الإسلام > القضاء والشهادة > موانع الشهادة > المانع الثالث: شهادة الصديق الملاطف
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 8 دقيقة قراءةالمانِعُ الثالِثُ: شَهادةُ الصَّديقِ المُلاطِفِ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على أنَّ الصَّديقَ إذا كانَ غيرَ مُلاطِفٍ لصَديقِه؛ فإنَّه تَجوزُ الشَّهادةُ له وعليه؛ لعُمومِ الأَدلةِ.
إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا في شَهادةِ الصَّديقِ المُلاطِفِ لصَديقِه إذا كانَ في بِرِّه وصِلتِه هل تُقبلُ أو لا؟
فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ وأكثَرُ أهلِ العِلمِ إلى أنَّها تُقبلُ ولا فَرقَ بَينَ الصَّديقِ المُلاطِفِ والصَّديقِ غيرِ المُلاطِفِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيةَ، وقَولِه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ولم يُفرِّقْ.
ولأنَّه لا يُعتَقُ أحدُهما على الآخَرِ إذا ملَكَه، فقَلَّت شَهادتُه له، كما لو لم يَكنْ بينَهما مُهاداةٌ ولا مُلاطَفةٌ (١).
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وتُقبَلُ شَهادةُ أحَدِ الصَّديقَينِ لصاحِبِه في قَولِ عامةِ العُلماءِ إلا مالِكًا، قالَ: لا تُقبلُ شَهادةُ الصَّديقِ المُلاطِفِ؛ لأنَّه يَجرُّ إلى نَفسِه نَفعًا بها، فهو منهم، فلم تُقبَلْ شَهادَتُه كشَهادةِ العَدوِّ على عَدوِّه.
ولنا: عُمومُ أدِلةِ الشَّهادةِ وما قالَه يُبطِلُ شَهادةَ الغَريمِ للمَدينِ قبلَ الحَجْرِ، وإنْ كانَ ربَّما قَضاه دَينَه منه فجَرَّ إلى نَفسِه نَفعًا أعظَمَ ممَّا يُرجى ههُنا بَينَ الصَّديقَينِ.
(١) «البحر الرائق» (٧/ ٨٥)، و «الحاوي الكبير» (١٧/ ١٦٢، ١٦٣)، و «البيان» (١٣/ ٣١٤، ٣١٥).
فأمَّا العَداوةُ فسَببُها مَحظورٌ، وفي الشَّهادةِ عليه شِفاءُ غَيظِه منه، فخالَفَت الصَّداقةَ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّ الصَّديقَ المُلاطِفَ -وهو الذي يَسرُّه ما يَسرُّك ويَضرُّه ما يَضرُّك- لا تُقبلُ شَهادتُه لصَديقِه إلا بشَرطِ أنْ يَكونَ بارِزًا في العَدالةِ، وألَّا يَكونَ في عيالِه يَأكلُ معهم ويَسكنُ عندَهم كأنَّه مِنْ أَفرادِهم؛ لما رُويَ مَرفوعًا: «لا تُقبلُ شَهادةُ خَصمٍ ولا ظِنِّينٍ» (٢).
ولأنَّ التُّهمةَ بينَهما مُقرَّرةٌ في العادةِ؛ لأنَّه مَعلومٌ أنَّ الإِنسانَ إذا كانَت بَينَه وبَينَ إِنسانٍ صَداقةٌ ومَودَّةٌ يَبَرُّه ويَصِلُه؛ فإنَّه يُحِبُّ جَرَّ النَّفعِ إليه ودَفعَ الضَّررِ عنه قياسًا، فنَقولُ: لأنَّها تُهمةٌ في العادةِ غالِبةٌ مُقرَّرةٌ بالطِّباعِ في مَحبةِ النَّفعِ ودَفعِ الضَّررِ كشَهادةِ الأبِ والابنِ.
ولأنَّ التُّهمةَ بالصَّداقةِ على الوَصفِ الذي ذكَرْناه في مُقابَلةِ التُّهمةِ بالعَداوةِ، فلمَّا كانَت العَداوةُ مُؤثِّرةً في مَنعِ الشَّهادةِ فكذلك الصَّداقةُ (٣).
وهو قَولُ ابنِ عَقيلٍ من الحَنابِلةِ، قالَ المَرداويُّ رحمة الله عليه: قَولُه: وتُقبلُ شَهادةُ الصَّديقِ لصَديقِه، هذا المَذهبُ وعليه الأَصحابُ.
(١) «المغني» (١٠/ ١٨٨)، و «البحر الرائق» (٧/ ٨٥).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: تقدم.
(٣) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ٧٥)، رقم (١٨٢٨)، و «أحكام القرآن» (١/ ٦٣٨)، و «تفسير القرطبي» (١٢/ ٣١٦)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ١٨٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٦٦).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشهادة
كتاب الرجوع عن الشهادة
كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ
الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي الْأَصْلِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ بَيَانُ حُكْمِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا - يَرْجِعُ إلَى مَالِ الشَّاهِدِ، وَالثَّانِي - يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَالِهِ فَهُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ، أَمَّا الْأَوَّلُ - فَسَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي هَذَا الْبَابِ إتْلَافُ الْمَالِ أَوْ النَّفْسِ بِالشَّهَادَةِ؛؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا يَجِبُ إمَّا بِالِالْتِزَامِ أَوْ بِالْإِتْلَافِ، وَلَمْ يُوجَدْ الِالْتِزَامُ فَيَتَعَيَّنَ الْإِتْلَافُ فِيهَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، فَإِنْ وَقَعَتْ إتْلَافًا انْعَقَدَتْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَإِلَّا فَلَا.
ارجع إلى موانع الشهادة للاطلاع على جميع المسائل.