أخذ أجرة على تحمل الشهادة وأدائها

الإسلام > القضاء والشهادة > حكم أداء الشهادة > أخذ أجرة على تحمل الشهادة وأدائها

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

أخذ أجرة على تحمل الشهادة وأدائها - الأقوال والأدلة

فيَقولُ: «أخَذَ»، ولا يَقولُ: «سرَقَ»؛ لأنَّ قَولَه: «أخَذَ» يُوجِبُ الضَّمانَ، ولأنَّ قَولَه: «سرَقَ» يُوجِبُ القَطعَ، وقد نُدبَ إلى السَّتْرِ فيما يُوجِبُ القَطعَ، وتَجبُ عليه الشَّهادةُ فيما يُوجِبُ الضَّمانَ، ولأنَّ في قَولِه: «أخَذَ» إِحياءً لحَقِّ المَسروقِ منه (١).

وذهَبَ الحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ تَحمُّلَ الشَّهادةِ في حُقوقِ اللهِ تَعالى فَرضُ كِفايةٍ (٢).

أخْذُ أُجرةٍ على تَحمُّلِ الشَّهادةِ وأَدائِها:

نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ على أنَّه لا يَجوزُ أَخذُ الأُجرةِ على أَداءِ الشَّهادةِ ولا على تَحمُّلِها إذا لم يَكنْ عليه ضَررٌ بالأَداءِ والتَّحمُّلِ؛ فإنْ كانَ عليه ضَررٌ وتَعيَّنت عليه جازَ أَخذُ أُجرةِ مَركوبٍ، وكذا أَخذُ نَفقةٍ عند بعضِهم.

قالَ الحَنفيةُ: ليسَ للشاهِدِ أنْ يَطلُبَ أُجرةً على شَهادتِه من المَشهودِ له، فإذا طلَبَ الشاهِدُ أُجرةً فلا تُقبلُ شَهادتُه (٣).

وقالَ المالِكيةُ: الشاهِدُ إذا كانَ على مَسافةِ بريدَينِ فما دونَ ذلك وتعيَّنَ عليه الأَداءُ فإنَّه إذا انتفَعَ بشَيءٍ من المَشهودِ له على أَداءِ شَهادتِه يَكونُ ذلك

(١) «الاختيار» (٢/ ١٦٧)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٤٠، ١٤١)، و «اللباب» (٢/ ٤٤٦)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٢٧٠)، و «القوانين الفقهية» ص (٢٠٥)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٣٢٦)، و «مغني المحتاج» (٣٨٩)، و «الإنصاف» (١٢/ ٣)، و «كشاف القناع» (٦/ ٥١٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٦٣٨)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٥٩٤)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٨٩، ٤٩٠).
(٢) «الإنصاف» (١٢/ ٣).
(٣) «درر الحكام شرح مجلة الأحكام» (٤/ ٣٠١).

رَشوةً قادِحةً في عَدالتِه؛ لأنَّه أخَذَ أجرًا على أَداءِ واجِبٍ عليه فهو بمَنزلةِ مَنْ أخَذَ أَجرًا على الصَّلاةِ وهو لا يَجوزُ.

أمَّا إنْ لم يَمتنِعْ ودفَعَ له المَشهودُ له شَيئًا من غيرِ طَلبٍ أو لم تَكنْ له دابَّةٌ وتَعسَّر عليه المَشيُ إلى مَحلِّ أَداءِ الشَّهادةِ فليسَ بجَرحٍ ويَجوزُ له في الثانيةِ أنْ يَنتفِعَ من المَشهودِ له بدابَّةٍ يَركَبُها إلى مَحلِّ أَداءِ الشَّهادةِ؛ لأنَّه حينَئذٍ قد سقَطَ عنه أَداؤُها، ولا يَكونُ ذلك قادِحًا في شَهادتِه.

أمَّا إذا كانَ الشاهِدُ بينَه وبينَ أَداءِ الشَّهادةِ مَسافةُ القَصرِ؛ فإنَّه لا يَلزمُه حينَئذٍ أنْ يَسيرَ إلى مَحلِّ أَداءِ الشَّهادةِ، بل يُؤدِّيها عندَ القاضِي الذي هو في بَلدِه، ويَكتُبُ بها إلى ذلك القاضِي الذي على مَسافةِ القَصرِ، ويَجوزُ للشاهِدِ حينَئذٍ أنْ يَنتفعَ من المَشهودِ له بدابَّةٍ يَركبُها إلى مَحلِّ أَداءِ الشَّهادةِ، وبنَفقةٍ له ولأهلِ بَيتِه مُدةَ ذَهابِه وإِيابِه من غيرِ تَحديدٍ؛ لأنَّه أخْذٌ عن شَيءٍ لا يَجبُ عليه (١).

والأَصلُ عندَ الشافِعيةِ أنَّه إنْ تعيَّنَ عليه فَرضُ تَحمُّلِ الشَّهادةِ أو أَدائِها لم يَجزْ له أنْ يَأخذَ على ذلك أُجرةً؛ لأنَّه فَرضٌ تَوجَّه عليه، فلا يَجوزُ أنْ يَأخذَ عليه أُجرةً، كالصَّلاةِ، فإنْ لم يَتعيَّنْ عليه فهل يَجوزُ له أنْ يَأخذَ عليه أُجرةً؟ فيه وَجهانِ:

أَحدُهما: يَجوزُ؛ لأنَّه وَثيقةٌ بالحَقِّ ولم يَتعيَّنْ عليه، فجازَ له أَخذُ الأُجرةِ عليها، ككِتابةِ الوَثيقةِ.

(١) «شرح مختصر خليل» (٧/ ٢١٣، ٢١٤)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١١٥)، و «تحبير المختصر» (٥/ ١٦٢).

والثانِي: لا يَجوزُ له ذلك؛ لأنَّ التُّهمةَ تَلحَقُه بأخْذِ العِوضِ (١).

وقالَ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ليسَ للشاهِدِ أَخذُ رِزقٍ لتَحمُّلِ الشَّهادةِ من الإِمامِ أو أحدِ الرَّعيةِ. وأمَّا أخْذُه من بَيتِ المالِ فهو كالقاضي، وتقدَّمَ تَفصيلُه، وإنْ قالَ ابنُ المَقَّريِّ: ليسَ له الأخْذُ مُطلَقًا، وقالَ غيرُه: له ذلك بلا تَفصيلٍ، وله بكلِّ حالٍ أَخذُ أُجرةٍ من المَشهودِ له على التَّحملِ، وإنْ تَعيَّنَ عليه إنْ دُعيَ له؛ فإنْ تحمَّلَ بمَكانِه فلا أُجرةَ له.

وليسَ له أَخذُ أُجرةٍ للأَداءِ، وإنْ لم يَتعيَّنْ عليه؛ لأنَّه فَرضٌ عليه، فلا يَستحِقُّ عِوضًا، ولأنَّه كَلامٌ يَسيرٌ لا أُجرةَ لمِثلِه.

وفارَقَ التَّحمُّلَ بأنَّ الأخْذَ للأَداءِ يُورِثُ تُهمةً قَويةً معَ أنَّ زَمنَه يَسيرٌ ولا تَفوتُ به مَنفعةٌ مُتقوَّمةٌ، بخِلافِ زَمنِ التَّحمُّلِ إلا إنْ دُعيَ من مَسافةِ عَدوَى فأكثَرَ فله نَفقةُ الطَّريقِ وأُجرةُ المَركوبِ، وإنْ لم يَركَبْ. نَعمْ لمَن في البَلدِ أَخذُ الأُجرةِ إنِ احتاجَ إليها، وله صَرفُ ما يُعطيه له المَشهودُ له إلى غيرِ النَّفقةِ والأُجرةِ، وكذا مَنْ أعطَى فَقيرًا شَيئًا ليَكسوَ به نَفسَه، فللفَقيرِ أنْ يَصرِفَه لغيرِ الكِسوةِ، ثم إنْ مَشى الشاهِدُ من بَلدٍ إلى بَلدٍ معَ قُدرتِه على الرُّكوبِ، قد تَنخرِمُ المُروءةُ فيَظهرُ امتِناعُه فيمَن هذا شأنُه، قالَه الإِسنَويُّ. قالَ الأذرَعيُّ: لا يَتقيَّدُ ذلك ببلدَينِ، بل قد يأتي في البَلدِ الواحِدِ، فيُعدُّ ذلك خَرمًا للمُروءةِ إلا أنْ تَدعوَ الحاجةُ إليه، أو يَفعلَه تَواضُعًا (٢).

(١) «البيان» (١٣/ ٢٦٩).
(٢) «مغني المحتاج» (٦/ ٤١٢).

وقالَ الحَنابِلةُ: يَحرُمُ أَخذُ أُجرةٍ وجُعلٍ على تَحمُّلِ الشَّهادةِ وأَدائِها، ولو لم تَتعيَّنُ عليه؛ لأنَّ فَرضَ الكِفايةِ إذا قامَ به بَعضٌ وقَعَ منه فَرضًا، ولا يَجوزُ أَخذُ الجُعلِ عليه كصَلاةِ جِنازةٍ.

لكنْ إنْ عجَزَ الشاهِدُ عن المَشيِ أو تأذَّى به فله أَخذُ أُجرةِ مَركوبٍ من رَبِّ الشَّهادةِ، كالشاهِدِ في أخْذِ أُجرةٍ وجُعلِ مُزَكٍّ ومُعرِّفٍ ومُتَرجِمٍ ومُفتٍ ومُقيمِ حَدٍّ ومُقيمِ قَوَدٍ وحافِظِ مالِ بَيتِ المالِ ومُحتسِبٍ والخَليفةِ (١).

(١) «كشاف القناع» (٦/ ٥١٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٦٣٧، ٦٣٨)، و «مطالب أولي النهى» (٦/ ٥٩٣)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٩١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشهادة
كتاب الرجوع عن الشهادة

كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ

الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي الْأَصْلِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ بَيَانُ حُكْمِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا - يَرْجِعُ إلَى مَالِ الشَّاهِدِ، وَالثَّانِي - يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَالِهِ فَهُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ، أَمَّا الْأَوَّلُ - فَسَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي هَذَا الْبَابِ إتْلَافُ الْمَالِ أَوْ النَّفْسِ بِالشَّهَادَةِ؛؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا يَجِبُ إمَّا بِالِالْتِزَامِ أَوْ بِالْإِتْلَافِ، وَلَمْ يُوجَدْ الِالْتِزَامُ فَيَتَعَيَّنَ الْإِتْلَافُ فِيهَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، فَإِنْ وَقَعَتْ إتْلَافًا انْعَقَدَتْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَإِلَّا فَلَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 13 - 16
بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد