الإسلام > القضاء والشهادة > موانع الشهادة > المانع الرابع: العداوة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 16 دقيقة قراءةإلا أنَّ ابنَ عَقيلٍ قالَ: تُردُّ شَهادةُ الصَّديقِ بصَداقةٍ مُؤكَّدةٍ، والعاشِقِ لمَعشوقِه؛ لأنَّ العِشقَ يُطيشُ (١).
المانِعُ الرابِعُ: العَداوةُ:
العَداوةُ على ضَربَينِ:
الضَّربُ الأولُ: العَداوةُ الدِّينيةُ:
اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهِبِ الأربَعةِ على أنَّ العَداوةَ الدِّينيةَ -مِثلَ عَداوةِ المُسلِمينَ للكُفارِ وعَداوةِ أهلِ الحَقِّ لأهلِ الباطِلِ والبِدعِ وكذا مَنْ أبغَضَ الفاسِقَ لفِسقِه- لا تَمنَعُ قَبولَ الشَّهادةِ؛ لأنَّ الدِّينَ يَمنَعُه مِنْ ارتِكابِ مَحظورٍ في دِينِه.
الضَّربُ الثانِي: العَداوةُ الدُّنيَويةُ:
نَصَّ جُمهورُ الفُقهاءِ، مُتأخِّرو الحَنفيةِ، والمالِكيةُ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ على أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ عَدُوٍّ على عَدُوِّه، ولا تُقبلُ شَهادةُ العَدُوِّ على العَدُوِّ، وإنْ كانَ مَقبولَ الشَّهادةِ على غَيرِه؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في حَقِّ عَدوِّه ولا يُؤمَنُ أنْ تَحمِلَه عَداوتُه على إِلحاقِ ضَرَرٍ به بشَهادتِه، ولقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «لا تَجوزُ شَهادةُ خائِنٍ ولا خائِنةٍ ولا ذي غِمرٍ على أخيه» (٢).
والغِمرُ: العَداوةُ، وهذا نَصٌّ. ولأنَّها شَهادةٌ تَقتَرِنُ بتُهمةٍ، فلم تُقبَلْ كشَهادةِ الوالِدِ للولَدِ.
(١) «الإنصاف» (١٢/ ٧٠).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أَبو داود (٣٦٠٠، ٣٦٠١)، وابن ماجه (٢٣٦٦)، وأحمد (٦٨٩٩).
ولأنَّ المُعاداةَ لأجلِ الدُّنيا حَرامٌ، فمَن ارتَكبَها لا يُؤمَنُ مِنْ التَّقوُّلِ عليه، ولئلَّا يُتَّخذَ ذلك ذَريعةً إلى بُلوغِ غَرضِه مِنْ عَدُوِّه بالشَّهادةِ الباطِلةِ.
ولأنَّ التُّهمةَ بينَهما غالِبًا في الطِّباعِ، فكانَت مُؤثِّرةً في رَدِّ الشَّهادةِ كالتُّهمةِ بَينَ الأبِ والابنِ.
وإذا كانَ ذلك لم تُقبَلْ شَهادةُ المَقذوفِ على القاذِفِ، ولا المَغصوبِ منه على الغاصِبِ، ولا المَسروقِ منه على السارِقِ، ووَليِّ المَقتولِ على القاتِلِ، والزَّوجِ على امرَأتِه إذا زَنَت في فِراشِه، إلى نَظائرِ هذا.
والعَداوةُ التي تُرَدُّ بها الشَّهادةُ أنْ تَبلُغَ حَدًّا يَتمَنَّى فيه زَوالَ نِعمتِه ويَفرَحَ لمُصيبَتِه ويَحزَنَ لمَسرَّتِه، وذلك قد يَكونُ من الجانبَينِ، وقد يَكونُ مِنْ أحَدِهما فيُخَصُّ برَدِّ شَهادتِه على الآخَرِ.
وإذا منَعَت العَداوةُ من الشَّهادةِ على العَدُوِّ، لم تَمنَعْ من الشَّهادةِ له؛ لأنَّه مُتَّهمٌ في الشَّهادةِ عليه، وغَيرُ مُتَّهَمٍ في الشَّهادةِ له؛ لأنَّ ما بعَثَ على العَداوةِ لا يَكونُ جَرحًا تَسقُطُ به الشَّهادةُ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قالَ ولا تُقبلُ شَهادةُ خَصمٍ ولا جارٍ على نَفسِه ولا دافِعٍ عنها.
(١) «المبسوط» (١٦/ ١٣٣)، و «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ٧٦)، و «أحكام القرآن» (١/ ٣٨٧، ٣٨٨)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٣٤٧)، و «الحاوي الكبير» (١٧/ ١٦١، ١٦٢)، و «شرح السُّنة» (١٠/ ١٢٨)، و «المهذب» (٢/ ٣٣٠)، و «البيان» (١٣/ ٣١٠، ٣١١)، و «روضة الطالبين» (٧/ ٣٨٩)، و «الإفصاح» (٢/ ٤٢٠)، و «المغني» (١٠/ ١٨٢)، و «الكافي» (٤/ ٥٣١) «إعلام الموقعين» (٣/ ١٤٤)، و «منار السبيل» (٣/ ٥٠٩).
أمَّا الخَصمُ فهو نَوعانِ: أحَدُهما: كلُّ مَنْ خاصَمَ في حَقٍّ لا تُقبلُ شَهادتُه فيه كالوَكيلِ لا تُقبلُ شَهادتُه فيما هو وَكيلٌ فيه، والوَصيِّ فيما هو وَصيٌّ فيه، والشَّريكِ فيما هو شَريكٌ فيه، والمُضارِبِ بمالٍ أو حَقٍّ لمُضارَبِه، ولو غصَبَ الوَديعةَ من المُودَعِ وطالَبَ بها لم تُقبَلْ شَهادتُه فيها، وكذلك ما أشبَهَ هذا؛ لأنَّه خَصمٌ فيه فلم تُقبَلْ شَهادتُه به كالمالِكِ.
والثانِي: العَدوُّ، فشَهادتُه غيرُ مَقبولةٍ على عَدوِّه في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، رُويَ ذلك عن رَبيعةَ والثَّوريِّ وإِسحاقَ ومالِكٍ والشافِعيِّ، ويُريدُ بالعَداوةِ ههُنا العَداوةَ الدُّنيَويةَ، مِثلَ أنْ يَشهدَ المَقذوفُ على القاذِفِ والمَقطوعُ عليه الطَّريقُ على القاطِعِ، والمَقتولُ وَليُّه على القاتِلِ، والمَجروحُ على الجارِحِ، والزَّوجُ يَشهَدُ على امرَأتِه بالزِّنا، فلا تُقبلُ شَهادتُه؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفسِه بعَداوتِه لها لإِفسادِها فِراشَه.
فأمَّا العَداوةُ في الدِّينِ كالمُسلمِ يَشهَدُ على الكافِرِ أو المُحِقِّ من أهلِ السُّنةِ يَشهَدُ على مُبتدِعٍ فلا تُرَدُّ شَهادتُه؛ لأنَّ العَدالةَ بالدِّينِ، والدِّينُ يَمنَعُه من ارتِكابِ مَحظورِ دِينِه.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: لا تَمنَعُ العَداوةُ الشَّهادةَ؛ لأنَّها لا تُخِلُّ بالعَدالةِ فلا تَمنَعُ الشَّهادةَ كالصَّداقةِ.
ولنا: ما رَوى عَمرُو بنُ شُعَيبٍ عن أَبيه عن جَدِّه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «لا تَجوزُ شَهادةُ خائِنٍ ولا خائِنةٍ ولا زانٍ ولا زانيةٍ ولا ذي غِمرٍ على أخيه» رَواه أَبو داودَ، والغِمرُ: الحِقدُ، ولأنَّ العَداوةَ تُورِثُ التُّهمةَ
فتَمنَعُ الشَّهادةَ كالقَرابةِ القَريبةِ، وتُخالِفُ الصَّداقةَ؛ فإنَّ في شَهادةِ الصَّديقِ لصَديقِه بالزُّورِ نَفعَ غَيرِه بمَضرَّةِ نَفسِه وبَيعَ آخرَتِه بدُنيا غَيرِه، وشَهادةُ العَدُوِّ على عَدُوِّه يُقصَدُ بها نَفعُ نَفسِه بالتَّشفِّي من عَدوِّه فافتَرَقا.
فإنْ قيلَ: فلِمَ قبِلتُم شَهادةَ المُسلِمينَ على الكُفارِ معَ العَداوةِ؟ قُلنا: العَداوةُ ههُنا دِينيةٌ، والدِّينُ لا يَقتَضي شَهادةَ الزُّورِ ولا أنْ يَتركَ دِينَه بمُوجِبِ دِينِه (١).
وذهَبَ الإمامُ أَبو حَنيفةَ في المَنصوصِ عنه إلى أنَّ شَهادةَ العَدوِّ على عَدوِّه تُقبلُ.
لكنَّ مُتأخِّري الحَنفيةِ قالوا: إنَّ شَهادةَ العَدوِّ على عَدوِّه لا تُقبلُ إذا كانَت لأمرٍ دُنيَويٍّ وتُقبَلُ إذا كانَت لأمرٍ دِينيٍّ.
قالَ الإمامُ الموصليُّ رحمة الله عليه: (ولا شَهادةُ العَدوِّ إنْ كانَت العَداوةُ بسَببِ الدُّنيا)؛ لأنَّه لا يُؤمَنُ عليه الكَذبُ (وتُقبَلُ إنْ كانَت بسَببِ الدِّينِ)؛ لأنَّه لا يَكذِبُ لدِينِه كأهلِ الأَهواءِ (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ نَجيمٍ رحمة الله عليه: قَولُه: (والعُدوِّ، إنْ كانَت عَداوةً دُنيويةً)، أي: لم تُقبَلْ شَهادةُ العَدوِّ لأجْلِ الدُّنيا؛ لأنَّ المُعاداةَ لأجلِها حَرامٌ، فمَن ارتَكَبها لا يُؤمَنُ مِنْ التَّقوُّلِ عليه.
قيَّدَ بكَونِها دُنيويةً للاحتِرازِ عمَّا إذا كانَت دِينيةً؛ فإنَّها لا تَمنَعُ؛ لأنَّها
(١) «المغني» (١٠/ ١٨٢).
(٢) «الاختيار» (٢/ ١٧٨).
تَدُلُّ على كَمالِ دِينِه وعَدالتِه، وهذا لأنَّ المُعاداةَ قد تَكونُ واجِبةً بأنْ رَأى فيه مُنكَرًا شَرعًا ولم يَنْتَهِ بنَهيِه بدَليلِ قَبولِ شَهادةِ المُسلِمِ على الكافِرِ معَ ما بينَهما من العَداوةِ الدِّينيةِ، والمَقتولِ وَليُّه على القاتِلِ، والمَجروحِ على الجارِحِ، والزَّوجِ على امرَأتِه بالزِّنا، ذكَرَه ابنُ وَهبانَ.
وفي خِزانةِ المُفتينَ: والعَدوُّ مَنْ يَفرَحُ بحُزنِه ويَحزَنُ لفَرحِه، وقيلَ: يُعرَفُ بالعُرفِ. اه.
ومِثالُ العَداوةِ الدُّنيويةِ أنْ يَشهَدَ المَقذوفُ على القاذِفِ، والمَقطوعُ عليه الطَّريقُ على القاطِعِ، وفي إِدخالِ الزَّوجِ هنا نَظرٌ، فقد صرَّحوا بقَبولِ شَهادتِه عليها بالزِّنا إلا إذا قذَفَها أولًا، وإنَّما المَنعُ مُطلَقًا قَولُ الشافِعيِّ، وفي بَعضِ الفَتاوَى: وتُقبلُ شَهادةُ الصَّديقِ لصَديقِه. اه.
ثم اعلَمْ أنَّ المُصرَّحَ به في غالِبِ كُتبِ أَصحابِنا، والمَشهورَ على ألسِنةِ فُقهائِنا ما ذكَرَه المُصنِّفُ من التَّفصيلِ، ونُقلَ في القُنيةِ أنَّ العَداوةَ بسَببِ الدُّنيا لا تَمنَعُ ما لم يَفسُقْ بسَببِها أو يَجلِبْ مَنفَعةً أو يَدفَعْ بها عن نَفسِه مَضرَّةً، وهو الصَّحيحُ، وعليه الاعتِمادُ، وما في الواقِعاتِ وغَيرِها اختيارُ المُتأخِّرينَ، وأمَّا الرِّوايةُ المَنصوصُ عليها فبخِلافِها.
وفي كَنزِ الرُّؤوسِ شَهادةُ العَدُوِّ على عَدُوِّه لا تُقبلُ؛ لأنَّه مُتَّهمٌ.
وقالَ أَبو حَنيفةَ: تُقبلُ إذا كانَ عَدلًا.
قال أُستاذُنا: وهو الصَّحيحُ، وعليه الاعتِمادُ؛ لأنَّه إذا كانَ عَدلًا تُقبلُ شَهادتُه، وإنْ كانَ بينَهما عَداوةٌ بسَببِ أمرِ الدُّنيا. اه.
واختارَها ابنُ وَهبانَ ولم يَتعَقَّبْه ابنُ الشِّحنةِ لكنَّ الحَديثَ شاهِدٌ لما عليه المُتأخِّرونَ كما رَواه أَبو داودَ مَرفوعًا: «لا تَجوزُ شَهادةُ خائِنٍ ولا خائِنةٍ ولا زانٍ ولا زانيةٍ ولا ذي غِمرٍ على أَخيه»، والغِمرُ: الحِقدُ.
ويُمكِنُ حَملُه على ما إذا كانَ غيرَ عَدلٍ بدَليلِ أنَّ الحِقدَ فِسقٌ، للنَّهيِ عنه (١).
وقالَ الحَصكَفيُّ: (والعَدُوُّ لا تُقبلُ شَهادَتُه على عَدوِّه إذا كانَت دُنيويةً) (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه: ولكنْ بَقيَ ههُنا تَحقيقُ تَوفيقٍ، وهو أنَّه ذَكَر في القُنيةِ أنَّ العَداوةَ الدُّنيويةَ لا تَمنَعُ قَبولَ الشَّهادةِ ما لم يَفسُقْ بها، وأنَّه الصَّحيحُ، وعليه الاعتِمادُ، وأنَّ ما في المُحيطِ والواقِعاتِ من أنَّ شَهادةَ العَدوِّ على عَدوِّه لا تُقبلُ اختِيارُ المُتأخِّرينَ، والرِّوايةُ المَنصوصُ عليها تُخالِفُها، وأنَّه مَذهبُ الشافِعيِّ، وقالَ أَبو حَنيفةَ: تُقبلُ إذا كانَ عَدلًا، وفي المَبسوطِ: إنْ كانَت دُنيويةً فهذا يُوجِبُ فِسقَه فلا تُقبلُ شَهادَتُه. اه مُلخَّصًا.
والحاصِلُ أنَّ في المَسألةِ قَولَينِ مُعتمدَينِ:
أحَدُهما: عَدمُ قَبولِها على العَدُوِّ، وهذا اختيارُ المُتأخِّرينَ، وعليه صاحِبُ «الكَنز» و «المُلتَقَى»، ومُقتَضاه أنَّ العِلةَ العَداوةُ لا الفِسقُ وإلا لم تُقبَلْ على غيرِ العَدُوِّ أيضًا، وعلى هذا لا يَصحُّ قَضاءُ العَدوِّ على عَدوِّه أيضًا.
(١) «البحر الرائق» (٧/ ٨٥، ٨٦).
(٢) «الدر المختار» (٥/ ٣٥٦).
ثانيهما: أنَّها تُقبلُ إلا إذا فسَقَ بها، واختاره ابنُ وَهبانَ وابنُ الشِّحنةِ، وإذا قُبلَت فبالضَّرورةِ يَصحُّ قَضاءُ العَدوِّ على عَدوِّه إذا كانَ عَدلًا، فلذا اختارَ الشَّيخانِ صِحتَه، وبه عُلِمَ أنَّ مَنْ يَقولُ بقَبولِ شَهادةِ العَدوِّ العَدلِ يَقولُ بصِحةِ قَضائِه، ومَن لا فلا، وما ذكَرَه الناصِحيُّ لا يُعارِضُ كَلامَ الشَّيخَينِ لاختِلافِ المَناطِ، فاغتَنِمْ هذا التَّحقيقَ ودَعِ التَّلفيقَ (١).
(١) «حاشية ابن عابدين» (٥/ ٣٥٨).
ارجع إلى موانع الشهادة للاطلاع على جميع المسائل.