موانع الشهادة

الإسلام > القضاء والشهادة > موانع الشهادة

مسائلُ فقهيةٌ في موانع الشهادة على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

تعريف موانع الشهادة وحكمها

فصل في مَوانِعِ الشَّهادةِ

إذا تَوافَرَت شُروطُ الشَّهادةِ بأنْ كانَ الشاهِدُ مُسلِمًا حُرًّا عَدلًا بَصيرًا ناطِقًا؛ فإنَّ شَهادَتَه صَحيحةٌ إلا أنَّه قد يُوجَدُ مانِعٌ يَمنَعُ مِنْ قَبولِ شَهادتِه عندَ بَعضِ الفُقهاءِ كشَهادةِ أحدِ الزَّوجَينِ للآخَرِ، وأحَدِ الشَّريكَينِ لصاحِبِه والوَلدِ لأَبيه أو الوالِدِ لابنِه، وإنْ كانَ هناك عَداوةٌ دُنيَويةٌ بَينَهما، وبَيانُ هذا فيما يَلي:

المانِعُ الأولُ: شَهادةُ أحَدِ الزَّوجَينِ للآخَرِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ شَهادةِ أحَدِ الزَّوجَينِ لصاحِبِه هل تُقبلُ شَهادتُه إذا تَوافَرَت فيه شُروطُ الشَّهادةِ أو لا تُقبلُ؟

فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ أحَدِ الزَّوجَينِ للآخَرِ؛ لأنَّ الانتِفاعَ بينَهما مُتَّصلٌ عادةً فيَكونُ مُتَّهمًا؛ لأنَّ ما بينَهما مِنْ وَصلةِ الزَّوجيةِ يَكونُ تُهمةً في شَهادةِ كلِّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه، وبَيانُ ذلك أنَّ عَقدَ النِّكاحِ مَشروعٌ لهذا، وهو أنْ يَألفَ كلُّ واحِدٍ منهما صاحِبَه ويَميلَ إليه ويُؤثِرَه على غَيرِه، وإليه أشارَ اللهُ تَعالى في قَوله: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾

[الروم: ٢١]، فأخبَرَ تَعالى أنَّ سَبَبَ الزَّوجيةِ لسُكونِ نَفسِ كلِّ واحِدٍ من الزَّوجَينِ إلى الآخَرِ، وأنَّه طبَعَهما على التَّحابِّ والتَّوادِّ والحُنوِّ والرَّأفةِ والاتِّحادِ، فهو مَشروعٌ لمَعنَى الاتِّحادِ في القيامِ بمَصالِحِ المَعيشةِ، ولهذا جعَلَ رَسولُ اللهِ أُمورَ ما في داخِلِ البَيتِ على فاطِمةَ رضي الله عنهما، وأُمورَ ما في خارِجِ البَيتِ على علِيٍّ رضي الله عنه وبهما تَقومُ مَصالِحُ المَعيشةِ، فكانا في ذلك كشَخصٍ واحِدٍ.

ولا يُقالُ هذا الاتِّحادُ بينَهما في حُقوقِ النِّكاحِ خاصَّةً؛ لأنَّ مَعنى الاتِّحادِ في حُقوقِ النِّكاحِ مُستحَقٌّ شَرعًا، وفيما وَراءَ ذلك ثابِتٌ عُرفًا فالظاهِرُ مَيلُ كلِّ واحِدٍ منهما إلى صاحِبِه وإِيثارُه على غَيرِه كما في الآباءِ والأولادِ بل أظهَرُ؛ فإنَّ الإِنسانَ قد يُعادي والدَيه لتَرضَى زَوجَتُه، وقد تَأخذُ المَرأةُ من مالِ أَبيها فتَدفَعُه إلى زَوجِها، والدَّليلُ عليه أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَعدُّ مَنفَعةَ صاحِبِه مَنفَعتَه، ويُعدُّ الزَّوجُ غَنيًّا بمالِ الزَّوجةِ، قيلَ في تَأويلِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)[الضحى: ٨]، أي بمالِ خَديجةَ رضي الله عنها، ولمَّا جاءَ إلى عُمرَ رضي الله عنه رَجلٌ فقالَ: إنَّ عَبدي سرَقَ مِرآةَ امرَأتِي، فقالَ: «مالُكَ سرَقَ بَعضُه بَعضًا».

والدَّليلُ على أنَّ الزَّوجةَ بمَنزِلةِ الأَولادِ حُكمًا استِحقاقُ الإرثِ بها مِنْ غيرِ حَجبٍ بمَن هو أقرَبُ.

تَوضيحُ الفَرقِ ما قُلنا: إنَّ الزَّوجةَ بمَنزِلةِ الأصلِ للوِلادِ؛ فإنَّ الوِلادَ يَنشأُ مِنْ الزَّوجيةِ، والحُكمُ الثابِتُ للفَرعِ يَثبُتُ في الأصلِ، وإنِ انعَدَم ذلك المَعنى فيه، ولأنَّه إنْ كانَ الزَّوجُ الشاهِدَ فهو يَجرُّ إلى نَفسِه نَفعًا؛ لأنَّ قِيمةَ

بُضعِ المَرأةِ المَملوكِ له يَزدادُ بيَسارِها، وإنْ كانَ الشاهِدُ المَرأةَ فنَفَقتُها تَزدادُ بيَسارِه.

ولِما رُويَ عن عُمرَ رضي الله عنه: «لا تَجوزُ شَهادةُ خَصمٍ ولا ظِنِّينٍ» (١). والظِّنِّينُ المُتَّهمُ، وذلك مَوجودٌ في الزَّوجَينِ في غالِبِ الطِّباعِ، بدَليلِ أنَّ العِلمَ المُتصَوَّرَ في النُّفوسِ بأنَّ الإنسانَ يُحبُّ نَفعَ زَوجتِه ويَهوَى هَواها ويَكرَهُ ضرَرَها، حتى إنَّه يَغضَبُ لها على أهلِه وأَقاربِه، ويَنتفِعُ بما لها، ويَنبَسِطُ فيه، ويَتحمَّلُ به، وإذا صحَّ ذلك كانَت هذه التُّهمةُ مانِعةً مِنْ قَبولِ شَهادةِ أحَدِهما للآخَرِ كالأبِ والابنِ.

وتَحريرُه قِياسًا أنْ يُقالَ؛ لأنَّها شَهادةٌ تَقوَى التُّهمةُ فيها، وأَسبابُها مِنْ الشاهِدِ والمَشهودِ له، فكانَت مَردودةً، أصلُه شَهادةُ الأبِ لابنِه، ولأنَّها شَهادةٌ يُجريها الشاهِدُ نَفعًا إلى نَفسِه، فلم تُقبَلْ كشَهادتِه على غَريمِه ولنَفسِه معه (٢).

وذهَبَ الشافِعيةُ والإمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه تُقبلُ شَهادةُ أحدِ الزَّوجَينِ للآخَرِ؛ لعُمومِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾

(١) مُعضل: رواه الإمام مالِك في «الموطأ» (١٤٠٣).
(٢) «مختصر اختلاف العُلماء» (٣/ ٣٤٣، ٣٤٤)، و «أحكام القرآن» (٢/ ٢٤٢، ٢٤٣)، و «المبسوط» (١٦/ ١٢٢، ١٢٣)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٧٢)، و «الهداية» (٣/ ١٢٢)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٥٩)، و «اللباب» (٢/ ٤٥٤)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ٧٢، ٧٤)، و «الإفصاح» (٢/ ٤٢١)، و «الكافي» (٤/ ٥٢٩)، و «المبدع» (١٠/ ٢٤٤)، و «الإنصاف» (١٢/ ٦٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ٥٤٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٦٧٤)، و «منار السبيل» (٣/ ٥٠٧).

[البقرة: ٢٨٢]، وقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ولم يُفرِّقْ، فوجَبَ أنْ يَكونَ على عُمومِه.

ورَوى مُجالِدٌ عن الشَّعبيِّ عن سُوَيدِ بنِ غَفَلةَ أنَّ يَهوديًّا كانَ يَسوقُ امرَأةً على حِمارةٍ فنخَسَها فرَمَت بها، فوقَعَت عليها، فشهِدَ عليه زَوجُها وأَخوها بقَتلِها عندَ عُمرَ بنِ الخَطابِ رضي الله عنه وقبِلَ شَهادتَهما. وقتَلَه وصلَبَه. وقالَ سُوَيدُ بنُ غَفلةَ: إنَّه لأوَّلُ مَصلوبٍ صُلبَ بالشامِ. وليسَ لعُمرَ مُخالِفٌ في الصَّحابةِ معَ انتِشارِ القِصةِ، فثبَتَ أنَّه إِجماعٌ لا مُخالِفَ له.

ولأنَّ بينَهما صِلةً لا تُوجِبُ العِتقَ لم يُمنَعْ مِنْ قَبولِ الشَّهادةِ، كالعَشيرةِ، ولأنَّها حُرمةٌ حدَثَت عن صِلةٍ، فلم تَمنَعْ من قَبولِ الشَّهادةِ، كآباءِ الزَّوجَينِ وأَبنائِهما، ولأنَّه عَقدٌ على مَنفَعةٍ فلم يُوجِبْ رَدَّ الشَّهادةِ كالإجارةِ. ولأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ لم يَمنَعْ مِنْ قَبولِ الشَّهادةِ كالبَيعِ.

ولأنَّ الزَّوجيةَ قد تَكونُ سَببًا للتَّنافُرِ والعَداوةِ، وقد تَكونُ سَببًا للمَيلِ والإِيثارِ، فهي نَظيرُ الأُخوَّةِ أو دونَ الأُخوَّةِ؛ فإنَّها تَحتمِلُ القَطعَ، والأُخوَّةُ لا تَحتمِلُ.

ودَليلُ هذا الوَصفِ جَريانُ القِصاصِ بينَهما في الطَّريقينِ في النَّفسِ، وأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لا يُعتَقُ على صاحِبِه إذا ملَكَه، ولأنَّ هذه وَصلةٌ بينَهما باعتِبارِ عَقدٍ لا يُؤثِّرُ في المَنعِ مِنْ قَبولِ الشَّهادةِ كالصَّداقِ والإِظهارِ والإِختانِ، وهذا لأنَّ عَقدَ النِّكاحِ يُثبِتُ أَحكامًا مُشتَركةً بَينَهما، ففيما وَراءَ ذلك يَنْزِلُ كلُّ واحِدٍ منهما مِنْ صاحِبِه مَنزِلةَ الأجنَبيِّ كشَريكَيِ العِنانِ.

مسائل موانع الشهادة الفقهية

ارجع إلى القضاء والشهادة للاطلاع على جميع الأبواب.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.5 / 29.5
الإضاءة 68%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
سبحان الله