَ به، ومنهم مَنْ قالَ: إذا كانَ وَحدَه فغَنَّى لدَفعِ الوَحشةِ عن نَفسِه فلا بأسَ به، وبه أخَذَ شَمسُ الأئِمةِ السَّرخَسيُّ، وإنَّما المَكروهُ على قَولِ هذا القائِلِ ما يَكونُ على سَبيلِ اللَّهوِ، وذكَرَ شَيخُ الإسلامِ أنَّ جَميعَ ذلك مَكروهٌ عندَ عُلمائِنا، ويُحتَجُّ بظاهِرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [الأحزاب: ٦] جاء في التَّفسيرِ أنَّ المُرادَ منه الغِناءُ، وحَديثُ البَراءِ بنِ مالِكٍ مَحمولٌ على أنَّه كانَ يُنشِدُ الشِّعرَ المُباحَ، يَعني الشِّعرَ الذي فيه الوَعظُ والحِكمةُ؛ وهذا لأنَّ الغِناءَ كما يُطلَقُ على الغِناءِ المَعروفِ يُطلَقُ على غَيرِه، قالَ عليه السلام: «مَنْ لم يَتغَنَّ بالقُرآنِ فليسَ مِنَّا».

قُلنا: وإِنشادُ ما هو مُباحٌ من الأَشعارِ لا بأسَ به، وإذا كانَ في الشِّعرِ صِفةُ المَرأةِ إنْ كانَت امرَأةً بعَينِها وهي حَيةٌ يُكرهُ، وإنْ كانَت مَيتةً لا يُكرهُ، وإنْ كانَت امرَأةً وَسيمةً لا يُكرهُ؛ هذه الجُملةُ من شَرحِ «السِّير الكَبير».

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الترمذي (١٠٠٥)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٢٩٣)، والحاكم في «المستدرك» (٦٨٢٥).

وفي «فَتاوى أهلِ سَمَرقَندَ» استِماعُ صَوتِ المَلاهي كالضَّربِ بالقَصَبِ، وغَيرِ ذلك من المَلاهي، حَرامٌ، وقد قالَ عليه السلام: «استِماعُ المَلاهي مَعصيةٌ، والجُلوسُ عليها فِسقٌ، والتَّلذُّذُ بها من الكُفرِ» وهكذا خرَجَ على وَجهِ التَّشديدِ بعِظَمِ الذَّنبِ؛ قالوا: إلا أنْ يُسمِعَ نَفسَه فيَكونَ مَعذورًا، والواجِبُ على كلِّ أحَدٍ أنْ يَجتهِدَ حتى لا يَسمعَ (١).

وقالَ المالِكيةُ: الغِناءُ إنْ كانَ بغَيرِ آلةٍ فهو مَكروهٌ، ولا يَقدَحُ في الشَّهادةِ بالمَرَّةِ الواحِدةِ، بل لا بدَّ من تَكرُّرِه، وفي «المُدوَّنة» تُردُّ شَهادةُ المُغنِّي والمُغنِّيةِ والنائِحِ والنائِحةِ إذا عُرِفوا بذلك.

المازِريُّ: وأمَّا الغِناءُ بآلةٍ فإنْ كانَت ذاتَ أَوتارٍ كالعُودِ والطُّنبورِ فمَمنوعٌ، وكذلك المِزمارُ.

قالَ الحَطابُ: والظاهِرُ عندَ بَعضِ العُلماءِ أنَّ ذلك يُلحَقُ بالمُحرَّماتِ، وإنْ كانَ مُحمدٌ أطلَقَ في سَماعِ العُودِ أنَّه مَكروهٌ، وقد يُريدُ بذلك التَّحريمَ.

ونَصَّ مُحمدُ بنُ عبدِ الحَكَمِ على أنَّ سَماعَ العُودِ تُردُّ به الشَّهادةُ، قالَ: إلا أنْ يَكونَ ذلك في عُرسٍ أو صَنيعٍ ليسَ معَه شَرابٌ يُسكِرُ؛ فإنَّه لا يَمنَعُ من قَبولِ الشَّهادةِ، قالَ: وإنْ كانَ ذلك مَكروهًا على كلِّ حالٍ وقد يُريدُ بالكَراهةِ التَّحريمَ، كما قَدَّمنا، انتَهى ونقَلَه ابنُ عَرَفةَ أيضًا (٢).

(١) «المحيط البرهاني» (٥/ ٢٣٣)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٢٢٢)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٦١، ١٦٣)، و «اللباب» (٢/ ٤٥٦)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٧٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٧/ ١٥٥).
(٢) «مواهب الجليل» (٨/ ١٣٦).

وقالَ الإمامُ الدِّرديرُ رحمة الله عليه: وسَماعُ غِناءٍ مُتكرِّرٍ بالمَدِّ بغَيرِ آلةٍ؛ لإِخلالِ سَماعِه بالمُروءةِ، وهو مَكروهٌ، إذا لم يَكنْ بقَبيحٍ ولا حُملَ عليه، ولا بآلةٍ وإلا حرُمَ.

قالَ الإمامُ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: قَولُه: (وهو مَكروهٌ إذا لم يَكنْ بقَبيحٍ) أي: بكَلامٍ قَبيحٍ، ولا حُملَ عليه، أي: على القَبيحِ، كتَعلُّقٍ بامرَأةٍ أو بأمرَدَ، ولا بآلةٍ، أي: كعُودٍ وقانونٍ، وقَولُه: وإلا حرُمَ، أي: وإلا بأنْ تَخلَّفَ شَرطٌ من الشُّروطِ الثَّلاثةِ كانَ سَماعُه وكذا فِعلُه حَرامًا ولو في عُرسٍ على المُعتمَدِ، وهل تُردُّ به الشَّهادةُ سَواءٌ كانَ مَكروهًا أو حَرامًا ولو مَرةً في السَّنةِ وهو ما في «لتت» أو لا بدَّ من التَّكرارِ في السَّنةِ وهو ما يُفيدُه المَوَّاقُ وهو المُعتمَدُ خِلافًا لما في «عبق» كذا قرَّرَ شَيخُنا العَدويُّ.

وحاصِلُ ما في «عبق» أنَّ الغِناءَ إنْ حُملَ على تَعلُّقٍ بمُحرَّمٍ كامرَأةٍ وأمرَدَ حرُمَ فِعلًا وسَماعًا تَكرَّرَ أو لا، بآلةٍ أو لا، كانَ في عُرسٍ أو صَنيعٍ كوِلادةٍ وخِتانٍ وقُدومٍ من سَفَرٍ وعَقدِ نِكاحٍ، أو كانَ في غَيرِها، ومتى لم يُحمَلْ على مُحرَّمٍ جازَ بعُرسٍ وصَنيعٍ سَواءٌ كانَ بآلةٍ أو غَيرِها سَماعًا وفِعلًا تَكرَّرَ أو لا، لا بغَيرِ عُرسٍ وصَنيعٍ، فيُمنَعُ إنْ تَكرَّرَ سَواءٌ كانَ بآلةٍ أو غَيرِها، فِعلًا وسَماعًا، وإنْ لم يَتكرَّرْ كُرهَ سَماعًا، وهل كذا فِعلًا أو يُمنَعُ؟ خِلافٌ. اه.

ولكنَّ المُعتمَدَ -كما قالَ شَيخُنا- أنَّه متى كانَ بكَلامٍ قَبيحٍ أو يُحمَلُ على قَبيحٍ أو كانَ بآلةٍ كانَ حَرامًا سَواءٌ كانَ بعُرسٍ أو صَنيعٍ أو غَيرِهما تَكرَّرَ أو لا، فِعلًا أو سَماعًا، وإنْ لم يَكنْ بقَبيحٍ، ولم يُحمَلْ عليه ولم يَكنْ بآلةٍ،

فالكَراهةُ سَواءٌ كانَ بعُرسٍ أو صَنيعٍ أو غَيرِهما، تَكرَّرَ أو لا، فِعلًا أو سَماعًا تُردُّ به الشَّهادةُ إذا تَكرَّرَ في السَّنةِ كانَ بآلةٍ أو بغَيرِها على ما للمَوَّاقِ.

وفي «بن» عن ابنِ عَرفةَ قالَ ابنُ عبدِ الحَكَمِ: سَماعُ العُودِ جَرحةٌ إلا أنْ يَكونَ في صَنيعٍ لا شُربَ فيه فلا يُجرَحُ وإنْ كُرهَ على كلِّ حالٍ. اه. وهو ضَعيفٌ كما قالَ شَيخُنا (١).

وقالَ الشافِعيةُ: يُكرهُ الغِناءُ إذا كانَ بلا آلةٍ من المَلاهي المُحرَّمةِ، وهو رَفعُ الصَّوتِ بالشِّعرِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [الأحزاب: ٦]، قالَ ابنُ مَسعودٍ: هو -واللهِ- الغِناءُ.

ويُكرهُ استِماعُه كذلك.

أمَّا معَ الآلةِ فحَرامانِ، واستِماعُه بلا آلةٍ من الأجنَبيةِ أشَدُّ كَراهةً؛ فإنْ خِيفَ من استِماعِه منها أو من أمرَدَ فِتنةٌ فحَرامٌ قَطعًا.

قالَ الإمامُ العِمرانِيُّ رحمة الله عليه: أمَّا الغِناءُ -وهو: التَّغَنِّي بالأَلحانِ-؛ فإنْ لم يَكنْ معَه آلةٌ مُطرِبةٌ فهو مَكروهٌ عِندَنا، غيرُ مُحرَّمٍ ولا مُباحٍ.

قالَ الشافِعيُّ: (وهو مَكروهٌ يُشبِهُ الباطِلَ). وبه قالَ مالِكٌ وأبو حَنيفةَ.

وذهَبَ سَعيدُ بنُ إِبراهيمَ الزُّهريُّ وعُبَيدُ اللهِ بنُ الحُسَينِ العَنبَريُّ إلى: أنَّه مُباحٌ؛ لما رُويَ «عن عائِشةَ رضي الله عنها أنَّها قالَت: دخَلَ علَيَّ أَبو بَكرٍ وعِندي جاريَتانِ تُغنِّيانِ، فقالَ: مَزمورُ الشَّيطانِ -ورُويَ: مِزمارُ الشَّيطانِ-

(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٦/ ٦٣)، و «التاج والإكليل» (٥/ ١٠٩).

في بَيتِ رَسولِ اللهِ ؟! فقالَ النَّبيُّ : «دَعهُما؛ فإنَّها أيامُ عِيدٍ» (١). ولولا أنَّه مُباحٌ لما أقَرَّهما النَّبيُّ .

ورُويَ عن عُمرَ رضي الله عنه أنَّه قالَ: (الغِناءُ من زادِ الراكِبِ). وعن عُثمانَ أنَّه كانَ عندَه جارِيتانِ تُغنيانِ، فلمَّا كانَ وَقتُ السَّحَرِ قالَ لهما: (أمسِكا؛ فإنَّ هذا وَقتُ الاستِغفارِ).

دَليلُنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)[الحج: ٣٠]. قالَ مُحمدُ -ابنُ الحَنفيةِ-: هو الغِناءُ.

وقَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٦] قالَ ابنُ مَسعودٍ: (لَهوُ الحَديثِ: هو الغِناءُ).

وقالَ ابنُ عَباسٍ: (لَهوُ الحَديثِ: هو الغِناءُ وأشباهُهُ)، وشِراءُ المُغنياتِ والمَلاهي.

ورَوى ابنُ مَسعودٍ: أنَّ النَّبيَّ قالَ: «الغِناءُ يُنبِتُ النِّفاقَ في القَلبِ كما يُنبِتُ الماءُ البَقلَ» (٢).

ورَوى أَبو أُمامةَ الباهِليُّ: «أنَّ النَّبيَّ نَهى عن بَيعِ المُغنياتِ وشِرائِهنَّ، وثَمَنهُنَّ حَرامٌ»، فحصَلَ الإِجماعُ على أنَّ ثَمَنهُنَّ لا يَحرُمُ، وأقَلُّ ما في هذه الأخبارِ أنَّها تَقتَضي الكَراهةَ.

ورُويَ: (أنَّ رَجلًا سألَ ابنَ عَباسٍ عن الغِناءِ: أحَلالٌ هو؟ قالَ: لا، قالَ: أحَرامٌ هو؟ قالَ: لا،

(١) أخرجه البخاري (٩٠٧، ٢٧٥٠)، ومسلم (٨٩٢).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أَبو داود (٤٩٢٧)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٢٠٧٩٦).

قالَ: فما هو؟ قالَ: إذا كانَ يَومُ القيامةِ وجمَعَ اللهُ الحَقَّ والباطِلَ أيَكونُ الغِناءُ معَ الحَقِّ؟ قالَ: لا، قالَ: فإذا لم يَكنْ معَ الحَقِّ كانَ معَ الباطِلِ؟ قالَ: لا، قالَ: أفتَيتَ نَفسَك). وهذا تَصريحٌ منه أنَّه ليسَ بمُباحٍ.

وأمَّا الأَخبارُ التي استدَلُّوا بها على إباحَتِه: فإنَّها لا تَدُلُّ على أنَّه مُباحٌ، بدَليلِ ما ذكَرْناه، بل تَدُلُّ على أنَّه غيرُ مُحرَّمٍ، وعلى أنا نَحمِلُها على نَشيدِ الأَعرابِ دونَ التَّغَنِّي بالأَلحانِ التي تُطرِبُ.

إذا ثبَتَ هذا: فإنِ اتَّخَذَ الرَّجلُ الغِناءَ صِناعةً يَغشاه الناسُ في مَنزِلهِ ليَسمَعوه أو يَستَدعوه إلى مَنازِلِهم ليُسمِعَهم ذلك رُدَّت شَهادتُه؛ لأنَّ ذلك سَفهٌ وتَركُ مُروءةٍ. وإنْ كانَ لا يَسعَى إليه، بل يَترنَّمُ لنَفسِه، ولا يُغنِّي للناسِ، لم تُردَّ شَهادتُه بذلك؛ لأنَّ مُروءَتَه لا تَذهَبَ بذلك.

وإنِ اتَّخَذَ الرَّجلُ غُلامًا مُغنِّيًا أو جاريةً مُغنِّيةً؛ فإنْ كانَ يَدعو الناسَ إلى سَماعِهما رُدَّت شَهادَتُه بذلك؛ لأنَّ ذلك سَفهٌ وتَركُ مُروءةٍ، والجاريةُ أشَدُّ كَراهيةً من الغُلامِ؛ لأنَّه دَناءةٌ.

وأمَّا سامِعُ الغِناءِ فإنْ كانَ يَغشَى بُيوتَ المُغنِّينَ أو يَستَدعيهم إلى بَيتِه ليُغنُّوا له؛ فإنْ كانَ في خُفيةٍ لم تُردَّ شَهادتُه لذلك؛ لأنَّ مُروءَتَه لا تَسقُطُ بذلك. وإنْ أكثَرَ من ذلك رُدَّت شَهادَتُه بذلك؛ لأنَّ ذلك سَفَهٌ.

قالَ ابنُ الصَّباغِ: ولم يُفرِّقْ أَصحابُنا بَينَ سَماعِ الغِناءِ من الرَّجلِ وبَينَ سَماعِه من المَرأةِ، ويَنبَغي أنْ يَكونَ سَماعُ الغِناءِ من المَرأةِ الأجنَبيةِ أشَدَّ

كَراهةً من سَماعِه من الرِّجالِ أو من جارِيَتِه أو زَوجتِه أو من ذاتِ رَحمٍ مَحرَمٍ؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ الافتِتانُ بصَوتِها وإنْ كانَ صَوتُها ليسَ بعَورةٍ، كما أنَّ وَجهَها ليسَ بعَورةٍ ولا يَجوزُ له النَّظرُ إليه (١).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: اختَلفَ أهلُ العِلمِ في إِباحةِ الغِناءِ -أي: بدونِ آلاتٍ- وحَظرِه، فأباحَه أكثَرُ أهلِ الحِجازِ وحَظَرَه أكثَرُ أهلِ العِراقِ. وكرِهَه الشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ ومالِكٌ في أصَحِّ ما نُقلَ عنهم، فلم يُبيحوه على الإطلاقِ ولم يَحظُروه على الإطلاقِ، فتَوسَّطوا فيه بالكَراهةِ بينَ الحَظرِ والإِباحةِ (٢).

وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يُكرهُ الغِناءُ، وهو رَفعُ الصَّوتِ بالشِّعرِ على وَجهٍ مَخصوصٍ بلا آلةِ لَهوٍ كعُودٍ وطُنبورٍ ونَحوِهما ويُكرهُ استِماعُه إلا من أجنَبيةٍ، فيَحرُمُ التَّلذُّذُ به، وكذا يَحرُمُ معَ آلةِ لَهوٍ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: واختَلفَ أَصحابُنا في الغِناءِ فذهَبَ أَبو بَكرٍ الخَلَّالُ وصاحِبُه أَبو بَكرٍ عَبدُ العَزيزِ إلى إباحَتِه، وقالَ أَبو بَكرٍ عَبدُ العَزيزِ: والغِناءُ والنَّوحُ مَعنًى واحِدٌ مُباحٌ ما لم يَكنْ معَه مُنكَرٌ ولا فيه طَعنٌ، وكانَ الخَلَّالُ يَحمِلُ الكَراهةَ من أَحمدَ على الأَفعالِ المَذمومةِ لا على القَولِ بعَينِه.

(١) «البيان» (١٣/ ٢٩٢، ٢٩٥)، و «روضة الطالبين» (٧/ ٣٧٨، ٣٧٩)، و «شرح صحيح مسلم» (٦/ ١٨٢)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٢٩٧)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٣٧٣).
(٢) «الحاوي الكبير» (١٧/ ١٨٨).
(٣) «كشاف القناع» (٦/ ٥٣٤)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٦٦٧).

ورُويَ عن أَحمدَ أنَّه سمِعَ عندَ ابنةِ صالِحٍ قَوَّالًا فلم يُنكِرْ عليه، وقالَ له صالِحٌ: يا أبَهْ أليسَ كُنْتَ تَكرَهُ هذا؟ فقالَ: إنَّه قيلَ لي: إنَّهم يَستَعمِلونَ المُنكَرَ.

وممَّن ذهَبَ إلى إباحَتِه من غيرِ كَراهةٍ سَعدُ بنُ إبراهيمَ وكَثيرٌ من أهلِ المَدينةِ والعَنبَريُّ؛ لمَا رُويَ عن عائِشةَ رضي الله عنها قالَت: «كانَت عِندي جارِيتانِ تُغنِّيانِ فدخَلَ أَبو بَكرٍ فقالَ: مَزمورُ الشَّيطانِ في بَيتِ رَسولِ اللهِ فقالَ رَسولُ اللهِ : دَعْهما؛ فإنَّها أيامُ عِيدٍ» مُتَّفقٌ عليه.

وعن عُمرَ رضي الله عنه أنَّه قالَ: الغِناءُ زادُ الراكِبِ، واختارَ القاضِي أنَّه مَكروهٌ غيرُ مُحرَّمٍ وهو قَولُ الشافِعيِّ، قالَ: هو من اللَّهوِ المَكروهِ، وقالَ أَحمدُ: الغِناءُ يُنبِتُ النِّفاقَ في القَلبِ لا يُعجِبُني.

وذهَبَ آخَرونَ من أصحابِنا إلى تَحريمِه، قالَ أَحمدُ فيمَن ماتَ وخلَّفَ ولَدًا يَتيمًا وجاريةً مُغنيةً فاحتاجَ الصَّبيُّ إلى بَيعِها تُباعُ ساذَجةً، قيلَ له: إنَّها تُساوي مُغنيةً ثَلاثينَ ألفًا وتُساوي ساذَجةً عِشرينَ دينارًا، قالَ: لا تُباعُ إلا على أنَّها ساذَجةٌ.

واحتَجُّوا على تَحريمِه بما رُويَ عن ابنِ الحَنفيةِ في قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)[الحج: ٣٠] قالَ: الغِناءُ، وقالَ ابنُ عَباسٍ وابنُ مَسعودٍ في قَوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [الأحزاب: ٦] قالَا: هو الغِناءُ.

وعن أَبي أُمامةَ «أنَّ النَّبيَّ نَهى عن شِراءِ المُغنِّياتِ وبَيعِهِنَّ والتِّجارةِ فيهِنَّ، وأكلُ أَثمانِهِنَّ حَرامٌ»، أخرَجَه التِّرمِذيُّ وقالَ: لا نَعرِفُه إلا من حَديثِ علِيِّ بنِ يَزيدَ، وقالَ: تكلَّمَ فيه أهلُ العِلمِ ورَوى ابنُ مَسعودٍ أنَّ النَّبيَّ قالَ: «الغِناءُ يُنبِتُ النِّفاقَ في القَلبِ» والصَّحيحُ أنَّه مِنْ قَولِ ابنِ مَسعودٍ.

وعلى كلِّ حالٍ مَنْ اتَّخَذَ الغِناءَ صِناعةً يُؤتَى له ويأتي له، أو اتَّخَذ غُلامًا أو جاريةً مُغنِّيَينِ يَجمَعُ عليهما الناسُ فلا شَهادةَ له؛ لأنَّ هذا عندَ مَنْ لم يُحرِّمْ سَفهٌ ودَناءةٌ وسُقوطُ مُروءةٍ، ومَن حرَّمَه فهو معَ سَفَهِه عاصٍ مُصِرٌّ مُتظاهِرٌ بفُسوقِه، وبهذا قالَ الشافِعيُّ وأَصحابُ الرأيِ، وإنْ كانَ لا يَنسُبُ نَفسَه إلى الغِناءِ وإنَّما يَترنَّمُ لنَفسِه ولا يُغنِّي للناسِ، أو كانَ غُلامُه وجاريَتُه إنَّما يُغنِّيانِ له، انبَنَى هذا على الخِلافِ فيه، فمَن أباحَه أو كَرِهَه لم يَرُدَّ شَهادتَه، ومَن حرَّمَه قالَ: إنْ داوَمَ عليه رُدَّت شَهادَتُه كسائِرِ الصَّغائِرِ، وإنْ لم يُداوِمْ عليه لم تُرَدَّ شَهادتُه، وإنْ فعَلَه مَنْ يَعتقِدُ حِلَّه فقياسُ المَذهبِ أنَّه لا تُرَدُّ شَهادَتُه بما لا يُشتهَرُ به منه كسائِرِ المُختلَفِ فيه من الفُروعِ، ومَن كانَ يَغشَى بُيوتَ الغِناءِ أو يَغشاه المُغنُّونَ للسَّماعِ مُتظاهِرًا بذلك وكَثُرَ منه رُدَّت شَهادَتُه في قَولِهم جَميعًا؛ لأنَّه سَفَهٌ ودَناءةٌ، وإنْ كانَ مُعتبَرًا به فهو كالمُغنِّي لنَفسِه على ما ذُكِرَ من التَّفصيلِ فيه (١).

(١) «المغني» (١٠/ ١٧٤، ١٧٥)، و «المبدع» (١٠/ ٢٢٧).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 147 - 156

ارجع إلى الملاهي للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله