الإسلام > المعاملات المالية > آثار الكفالة حق المكفول له في المطالبة > أثر العلاقة بين الكفيل والمكفول عنه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةأثَرُ العَلاقةِ بينَ الكَفيلِ والمَكفولِ عنه:
رُجوعُ الكَفيلِ على المَكفولِ عنه:
ابتِداءً: إذا قَضى الكَفيلُ الدَّينَ مُتبرِّعًا به لا يَنوي الرُّجوعَ به على المَكفولِ عنه، بَرئَ المَدينُ، وأصبَحَ غَيرَ مُلتزِمٍ بالدَّينِ؛ لأنَّه مُتطوِّعٌ بذلك، فأشبَهَ الصَّدقةَ، ويَستَوي هنا الكَفالةُ والأداءُ بأمرٍ بإذنِ المَكفولِ عنه وبغَيرِ أمْرِه وإذنِه (١).
أمَّا إذا أدَّاه بنيَّةِ الرُّجوعِ به على المَضمونِ عنه لَم يَخلُ مِنْ أربَعِ حالاتٍ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَضمنَ بأمرِ المَضمونِ عنه ويُؤدِّيَ بأمرِه، فإنَّه يَرجِعُ على المَدينِ، سَواءٌ شَرطَ الرُّجوعَ أو لا، وسَواءٌ قال له: «اضمَنْ عنِّي» أو «أدِّ عنِّي»، أو أطلَقَ.
وهذا هو مَذهبُ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣) وقَولُ أبي يُوسُفَ مِنَ الحَنفيَّةِ (٤)، وقال أبو حَنيفةَ ومُحمدٌ (٥): يُشترَطُ أنْ يَشتمِلَ كَلامُه على لَفظةِ «عَنِّي».
قال ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: فإنْ قال: «اضمَنْ عنِّي» أو «اكفُلْ عنِّي»، رجَع عليه، وإنْ قال: «اضمَنِ الألْفَ التي لِفُلانٍ علَيَّ»، لَم يَرجعْ
(١) «المغني» (٦/ ٣٣١).
(٢) يُنظر: «روضة الطالبين» (٤/ ٢٦٦).
(٣) يُنظر: «المغني» (٦/ ٣٣١).
(٤) يُنظر: «فتح القدير» (٧/ ١٨٨، ١٨٩)، و «بدائع الصانع» (٧/ ٣٨٤).
(٥) المصادر السابقة.
عليه عندَ الأداءِ؛ لأنَّ الكائِنَ مُجرَّدُ الأمرِ بالضَّمانِ والإعطاءِ، فجازَ أنْ يَكونَ القَصدُ لِيَرجعَ، وأنْ يَكونَ القَصدُ لِطَلبِ تَبرُّعِه بذلك، فلَم يَلزمْه المالُ، إلا إذا كان خَليطًا (١) أو شَريكًا.
ثم قال: والحاصِلُ أنَّ الأمرَ في الكَفالةِ تَضمَّن طَلبَ القَرضِ إذا ذكَر لَفظةَ «عَنِّي» (٢).
وقال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولَنا أنَّه ضمِن ودفَع بأمرِه، فأشبَهَ ما إذا كان مُخالِطًا له، أو قال: اضمَنْ عنِّي، وما ذكَراه ليس بصَحيحٍ؛ لأنَّه إذا أمرَه بالضَّمانِ لا يَكونُ إلا لِما هو عليه، وأمرُه بالنَّقدِ بعدَ ذلك يَنصرِفُ إلى ما ضمِنه، بدَليلِ المُخالِطِ له، فيَجِبُ عليه أداءُ ما أدَّى عنه، كما لو صرَّح به (٣).
وجاء في «مَجمَعِ الضَّماناتِ» لِلبَغداديِّ: أمَرَه أنْ يُؤدِّيَ زَكاةَ مالِه عن نَفْسِه، أو قال: «هَبْ لِفُلانٍ شَيئًا»، أو قال: «عَوِّضِ الواهِبَ لي عن هِبتِه مِنْ مالِكَ»، أو: «أنفِقْ على عيالي»، أو: «مَنْ في فِناءِ داري مِنْ مالِك»، ولا خَلطَ بينَهما، ولا شرَط الرُّجوعَ، قال الإمامُ السَّرخَسيُّ: يَرجعُ المأمورُ في ذلك كلِّه على الآمِرِ.
وقال الإمامُ خواهر زاده رحمة الله عليه: لا يَرجعُ بغَيرِ شَرطٍ.
وفي الجِباياتِ والمُؤنِ الماليَّةِ: إذا أمرَ غَيرَه بأدائِها، قال الإمام البَزدَويُّ:
(١) الخَليطُ هو: الذي يَعتادُ الرَّجلُ مُداينتَه والأخذَ منه ووضْعَ الدَّراهمِ عندَه والاستِجرارَ منه. وكلُّ مَنْ في عيالِه بمَنزلةِ الخَليطِ. يُنظر: «مجمع الضمانات» (٥٥٥).
(٢) «فتح القدير» (٧/ ١٨٨، ١٨٩).
(٣) «المغني» (٦/ ٣٣٢).
يَرجعُ المأمورُ على الآمرِ بغَيرِ شَرطٍ، وكذا في كلِّ ما كان مُطالَبًا به مِنْ جِهةِ العِبادِ حِسًّا.
والرَّجلُ إذا أخذَه السُّلطانُ لِيُصادِرَه، فقال لِرَجلٍ: «خلِّصْني»، أو كانَ أسيرًا في يدِ الكافِرِ، إذا قال لِغَيرِه ذلك فدفَع المأمورُ مالًا، وخلَّصه منه، اختلَفوا فيه، فقال بَعضُهم: لا يَرجعُ المأمورُ في المَسألتَيْن إلا بشَرطِ الرُّجوعِ.
وقال بَعضُهم في الأسيرِ: يَرجعُ بلا شَرطٍ، لا في المُصادرةِ.
والإمامُ السَّرخَسيُّ على أنَّه يَرجعُ فيهما بلا شَرطِ الرُّجوعِ، كما في المَدينِ إذا أمرَ آخَرَ أنْ يَقضيَ دَينَه عنه. اه (١).
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَضمنَ بأمرِه، ويَقضيَ بغَيرِ أمرِه، فلَه الرُّجوعُ أيضًا، وهو قَولُ مالِكٍ وأحمدَ والشافِعيِّ في أحدِ الوُجوهِ عنه (٢).
قال النَّوَويُّ رحمة الله عليه: فالأصحُّ المَنصوصُ أنَّه يَرجعُ.
والثاني: لا يَرجعُ؛ لأنَّه دفَع بغَيرِ أمرِه، أشبَهَ ما لو تَبرَّعَ به.
والثالِثُ: إنْ أدَّى مِنْ غَيرِ مُطالَبتِه أو بمُطالَبتِه، ولكنْ أمكَنَه استِئذانُ الأصلِ، لَم يَرجعْ، وإلَّا فليَرجِعْ (٣).
قال الإمامُ الشيرازيُّ رحمة الله عليه: وإنْ ضمِن بإذنِه وقَضى بغَيرِ إذنِه فالمَنصوصُ أنَّه يَرجعُ عليه … ؛ لأنَّه اشتغَلَت ذِمَّتُه بالدَّينِ بإذنِه؛ فإذا استَوفى
(١) «مجمع الضمانات» ص (١٧٥، ١٧٦).
(٢) «المغني» (٦/ ٣٣٢)، و «تكملة المجموع» (١٣/ ١٩٥).
(٣) «روضة الطالبين» (٤/ ٢٦٦).
منه رجَع، كما لو أعاره مالًا فرهَنه في دَينِه وبِيعَ في الدَّين … ثم قال: إنْ أمكَنه أنْ يَستأذِنَه لَم يَرجعْ؛ لأنَّه قَضاه باختيارِه.
مثالُه: إنْ كان المَضمونُ عنه حاضِرًا مُوسِرًا يُمكِنُه أنْ يُطالِبَه بتَخليصِه مِنَ الضَّمانِ فقَضى، لَم يَرجعْ؛ لأنَّه مُتطوِّعٌ بالأداءِ.
وإنْ لَم يُمكِنْه رجَع؛ لأنَّه قَضاه بغَيرِ اختيارِه، مِثالُه: إنْ كان الضامِنُ مُضطرًّا إلى القَضاءِ، مِثلَ: إنْ طالَبَه المَضمونُ له والمَضمونُ عنه غائبٌ أو حاضِرٌ مُعسِرٌ، فقَضى المَضمونَ له، رجَع الضامِنُ؛ لأنَّه مُضطرٌّ إلى القَضاءِ (١).
وقال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولنا: أنَّه إذا أذِنَ في الضَّمانِ تَضمَّنَ ذلك إذنَه في الأداءِ؛ لأنَّ الضَّمانَ يُوجِبُ عليه الأداءَ، فرجَع عليه كما لو أذِن في الأداءِ صَريحًا (٢).
الحالةُ الثالِثةُ: أنْ يَضمنَ بغَيرِ أمرِه، ويَقضيَ بأمرِه، فقال مالِكٌ وأحمدُ ووَجهٌ لِلشافِعيِّ: يَرجعُ عليه (٣).
والوَجهُ الصَّحيحُ عندَ الشافِعيِّ: أنَّه لا يَرجعُ عليه.
قال الإمامُ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: فلا رُجوعَ على الأصحِّ، فلو أذِن في الأداءِ بشَرطِ الرُّجوعِ، ففيه احتِمالانِ لِلإمامِ:
(١) «المهذب» (١/ ٣٤٢)، و «تكملة المجموع» (١٣/ ١٩٧).
(٢) «المغني» (٦/ ٣٣٣).
(٣) «المغني» (٦/ ٣٣٣)، ويُنظر: «روضة الطالبين» (٤/ ٢٦٦)، و «المحلي» (٨/ ٢٥٥)، و «المجموع» (٣/ ١٩٥).
أحَدُهما: يَرجعُ كما لو أذِن في الأداءِ بهذا الشَّرطِ مِنْ غَيرِ ضَمانٍ.
والآخَرُ: لا يَرجعُ؛ لأنَّ الأداءَ مُستحَقٌّ بالضَّمانِ، والمُستحَقُّ بلا عِوَضٍ لا يَجوزُ مُقابَلتُه بعِوضٍ، كسائِرِ الحُقوقِ الواجِبةِ، قُلتُ: الاحتِمالُ الأولُ أصحُّ، واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وقال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولنا: أنَّه أدَّى دَينَه بأمرِه، فرجَع عليه، كما لو لَم يَكُنْ ضامِنًا، أو كما لو ضمِن بأمرِه، وقَولُهم: إنْ إذِنه في القَضاءِ انصرَف إلى ما وجَب بضَمانِه.
قُلنا: الواجِبُ بضَمانِه إنَّما هو أداءُ دَينِه، وليس هو شَيئًا آخَرَ، فمَتى أدَّاه عنه بإذنِه لَزِمه إعطاؤُه بَدَلَه (٢).
الحالةُ الرابِعةُ: إذا ضمِن بغَيرِ أمرِه وقَضى دَينَه بغَيرِ أمرِه، ففيها قَولانِ لأهلِ العِلمِ:
القَولُ الأولُ: أنَّه لا يَرجعُ بشَيءٍ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ ورِوايةٌ عن أحمدَ (٣)؛ لِحَديثِ ضَمانِ علِيٍّ وأبي قَتادةَ، فإنَّهما ضمِنا عنهما بغَيرِ إذنِهما، وقَضيا عنهما بغَيرِ إذنِهما، فلو كانا يَستحِقانِ الرُّجوعَ على الميِّتِ صارَ الدَّينُ لَهما، فكانت ذِمَّةُ الميِّتِ مَشغولةً بدَينِهما كاشتِغالِها
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٩)، و «المجموع» (١٣/ ١٩٥).
(٢) «المغني» (٦/ ٣٣٣).
(٣) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٨٣)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢٦٦)، و «المجموع» (١٣/ ١٩٦)، و «المغني» (٦/ ٣٣٣).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الكفالة
فصل في بيان ما يخرج به الكفيل عن الكفالة
لَا يَتَضَمَّنُ مِلْكَ الْمَضْمُونِ فَهُوَ الْفَرْقُ.
وَكَذَا فَرَّقُوا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَ اثْنَيْنِ أَعْتَقَهُ أَحَدُهُمَا وَهُوَ مُوسِرٌ حَتَّى يَثْبُتَ لِلشَّرِيكِ السَّاكِتِ اخْتِيَارَ تَضْمِينِ الْمُعْتِقِ وَاسْتِسْعَاءِ الْعَبْدِ فَاخْتِيَارُ أَحَدِهِمَا يُبْطِلُ اخْتِيَارَ الْآخَرِ لِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَارَ الضَّمَانَ صَارَ نَصِيبُهُ مَنْقُولًا إلَى الْمُعْتَقِ عِنْدَ اخْتِيَارِهِ لِأَنَّ الْمَضْمُونَاتِ تُمَلَّكُ عِنْدَ اخْتِيَارِ الضَّمَانِ فَلَوْ اخْتَارَ الِاسْتِسْعَاءَ يَسْعَى وَهُوَ رَقِيقٌ وَإِنَّمَا يُعْتَقُ كُلُّهُ بِأَدَاءِ السِّعَايَةِ وَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ وَلَا تَنَافٍ هَهُنَا لِأَنَّ الطَّالِبَ لَا يَمْلِكُ الْمَضْمُونَ بِاخْتِيَارِ الْمُطَالَبَةِ فَيَمْلِكُ مُطَالَبَةَ الْآخَرِ.
ارجع إلى آثار الكفالة: حق المكفول له في المطالبة للاطلاع على جميع المسائل.