المانع الثاني: شهادة الآباء والأبناء بعضهم لبعض

الإسلام > القضاء والشهادة > موانع الشهادة > المانع الثاني: شهادة الآباء والأبناء بعضهم لبعض

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

المانع الثاني: شهادة الآباء والأبناء بعضهم لبعض - الأقوال والأدلة

وهذا عندَ الشافِعيةِ في غيرِ الشَّهادةِ عليها بالزِّنا؛ لأنَّ شَهادتَه دَعوى خِيانةٍ في حَقِّه، فلم تُقبَلْ كشَهادةِ المُودِعِ على المُودَعِ بالخِيانةِ في الوَديعةِ، ولأنَّه خَصمٌ لها فيما يَشهَدُ به، فلم تُقبَلْ كما لو شهِدَ عليها أنَّها جَنَتْ عليه.

وفي قَولٍ عندَهم: تُقبلُ شَهادةُ الزَّوجِ لها دونَ عَكسِه (١).

المانِعُ الثانِي: شَهادةُ الآباءِ والأبناءِ بَعضِهم لبَعضٍ:

شَهادةُ الآباءِ للأبناءِ وشَهادةُ الأبناءِ للآباءِ لا تَخلو من حالتَينِ:

الحالةُ الأولى: الشَّهادةُ لهم (أنْ يَشهَدَ كلُّ واحِدٍ منهما للآخَرِ):

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ شَهادةِ الآباءِ للأبناءِ وشَهادةِ الأبناءِ للآباءِ هل تُقبلُ أو لا؟

فذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ الوالِدِ لوَلدِه ولا لوَلدِ وَلدِه، وإنْ سفَلَ، وسَواءٌ في ذلك وَلدُ البَنينِ ووَلدُ البَناتِ، ولا تُقبلُ شَهادةُ الوَلدِ لوالِدِه ولا لوالِدتِه، ولا جَدِّه ولا جَدَّتِه مِنْ قبَلِ أبيه وأُمِّه، وإن عَلَوا، وسَواءٌ في ذلك الآباءُ والأُمَّهاتُ وآباؤُهم وأُمَّهاتُهم.

وعن عائِشةَ مَرفوعًا: «لا تَجوزُ شَهادةُ خائِنٍ ولا خائِنةٍ ولا مَجلودٍ حَدًّا

(١) «الحاوي الكبير» (١٧/ ١٦٧)، و «المهذب» (٢/ ٣٣٠)، و «البيان» (١٣/ ٣١٤)، و «روضة الطالبين» (٧/ ٣٨٩)، و «الكافي» (٤/ ٥٢٩)، و «المبدع» (١٠/ ٢٤٤)، و «الإنصاف» (١٢/ ٦٨).

ولا مَجلودةٍ ولا ذي غِمرٍ لأَخيه، ولا مُجرَّبِ شَهادةٍ ولا القانِعِ أهلَ البَيتِ لهم، ولا ظِنِّينٍ في وَلاءٍ ولا قَرابةٍ» (١).

والظِّنِّينُ: المُتَّهمُ، وكلٌّ مِنْ الوالِدَينِ والأَولادِ مُتَّهمٌ في حَقِّ الآخَرِ؛ لأنَّه يَميلُ إليه بطَبعِه، ولهذا قالَ النَّبيُّ : «فاطِمةُ بَضعةٌ مِنِّي يَريبُني ما رابَها» (٢).

ولأنَّه مُتَّهمٌ في الشَّهادةِ لوَلدِه كتُهمةِ العَدُوِّ في الشَّهادةِ على عَدُوِّه، والخَبَرُ أخَصُّ من الآياتِ فتُخَصُّ به.

ولأنَّ نَفسَه كنَفسِه، ومالَه كمالِه، ولهذا قالَ عليه الصلاة والسلام لأَبي مَعشَرٍ الدارِميِّ: «أنتَ ومالُكَ لأَبيك» (٣)، وقالَ : «إنَّ أطيَبَ ما أكَلَ الرَّجلُ مِنْ كَسبِه، وإنَّ ولَدَه مِنْ كَسبِه» (٤)، ولهذا يُعتَقُ عليه إذا ملَكَه ويَستحِقُّ عليه النَّفَقةَ إذا احتاجَ، والآيةُ نَخصُّها بما ذَكَرناه.

ولأنَّه مَعلومٌ مِنْ طِباعِ الناسِ أنَّ الأبَ يُحِبُّ نَفعَ ابنِه وإيصالَ النَّفعِ ودَفعَ الضَّررِ عنه، ويُؤْثِرُ ذلك على نَفسِه حتى إنَّه ربما دَعاه أنْ يَشهَدَ له بالزُّورِ ويَركَبَ في أمرِه كلَّ مَحظورٍ فيُوصِلَه إلى النَّفعِ الذي يَبغي وُصولَه إليه، أو يُخلِّصَه مِنْ الضَّررِ الذي يُريدُ دَفعَه عنه، وقد نبَّهَ اللهُ تَعالى على ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [الأنفال: ٢٨]، وقالَ

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الترمذي (٢٢٩٨).
(٢) أخرجه البخاري (٥٢٣٠)، ومسلم (٢٤٤٩).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.

: «فاطِمةُ بَضعةٌ مِنِّي يَريبُني ما يَريبُها»، وإذا ثبَتَ ذلك ثبَتَت التُّهمةُ فيه، فكانَت كشَهادتِه لنَفسِه (١).

وذهَبَ الإمامُ أَحمدُ في رِوايةٍ والمُزنِيُّ وأبو ثَورٍ وابنُ المُنذِرِ -وهو عن عُمرَ وعُمرَ بنِ عبدِ العَزيزِ وداودَ وإسحاقَ- إلى أنَّ شَهادةَ الآباءِ للأَبناءِ وشَهادةَ الأَبناءِ للآباءِ تُقبَلُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، فعَمَّ ولم يَخُصَّ، ولأنَّهم كغَيرِهم في العَدالةِ فكانوا كغَيرِهم في الشَّهادةِ، ولأنَّه عَدلٌ تُقبلُ شَهادتُه في غيرِ هذا المَوضعِ، فتُقبلُ شَهادتُه فيه كالأجنَبيِّ.

ورُويَ عن أَحمدَ رحمة الله عليه رِوايةٌ: تُقبلُ شَهادةُ الابنِ لأَبيه، ولا تُقبلُ شَهادةُ الأبِ له؛ لأنَّ مالَ الابنِ في حُكمِ مالِ الأبِ له أنْ يَتملَّكَه إذا شاءَ، فشهادَتُه له شَهادةٌ لنَفسِه أو يَجرُّ بها لنَفسِه نَفعًا، قالَ النَّبيُّ : «أنتَ ومالُكَ لأَبيك»، وقالَ: «إنَّ أطيَبَ ما أكَلَ الرَّجلُ مِنْ كَسبِه، وإنَّ أَولادَكم مِنْ أطيَبِ كَسبِكم، فكُلوا مِنْ أَموالِهم»، ولا يُوجَدُ هذا في شَهادةِ الابنِ لأَبيه.

(١) «تحفة الفُقهاء» (٢/ ٣٦٢)، و «بدائع الصنائع» (٦/ ٢٧٢)، و «الهداية» (٣/ ١٢٢)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ١٥٩)، و «اللباب» (٢/ ٤٥٤)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ٤٦٩)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ٦٩، ٧١)، و «الإفصاح» (٢/ ٤٢٠)، و «المهذب» (٢/ ٣٣٠)، و «البيان» (١٣/ ٣١١، ٣١٣)، و «روضة الطالبين» (٧/ ٣٨٨)، و «المغني» (١٠/ ١٨٦)، و «شرح الزَّركشيّ» (٣/ ٤٠٤، ٤٠٥)، و «المبدع» (١٠/ ٢٤٤)، و «الإنصاف» (١٢/ ٦٨)، و «كشاف القناع» (٦/ ٥٤١، ٥٤٢)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٦٧٤)، و «منار السبيل» (٣/ ٥٠٧).

وعنه رِوايةٌ ثالِثةٌ تُقبلُ شَهادةُ كلِّ واحِدٍ منهما لصاحِبِه فيما لا تُهمةَ فيه كالنِّكاحِ والطَّلاقِ والقِصاصِ والمالِ إذا كانَ مُستَغنًى عنه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما لا يَنتفِعُ بما يَثبُتُ للآخَرِ من ذلك، فلا تُهمةَ في حَقِّه (١).

قالَ الإمامُ ابنُ العَربيِّ المالِكيُّ رحمة الله عليه: المُختارُ عِندي أنَّ أصلَ الشَّريعةِ لا تَجوزُ شَهادةُ الوالِدِ للوَلدِ ولا الوَلدِ للوالِدِ لما بينَهما من البَضعيةِ، قالَ النَّبيُّ : «إنَّما فاطِمةُ بَضعةٌ مِنِّي يَريبُني ما رابَها ويُؤذينِي ما آذَاها»، وشَهادةُ الإِنسانِ لنَفسِه لا تَجوزُ إلا أنَّ مَنْ تَقدَّم قالَ: إنَّه كانَ يُسامِحُ فيه، وما رَوَى قَطُّ أحَدٌ أنَّه نُفِّذ قَضاءٌ بشَهادةِ وَلدٍ لوالِدِه ولا والِدٍ لوَلدِه، وإنَّما مَعنى المُسامَحةِ فيه أنَّهم كانوا لا يُصرِّحونَ برَدِّها ولا يُحذِّرونَ منها؛ لصَلاحِ الناسِ، فلما فَسَدوا وقَعَ التَّحذيرُ ونبَّهَ العُلماءُ على الأصلِ، فظَنَّ مَنْ تغافَلَ أو غفَلَ أنَّ الماضِينَ جوَّزوها، وما كانَ ذلك قَطُّ، وقد قالَ النَّبيُّ : «إنَّ مِنْ أطيَبِ ما أكَلَ الرَّجلُ مِنْ كَسبِه وإنَّ ولَدَه مِنْ كَسبِه»، وقد جعَلَه اللهُ جُزءًا منه في الإِسلامِ وتَبَعًا له في الإِيمانِ، فهو مُسلِمٌ بإِسلامِ أَبيه بإِجماعٍ، ومُسلِمٌ بإِسلامِ أُمِّه باختِلافٍ، ومالُه لأَبيه حَيًّا ومَيتًا، وهكذا في أُصولِ الشَّريعةِ ولا بَيانَ فَوقَ هذا (٢).

(١) «المهذب» (٢/ ٣٣٠)، و «البيان» (١٣/ ٣١١، ٣١٣)، و «روضة الطالبين» (٧/ ٣٨٨)، و «المغني» (١٠/ ١٨٦)، و «شرح الزَّركشيّ» (٣/ ٤٠٤، ٤٠٥)، و «المبدع» (١٠/ ٢٤٤)، و «الإنصاف» (١٢/ ٦٨).
(٢) «أحكام القرآن» (١/ ٦٣٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشهادة
كتاب الرجوع عن الشهادة

كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ

الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي الْأَصْلِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ بَيَانُ حُكْمِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا - يَرْجِعُ إلَى مَالِ الشَّاهِدِ، وَالثَّانِي - يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَالِهِ فَهُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ، أَمَّا الْأَوَّلُ - فَسَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي هَذَا الْبَابِ إتْلَافُ الْمَالِ أَوْ النَّفْسِ بِالشَّهَادَةِ؛؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا يَجِبُ إمَّا بِالِالْتِزَامِ أَوْ بِالْإِتْلَافِ، وَلَمْ يُوجَدْ الِالْتِزَامُ فَيَتَعَيَّنَ الْإِتْلَافُ فِيهَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، فَإِنْ وَقَعَتْ إتْلَافًا انْعَقَدَتْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَإِلَّا فَلَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 72 - 75

ارجع إلى موانع الشهادة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله