الإسلام > المعاملات المالية > آثار الكفالة: حق المكفول له في المطالبة
مسائلُ فقهيةٌ في آثار الكفالة: حق المكفول له في المطالبة على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةآثارُ الكَفالةِ: حَقُّ المَكفولِ له في المُطالَبةِ:
ذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ (١) والشافِعيَّةُ (٢)، والحَنابِلةُ (٣) إلى أنَّ الكَفالةَ تُعطي المَكفولَ له الحَقَّ في مُطالَبةِ الكَفيلِ بما التَزمَه، وأنَّ له الحَقَّ أيضًا في مُطالَبةِ الأصيلِ: فله مُطالَبةُ أيِّهما شاءَ، أو مُطالَبةُ الاثنَيْن -الكَفيلَ والأصيلَ معًا-، ولكنَّه لا يأخُذُ أكثَرَ مِنْ حَقِّه.
قال الإمامُ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: لِلكَفالةِ حُكمانِ، أحَدُهما ثُبوتُ وِلايةِ مُطالَبةِ الكَفيلِ بما على الأصيلِ عندَ عامَّةِ مَشايِخِنا ويَطَّرِدُ هذا الحُكمُ في سائِرِ أنواعِ الكَفالاتِ؛ لأنَّ الكلَّ في احتِمالِ هذا الحُكمِ على السَّواءِ؛ وإنَّما يَختلِفُ مَحلُّ الحُكمِ مِنَ العَينِ والدَّينِ والفِعلِ، فيُطالَبُ الكَفيلُ بالدَّينِ بدَينٍ واجِبٍ على الأصيلِ، لا عليه، فالدَّينُ على واحِدٍ والمُطالَبُ به اثنان.
غَيرَ أنَّ الكَفيلَ إنْ كان واحِدًا يُطالَبُ بكلِّ الدَّينِ، وإنْ كان به كَفيلانِ، والدَّينُ ألْفًا يُطالَبُ كلُّ واحِدٍ منهما بخَمسِمِئةٍ، إذا لَم يَكفُلْ كلُّ واحِدٍ منهما عن صاحِبِه؛ لأنَّهما استَويا في الكَفالةِ والمَكفولُ به يَحتمِلُ الانقِسامَ، فيَنقسِمُ عليهما في حَقِّ المُطالَبةِ، كما في الشِّراءِ، ويُطالَبُ الكَفيلُ بالنَّفْسِ بإحضارِ المَكفولِ بنَفْسِه إنْ لَم يَكُنْ غائِبًا … ؛ فأمَّا بَراءةُ الأصيلِ فليس حُكمَ الكَفالةِ عندَ عامَّةِ العُلماءِ، والطالِبُ بالخيارِ، إنْ شاءَ طالَبَ الأصيلَ، وإنْ
(١) يُنظر: «فتح القدير» (٥/ ٣٩٠).
(٢) يُنظر: «مغني المحتاج» (٣/ ١٧٦)، و «الإفصاح» لابن هبيرة (٢/ ٢٠٦)، و «كفاية الأخيار» (٣١٨).
(٣) يُنظر: «المغني» (٦/ ٣٢٩)، و «الإفصاح» لابن هبيرة (٢/ ٢٠٦)، و «المحلى» (٨/ ٥٢٦).
شاءَ طالَبَ الكَفيلَ، إلا إذا كانتِ الكَفالةُ بشَرطِ بَراءةِ الأصيلِ؛ لأنَّها حَوالةٌ مَعنًى، أو كانتْ مُقيَّدةً بما عليه مِنَ الدَّينِ؛ لأنَّها في مَعنى الحَوالةِ أيضًا (١).
وقال ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: والكَفالةُ ضَمُّ ذِمَّةٍ إلى ذِمَّةٍ، وذلك يُسوِّغُ مُطالَبتَهما، أو مُطالَبةَ أيِّهما شاءَ، إلا إذا شرَط في الكَفالةِ بَراءةَ الأصيلِ، فحينَئذٍ لا يُطالَبُ الأصيلُ بِناءً على أنَّها حينَئذٍ حَوالةٌ عُقِدت بلَفظِ الكَفالةِ تَجوزُ بها فيها، فتُجرى حينَئذٍ أحكامُ الحَوالةِ، كما أنَّ الحَوالةَ بشَرطِ ألَّا يُبرأَ الأصيلُ، تَنعقِدُ كَفالةً اعتِبارًا لِلمَعنى فيهما (٢).
وقال الإمامُ الحِصنيُّ رحمة الله عليه: وإذا صَحَّ الضَّمانُ بشُروطِه … فلِلمُستحِقِّ أنْ يُطالِبَ الأصيلَ والضامِنَ، أمَّا الأصيلُ فلأنَّ الدَّينَ باقٍ عليه، ولِهذا قال رَسولُ اللهِ ﷺ: لِأبي قَتادةَ حين وَفَّي دَينَ الميِّتِ: «الآنَ بَرَدت عليه جِلدتُه»، وإنَّا للهِ وإنَّا إليه راجِعونَ مما اكتَسبْناه في ذِمَمِنا، وأمَّا الضامِنُ فلِقَولِ شَفيعِ المُذنِبينَ ﷺ: «الزَّعيمُ غارِمٌ»، ولنا وَجهٌ كمَذهبِ مالِكٍ: أنَّه لا يُطالَبُ الضامِنُ إلا بعدَ عَجزِ المَضمونِ عنه، وله مُطالَبةُ هذا ببَعضِ الدَّينِ، وذاك ببَعضِه الآخَرِ. اه (٣).
وعن الإمامِ مالِكٍ رِوايتانِ:
الأُولى: مِثلَ قَولِ الجُمهورِ.
(١) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٧٦).
(٢) «شرح فتح القدير» (٧/ ١٨٢).
(٣) «كفاية الأخيار» (٣١٨).
والثانية: لا يُطالَبُ الضامِنُ إلا أنْ يَتعذَّرَ الاستيفاءُ مِنَ المَضمونِ عنه، وهو الأصيلُ، وهو وَجهٌ لِلشافِعيَّةِ (١).
جاء في «المُدوَّنةِ الكُبرى» تَحتَ عُنوانِ: في أخْذِ الحَميلِ بالحَقِّ والمُحتمَلُ به مَليءٌ غائِبٌ أو حاضِرٌ، قُلتُ: أرأيتَ إنْ تَحملتُ برَجلٍ أو بمالٍ على رَجلٍ، أيَكونُ لِلذي له الدَّينُ أنْ يأخُذَني بالحَقِّ الذي تَحمَّلتُ به، وصاحِبي الذي تَحمَّلتُ به مَليءٌ بالذي عليه في قَولِ مالِكٍ؟ قال: قال مالِكٌ: ليس ذلك له، ولكنْ يأخُذُ حَقَّه مِنَ الذي عليه الدَّينُ؛ فإنْ نقَص مِنْ حقِّه شَيءٌ أخَذه مِنْ مالِ الحَميلِ، إلا أنْ يَكونَ الذي عليه الدَّينُ مِديانًا، وصاحِبُ الحَقِّ يَخافُ إنْ قامَ عليه حاصَّه الغُرَماءُ، أو غائِبًا عنه، فله أنْ يأخُذَ الحَميلَ ويَدَعه، وقد كان مالِكٌ يَقولُ قبلَ ذلك: لِلذي له الحَقُّ أنْ يأخُذَ إنْ شاءَ الحَميلَ، وإنْ شاءَ الذي عليه الحَقَّ، ثم رجَع إلى هذا القولِ الذي أخبَرتُك، وهو أحَبُّ ما فيه إلَيَّ.
قال سَحنونٌ، وكذلك رَوى ابنُ وَهبٍ، قُلتُ لِابنِ القاسِمِ: أرأيتَ إنْ كان الذي عليه الحَقُّ مَليئًا غائِبًا، والحَميلُ حاضِرًا، أيَكونُ لِلذي له الدَّينُ أنْ يأخُذَ الحَميلَ، والذي عليه الدَّينُ مَليءٌ، إلا أنَّه غائِبٌ؟ قال: نَعَمْ: كذلك قال لي مالِكٌ، إلا أنْ يَكونَ لِلذي عليه الدَّينُ أموالٌ حاضِرةٌ ظاهِرةٌ، فإنَّها تُباعُ أموالُه في دَينِه، وقال غَيرُه: إلا أنْ يَكونَ في
(١) يُنظر: «بداية المجتهد» (٢/ ٤٠٧)، و «الإفصاح» لابن هبيرة (٢/ ٢٠٦)، و «المحلى» (٨/ ٥٢٦).
تَثبيتِ ذلك وفي النَّظرِ فيه بُعدٌ، فيُؤخَذُ مِنَ الحَميلِ (١).
وجاءَ في «بُلغةِ السالِكِ»: والقَولُ المَرجوعُ عنه هو الذي جَرى به العَملُ بفاسَ، وهو الأنسَبُ بكَونِ الضَّمانِ شَغلُ ذِمَّةٍ أُخرى بالحَقِّ (٢).
لكنَّ جُمهورَ المالِكيَّةِ أخَذوا بالرأيِ الذي رجَع إليه الإمامُ مالِكٌ: وهو أنَّ المَكفولَ له لا يُطالِبُ الكَفيلَ إذا تَيسَّرَ الأخذُ مِنْ مالِ المَكفولِ عنه إلا إذا اشتَرطَ.
ويُعبِّرُ الشَّيخُ الدَّرديرُ عن قَولِ جُمهورِ المالِكيَّةِ بقَولِه: ولا يُطالَبُ الضامِنُ أي: ليس لِرَبِّ الدَّينِ مُطالَبتُه به إنْ تَيسَّرَ الأخذُ لِرَبِّ الدَّينِ مِنْ مالِ المَدينِ، بأنْ كان مُوسِرًا غَيرَ مُلِدٍّ (٣) ولا ظالِمٍ، وهذا هو الذي رجَع إليه مالِكٌ بعدَ قَولِه: رَبُّ الدَّينِ مُخيَّرٌ في طَلبِ أيِّهما شاءَ، ولو كان المَدينُ غائبًا، حيث كان الدَّينُ ثابِتًا، ومالُ المَدينِ حاضِرًا يُمكِنُ الأخذُ منه بلا مَشقَّةٍ، إلا أنْ يَشترِطَ رَبُّ الدَّينِ عندَ الضَّمانِ أخْذَ أيِّهما شاءَ، أو يَشترِطَ تَقديمَه في الأخْذِ عن المَدينِ، أو ضمِن الضامِنُ المَدينَ، في الحالاتِ السِّتِّ: الحياةِ والمَوتِ والحُضورِ والغَيبةِ، واليُسرِ والعُسرِ، فلَه مُطالَبتُه، ولو تَيسَّر الأخذُ مِنْ مالِ الغَريمِ (٤).
(١) «المدونة الكبرى» (٥/ ٢٥٩).
(٢) «بلغة السالك» (٣/ ٢٧٨).
(٣) أي: غير شَدِيدُ الخُصُومة، يُنظر: «لسان العرب» (٣/ ٣٩١) مادة: (لدد)، و «تاج العروس» (٩/ ١٣٩).
(٤) «الشرح الصغير» (٣/ ٢٧٨)، «بهامش بلغة السالك»، ويُنظر: «الشرح الكبير» (٣/ ٣٤٠)، و «حاشية الدسوقي» (٣/ ٣٣٧)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٣٠).
بعدَ هذا الكَلامِ يَتبيَّنُ لنا أنَّه لا يَجوزُ لِصاحِبِ الدَّينِ أنْ يُطالِبَ الضامِنَ إلا في أربَعةِ أحوالٍ عندَ المالِكيَّةِ:
الحالةُ الأُولى: أنْ يَكونَ المَضمونُ الأصليُّ مُفلِسًا.
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَكونَ المَضمونُ الأصليُّ مُوسِرًا، ولكنَّه مُماطِلٌ مَعروفٌ باللَّدَدِ في الخُصومةِ والشِّدَّةِ فيها.
الحالةُ الثالِثةُ: أنْ يَكونَ المَدينُ الأصليُّ غائِبًا، وليس له مالٌ يُمكِنُ سَدادُ الدَّينِ منه، أمَّا إذا كان له مالٌ يَستطيعُ صاحِبُ الدَّينِ أنْ يأخُذَ منه بدونِ صُعوبةٍ ولا مَشقَّةٍ، فليس له في هذه الحالةِ مُطالَبةُ الضامِنِ.
الحالةُ الرابِعةُ: أنْ يَشترِطَ صاحِبُ الدَّينِ أنْ يأخُذَ دَينَه مِنْ أيِّهما شاءَ؛ فإنَّ له في هذه الحالةِ أنْ يُطالِبَ، ومِثلُ ذلك أنْ يَشترِطَ مُطالَبةَ الضامِنِ في حالةٍ مُعيَّنةٍ، كعُسرِ المَضمونِ، أو مَوتِه، أو نَحوِ ذلك (١).
قالوا: إنَّها وَثيقةٌ، فلا يُستَوفى الحَقُّ منها إلا عندَ تَعذُّرِ استيفائِه مِنَ الأصلِ كالرَّهنِ.
وناقَش ابنُ قُدامةَ هذا القَولَ فقال: إنَّه لا يُشبِهُ الرَّهنَ؛ لأنَّه مالُ مَنْ عليه الحَقُّ، وليس بذي ذِمَّةٍ يُطالَبُ، وإنَّما يُطالَبُ مَنْ عليه الدَّينُ، لِيَقضيَ منه أو مِنْ غَيرِه (٢).
(١) يُنظر: «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٣/ ٣٣٧)، و «تكملة المجموع» (١٣/ ٢٤٦، ٢٤٧).
(٢) «المغني» (٦/ ٣٢٩).
واستدلَّ الجُمهورُ بما قاله ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: بأنَّ الحَقَّ ثابِتٌ في ذِمَّةِ الضامِنِ، فمَلَك مُطالَبتَه كالأصيلِ (١).
وممَّا يدُلُّ على أنه ثابِتٌ في ذِمَّةِ الضامِنِ ما يَلي:
١ - أنَّه إذا وهَب صاحِبُ الحَقِّ الدَّينَ لِلكَفيلِ صحَّتِ الهِبةُ، وكان لِلكفيلِ حَقُّ الرُّجوعِ على الأصيلِ بما مَلَكه بالهِبةِ، ولو لَم تَكُنْ ذِمَّتُه مَشغولةً بأصلِ الدَّينِ لَما صحَّت هِبةُ الدَّينِ له؛ لِعَدمِ جَوازِ هِبةِ الدَّينِ لِمَنْ ليس عليه.
٢ - إذا اشتَرى صاحِبُ الدَّينِ مِنَ الكَفيلِ سِلعةً بدَينِه، صحَّ عَقدُ البَيعِ، ولو لَم تَكُنْ ذِمَّةُ الكَفيلِ مَشغولةً بالدَّينِ لَما صحَّ البَيعُ؛ لأنَّ الشِّراءَ بالدَّينِ لا يَصحُّ إلا ممَّن عليه الدَّينُ.
٣ - لو مات الكَفيلُ أُخِذَ مِنْ تَرِكتِه بمِقدارِ سَدادِ الدَّينِ لِلطالِبِ، ولو لَم تَكُنْ ذِمَّتُه مَشغولةً بأصلِ الدَّينِ لَسَقطَت عنه المُطالَبةُ بمَوتِه.
٤ - ولأنَّ الحَقَّ ثابِتٌ في ذِمَّتِهما، فمَلَك مُطالَبةَ مَنْ شاءَ منهما كالضامِنَيْنِ إذا تَعذَّرَ مُطالَبةُ المَضمونِ عنه (٢).
وقال الإمامُ ابنُ رُشدٍ المالِكيُّ رحمة الله عليه: ومِنَ الحُجَّةِ لِمَنْ رأى الطالِبَ يَجوزُ له مُطالَبةُ الضامِنِ كان المَضمونُ عنه غائِبًا أو حاضِرًا، غَنيًّا أو عَديمًا:
(١) «المغني» (٦/ ٣٢٩).
(٢) «المغني» (٦/ ٣٢٩).
ارجع إلى المعاملات المالية للاطلاع على جميع الأبواب.