شهادة الأخ لأخيه وسائر الأقارب

الإسلام > القضاء والشهادة > موانع الشهادة > شهادة الأخ لأخيه وسائر الأقارب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

شهادة الأخ لأخيه وسائر الأقارب - الأقوال والأدلة

وقالَ بعضُ الشافِعيةِ: لا تُقبَلُ شَهادةُ الابنِ على أَبيه في قِصاصٍ ولا حَدِّ قَذفٍ؛ لأنَّه لا يُقتَلُ بقَتلِه، ولا يُحدُّ بقَذفِه، فلا يَلزَمُه ذلك.

والمَذهَبُ الأولُ لِما ذَكَرنا، ولأنَّه يُتَّهمُ ولا يُتَّهمُ عليه، فشَهادتُه عليه أبلَغُ في الصِّدقِ كإِقرارِه على نَفسِه (١).

وقالَ الإمامُ العَمرانِيُّ رحمة الله عليه: وتُقبَلُ شَهادةُ الوالِدِ على وَلدِه في كلِّ شَيءٍ؛ لأنَّه لا يُتَّهمُ في ذلك. وتُقبَلُ شَهادةُ الوَلدِ على الوالِدِ في غيرِ الحُدودِ والقِصاصِ، وهل تُقبَلُ شَهادتُه عليه في الحُدودِ والقِصاصِ؟ فيه وَجهانِ: ومِن أَصحابِنا مَنْ حَكاهما قَولَينِ:

أحدُهما: لا تُقبلُ؛ لأنَّ الأبَ لا يَلزَمُه الحَدُّ بقَذفِ الوَلدِ، ولا القِصاصُ بجِنايتِه عليه، فلم يَلزَمُه ذلك بقَولِه.

والثانِي: يَلزَمُه، وهو الأصَحُّ؛ لأنَّ التُّهمةَ لا تَلحَقُه بذلك، ولا يَمتنِعُ ألَّا يَلزَمَه ذلك بفِعلِه به، ويَلزَمَه بقَولِه. ألَا تَرى أنَّ الإِنسانَ لو قذَفَ نَفسَه أو قطَعَ عُضوًا من نَفسِه لم يَلزَمْه بذلك حَدٌّ ولا قِصاصٌ، ولو أقَرَّ على نَفسِه بما يُوجِبُ الحَدَّ أو القِصاصَ لزِمَه؟ (٢)

شَهادةُ الأخِ لأخيه وسائِرِ الأقاربِ:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على قَبولِ شَهادةِ الأخِ لأَخيه إذا كانَ عَدلًا، وكذا سائِرُ الأقارِبِ، كالعَمِّ وابنِ العَمِّ ومَن أشبَهَهم؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا

(١) «المغني» (١٠/ ١٨٦، ١٨٧).
(٢) «البيان» (١٣/ ٣١٢، ٣١٣).

شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيةَ، وقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] ولم يُفرِّقْ.

ورُويَ عن عُمرَ وابنِ عُمرَ: أنَّهما قالا: تُقبَلُ شَهادةُ الأخِ لأَخيه في النَّسبِ، ولا مُخالِفَ لهما. ولأنَّه لو ملَكَه لم يُعتَقْ عليه، فقُبلَت شَهادتُه له، كابنِ العَمِّ.

وقد نقَلَ عَددٌ مِنْ أهلِ العِلمِ الإجماعَ على ذلك.

قالَ الإمامُ التِّرمِذيُّ رحمة الله عليه: ولم يَختَلِفوا في شَهادةِ الأخِ لأَخيه أنَّها جائِزةٌ، وكذلك شَهادةُ كلِّ قَريبٍ لقَريبِه (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ شَهادةَ الأخِ لأَخيه إذا كانَ عَدلًا جائِزةٌ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وممَّا اتَّفَقوا على إِسقاطِ التُّهمةِ فيه شَهادةُ الأخِ لأَخيه ما لم يَدفَعْ بذلك عن نَفسِه عارًا على ما قالَ مالِكٌ، وما لم يَكنْ مُنقطِعًا إلى أَخيه يَنالُ بِرَّه وصِلتَه (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ: وشَهادةُ الأخِ لأَخيه جائِزةٌ.

وقالَ ابنُ المُنذِرِ: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ شَهادةَ الأخِ لأَخيه جائِزةٌ، رُويَ هذا عن ابنِ الزُّبَيرِ، وبه قالَ شُرَيحٌ وعُمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ والشَّعبيُّ

(١) «سنن الترمذي» (٤/ ٥٤٦).
(٢) «الإجماع» (٢٦٣).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٤٧).

والنَّخعيُّ والثَّوريُّ ومالِكٌ والشافِعيُّ وأبو عُبَيدٍ وإسحاقُ وأبو ثَورٍ وأَصحابُ الرأيِ.

وحُكيَ عن ابنِ المُنذِرِ عن الثَّوريِّ أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ كلِّ ذي رَحِمٍ مَحرَمٍ.

وعن مالِكٍ أنَّه لا تُقبلُ شَهادتُه لأَخيه إذا كانَ مُنقطِعًا إليه في صِلتِه وبِرِّه؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في حَقِّه.

وقالَ ابنُ المُنذِرِ: قالَ مالِكٌ: لا تَجوزُ شَهادةُ الأخِ لأَخيه في النَّسبِ، وتَجوزُ في الحُقوقِ.

ولنا: عُمومُ الآياتِ، ولأنَّه عَدلٌ غيرُ مُتَّهمٍ فتُقبلُ شَهادتُه له كالأجنَبيِّ، ولا يَصحُّ القياسُ على الوالِدِ والوَلدِ؛ لأنَّ بينَهما بَضعيةٌ وقَرابةٌ قَويةٌ بخِلافِ الأخِ.

فَصلٌ: وشَهادةُ العَمِّ وابنِه والخالِ وابنِه وسائِرِ الأَقارِبِ أَولَى بالجَوازِ؛ فإنَّ شَهادةَ الأخِ إذا أُجيزَت معَ قُربِه كانَت تَنبيهًا على شَهادةِ مَنْ هو أبعَدُ منه بطَريقِ الأَولَى (١).

وقالَ القاضِي عَبدُ الوَهابِ رحمة الله عليه: تُقبلُ شَهادةُ الأخِ لأَخيه إلا فيما يُتَّهمُ له فيه، مِنْ دَفعِ عارٍ أو ما أشبَهَ ذلك، خِلافًا لمَن منَعَها؛ لأنَّه ليسَ بَينَ الأخَوينِ مِنْ الحُقوقِ مِنْ قُوةِ التُّهمةِ ما يَقتَضي رَدَّ الشَّهادةِ، فجازَت شَهادَتُه كالعَمِّ، ولأنَّها رَحمٌ لا يُستحَقُّ بها الإِرثُ معَ الأبِ كالعَمِّ (٢).

(١) «المغني» (١٠/ ١٨٨).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ٧٤)، رقم (١٨٢٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشهادة
كتاب الرجوع عن الشهادة

كِتَابُ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ

الْكَلَامُ فِي هَذَا الْكِتَابِ فِي الْأَصْلِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ بَيَانُ حُكْمِ الرُّجُوعِ عَنْ الشَّهَادَةِ، فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمَانِ: أَحَدُهُمَا - يَرْجِعُ إلَى مَالِ الشَّاهِدِ، وَالثَّانِي - يَرْجِعُ إلَى نَفْسِهِ أَمَّا الَّذِي يَرْجِعُ إلَى مَالِهِ فَهُوَ وُجُوبُ الضَّمَانِ، وَالْكَلَامُ فِيهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ: فِي بَيَانِ سَبَبِ وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَفِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ، وَفِي بَيَانِ مِقْدَارِ الْوَاجِبِ، أَمَّا الْأَوَّلُ - فَسَبَبُ وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي هَذَا الْبَابِ إتْلَافُ الْمَالِ أَوْ النَّفْسِ بِالشَّهَادَةِ؛؛ لِأَنَّ الضَّمَانَ فِي الشَّرْعِ إنَّمَا يَجِبُ إمَّا بِالِالْتِزَامِ أَوْ بِالْإِتْلَافِ، وَلَمْ يُوجَدْ الِالْتِزَامُ فَيَتَعَيَّنَ الْإِتْلَافُ فِيهَا سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ، فَإِنْ وَقَعَتْ إتْلَافًا انْعَقَدَتْ سَبَبًا لِوُجُوبِ الضَّمَانِ وَإِلَّا فَلَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 77 - 79

ارجع إلى موانع الشهادة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد