هل تبرأ ذمة الميت من الدين المضمون عنه بالضمان نفسه أو لا؟

الإسلام > المعاملات المالية > آثار الكفالة حق المكفول له في المطالبة > هل تبرأ ذمة الميت من الدين المضمون عنه بالضمان نفسه أو لا؟

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

هل تبرأ ذمة الميت من الدين المضمون عنه بالضمان نفسه أو لا؟ - الأقوال والأدلة

اختلَفتِ الصِّفةُ؛ فإنْ كان المُؤدَّى خَيرًا، بأنْ أدَّى الصِّحاحَ عن المُكسَّرةِ، لَم يَرجعْ بالصِّحاحِ، وإنْ كان بالعَكسِ، ففيه الخِلافُ المَذكورُ في خِلافِ الجِنسِ (١).

وقال الإمامُ الخِرَقيُّ رحمة الله عليه: ويَرجعُ الضامِنُ على المَضمونِ عنه بأقَلِّ الأمرَيْن ممَّا قَضى أو قَدَّر الدَّينَ (٢).

قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لأنَّه إنْ كان الأقَلُّ الدَّينَ، فالزائِدُ لَم يَكُنْ واجِبًا، فهو مُتبرِّعٌ بأدائِه، وإنْ كان المَقضيُّ أقَلَّ، فإنَّما يَرجعُ بما غُرِّمَ، ولِهذا لو أبرأه غَريمُه لَم يَرجعْ بشَيءٍ، وإنْ دفَع عن الدَّينِ عَرضًا رجَع بأقَلِّ الأمرَيْن مِنْ قيمَتِه، أو قَدْرِ الدَّينِ (٣).

هل تُبرأُ ذِمَّةُ الميِّتِ مِنَ الدَّينِ المَضمونِ عنه بالضَّمانِ نَفْسِه أو لا؟

اختلَف العُلماءُ في ذلك على قولَيْن:

القَولُ الأولُ: لا يَنتقِلُ الحَقُّ عن ذِمَّةِ الميِّتِ إلا بأداءٍ كالحَيِّ، لا بمُجرَّدِ الضَّمانِ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ في رِوايةٍ.

استدلَّ جُمهورُ أهلِ العِلمِ على ذلك بما يلي:

١ - بقَولِ النَّبيِّ في حَديثِ جابِرٍ في قِصةِ تَحمُّلِ أبي قَتادةَ الدَّينَ عن الميِّتِ، وفيه أنَّ النَّبيَّ قابلَ أبا قَتادةَ وقال له: «ما

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ٢٦٧).
(٢) «المغني» (٦/ ٣٣٣).
(٣) «المغني» (٦/ ٣٣٣)، و «الكافي» (٢/ ٢٣٢)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٧٥).

فعَل الدِّينارانِ؟»، فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّما دفَنَّاه أمسِ، ثم أتاه بعدَ ذلك، فقال له: «ما فعَل الدِّينارانِ؟»، قال: قَضيتُهما يا رَسولَ اللهِ، فقال : «الآنَ بَردَتْ عليه جِلدُه» (١).

قال الإمامُ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: ففي هذا الحَديثِ دَليلٌ على أنَّ الكَفالةَ به لم تُبرئِ الذي هو عليه منه بوُجوبِه على الكَفيلِ؛ لأنَّ النَّبيَّ أخبَرَ في هذا الحَديثِ: أنَّ جِلدَ الميِّتِ إنَّما يَبرُدُ بأداءِ كَفيلِه الدَّينَ الذي كفَل به عنه، لا بكَفالةِ رَبِّه عنه (٢).

وقد عَنونَ لِهذا الحَديثِ المَجدُ ابنُ تَيميَّةَ في المُنتَقى بقَولِه: بابُ أنَّ المَضمونَ عنه إنَّما يُبرأُ بأداءِ الضامِنِ، لا بمُجرَّدِ ضَمانِه.

قال الإمامُ الشَّوكانيُّ رحمة الله عليه في شَرحِه لِهذا الحَديثِ: فيه دَليلٌ على أنَّ خُلوصَ الميِّتِ مِنْ وَرطةِ الدَّينِ، وبَراءةَ ذِمَّتِه على الحَقيقةِ، ورَفعَ العَذابِ عنه، إنَّما يَكونُ بالقَضاءِ عنه، لا بمُجرَّدِ التَّحمُّلِ بالدَّينِ بلَفظِ الضَّمانةِ (٣).

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه الإمام أحمد في «المسند» (٣/ ٣٣٠)، والطيالسي (١٦٧٣)، والطحاوي في «المشكل» (١٠/ ٣٣٤)، والحاكم في «المستدرك» (٢٣٤٦)، والدارقطني (٣/ ٧٩) في البيوع، والبيهقي في «الكبرى» (٦/ ٧٤)، وفي «إثبات عذاب القبر» (١١٨) من طرقٍ عن عبدِ اللهِ بن مُحمدِ بن عقيلٍ عن جابرٍ به، وعبدُ اللهِ بن مُحمدِ بن عقيلٍ حَسنُ الحَديثِ، وقال الحاكمُ: صَحيحُ الإسنادِ، ووافَقه الذَّهبيُّ، وحسَّنَه المُنذري (٣/ ٣٩)، وقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ٣٩): رواه أحمد والبزار وإسناده حسن.
(٢) «شرح مشكل الآثار» (١٠/ ٣٣٥) ط. الرسالة.
(٣) «نيل الأوطار» (٥/ ٣٥٩) تحت حديث (١٣٧١).

٢ - بقَولِه : «نَفْسُ المُؤمِنِ مُعلَّقةٌ بدَينِه حتى يُقضَى عنه» (١).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد في «المسند» (٢/ ٥٠٨)، والترمذي (١٠٧٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٤/ ٦١، ٦/ ٧٦) من طُرقٍ عن زَكريا بن زائدةَ، ورواه أبو يعلى (٥٨٧٢)، والحاكم (٢٢١٩، ٢٢٢٠) عن صالحِ بن كيسانَ وإبراهيمَ بن سعدٍ جَماعَتهم عن سعدِ بن إبراهيمَ عن أبي سلمةَ عن أبي هُريرةَ مَرفوعًا به، وهذا إسنادٌ صَحيحٌ على شرطِ الشَّيخينِ إن كان سعدُ بن إبراهيمَ سمِعه من أبي سلمةَ إلا أنَّه اختلفَ على سعدِ بن إبراهيمَ فرواه الترمذي (١٠٧٩)، وابن ماجه (٢٤١٣)، والشافِعي في «الأم» (١/ ٢٤٧)، وفي «مسنده» (١/ ٣٦١)، وأبو يعلى (٦٠٢٦)، والبغوي في «شرح السنة» (٢١٤٠)، وحسَّنَه عن إبراهيمَ بن سعدٍ عن أبيه عن عُمرَ بن أبي سَلمةَ عن أبيه عن أبي هُريرةَ مَرفوعًا به.
قال التِّرمذيُّ: هذا حَديثٌ حَسنٌ، وهو أصحُّ من الأولِ، وتابَع إبراهِيمَ بن سعدٍ على زيادةِ عمرَ بن أبي سَلمةَ سفيانُ الثَّوريُّ وشُعبةُ بن الحجَّاجِ فرواهُ الإمام أحمد في «المسند» (٢/ ٤٤٠، ٤٧٥)، والدارمي (٢٦٤٦)، والبيهقي في «الكبرى»، (٤/ ٦١، ٦/ ٧٦) عن وكيعِ بن الجراحِ، ومُحمدُ بن يوسفَ وأبو نُعيم الفضلُ ابن دُكين وأبو داودَ الحفريُّ جماعتهم عن سُفيانَ الثَّوريِّ عن سعدِ بن إبرَاهيمَ به.
ورجَّح الإمام الدارقطني في «العلل» (١٧٨٠) هذا الطريقَ فقال: والصَّحيحُ قولُ الثَّوريِّ ومَن تابَعه. اه.
وخالَف الجَماعةَ عن سُفيانَ عبدُ الرحمَن بن مَهديٍّ عندَ أحمدَ (٢/ ٤٧٥) فرَواه عن سُفيانَ عن سعدِ بن إبراهيمَ عن عُمرَ بن أبي سلَمةَ عن أبي هُريرةَ بإسقاطِ أبي سلَمةَ بن عبدِ الرحمَن. ورواية الجَماعةِ عن سُفيانَ أصحُّ- والله أعلمُ.
ورواه أبو الحسينِ مُحمدُ بن المُظفرِ في حديث شعبةَ (١٢٥) (عنه) بإسنادٍ صحيحٍ عن شُعبةَ بنفسِ رواية سفيان (٦/ ٢١٦)، ورواه الطبراني في «الصغير» (٢/ ١٣٣) عن يوسفَ بن يزيدَ القراطيسيِّ المِصريِّ عن العباسِ بن طالبٍ عن عبدِ الوارثِ بن سعيدٍ عن أيوبَ السختيانيِّ عن سعدِ بن إبراهيمَ بنفسِ طريقِ سُفيانَ. ثم قال الطَّبرانيُّ: لم يرْوهِ عن أيوبَ إلا عبدُ الوارثِ تفرَّد به العباسُ قلتُ: العباسُ قال فيه أبو زُرعةَ: ليس بذاك. «الجرح والتعديل»، ورَواه ابنُ حِبان في «صحيحه» (٣٠٦١) من طريقٍ آخرَ عن أبي سلَمةَ فرَواه عن شَيخِه عبدِ اللهِ بن مُحمدٍ الأزدِيِّ عن إسحاقَ بن إبراهيمَ عن عبدِ الرزَّاقِ عن مَعمرٍ عن الزَّهريِّ عن أبي سلَمةَ عن أبي هُريرةَ به.
قلتُ: وهذا إسنادٌ صَحيحٌ على شَرطِ الشَّيخينِ غيرُ شيخِ ابن حِبان فهو ثِقةٌ، والله أعلمُ.

وقال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: بعدَما استدلَّ بهذَيْن الحَديثَيْن: ولأنَّها وَثيقةٌ فلا تَنقُلُ الحَقَّ كالشَّهادةِ، وأمَّا صَلاةُ النَّبيِّ عن المَضمونِ عنه، فلأنَّه بالضَّمانِ صارَ له وَفاءٌ، وإنَّما كان النَّبيُّ يَمتنِعُ مِنَ الصَّلاةِ على مَدِينٍ لَم يُخلِّفْ وَفاءً.

وأمَّا قَولُه لِعليٍّ: «فكَّ اللهُ رِهانَك كما فَكَكتَ رِهانَ أخيكَ»؛ فإنَّه كان بحالٍ لا يُصلِّي عليه النَّبيُّ ، فلَمَّا ضمِنه فَكَّه مِنْ ذلك أو مما في مَعناه.

وقَولُه: «بَرئَ الميِّتُ منهما»، أي صِرتَ أنتَ المُطالَبُ بهما، وهذا على سَبيلِ التأكيدِ، لِثُبوتِ الحَقِّ في ذِمَّتِه، ووُجوبِ الأداءِ عليه، بدَليلِ قَولِه في سياقِ الحَديثِ حينَ أخبَرَه بالقَضاءِ: «الآنَ بَرَدتْ عليه جِلدَتُه»، ويُفارِقُ الضَّمانُ الحَوالةَ؛ فإنَّ الضَّمانَ مُشتقٌّ مِنَ الضَّمِّ فيَقتَضي الضَّمَّ بينَ الذِّمَّتَيْن مِنْ تَعلُّقِ الحَقِّ بهما، وثُبوتِه فيهما، والحَوالةُ مِنَ التَّحوُّلِ، فتَقتَضي تَحوُّلَ الحَقِّ من مَحِلِّه إلى ذِمَّةِ المُحالِ عليه (١).

أمَّا قَولُه : «نَفْسُ المُؤمِنِ مُعلَّقةٌ بدَينِه حتى يُقضَى عنه»؛

(١) «المغني» (٦/ ٣٢٨).

فإنْ قيلَ: ما الحِكمةُ في حَبسِ رُوحِه، إذْ لَم يُخلِّفْ وَفاءً مع أنَّه في حُكمِ المُعسِرِ، والمُعسِرُ لا يُحبَسُ في الدُّنيا، ولا يُلازَمُ؛ لِأنَّا نَقولُ: أمرُ الآخِرةِ يُغايِرُ أمرَ الدُّنيا؛ فإنَّ حَبْسَ المُعسِرِ في الدُّنيا لا فائِدةَ فيه؛ لأنَّه لا يُتوقَّعُ منه وَفاءٌ مادامَ مَحبوسًا، ويُظنُّ منه الوَفاءُ إذا لَم يُحبسْ؛ لأنَّه قد يَكتسِبُ ما يَستعينُ به على وَفاءِ الدَّينِ، وأمَّا الآخِرةُ فالحَبسُ فيها مُجازاةٌ له على بَقاءِ الحَقِّ في ذِمَّتِه حِفظًا لِحَقِّ صاحِبِ الدَّينِ، ويُستوفى منه بأخْذِ الحَسناتِ ورَدِّ السَّيئاتِ، فأشبَهَ مَنْ له مالٌ في الدُّنيا فيُنتظَرُ بحَبسِه حُضورُ مالِه، وعليه فهو مَعقولُ المَعنى (١).

وقيلَ: إنَّما يُحبَسُ المِديانُ عن الجَنةِ بعَدمِ الوَفاءِ إذا مات قادِرًا على وَفائِه، وأمَّا لو مات عاجِزًا عن وَفائِه؛ فإنْ تَدايَن لِسَرفٍ أو غَيرِه مما لا يَجوزُ فإنَّه يُحبسُ عن الجَنةِ لِعَدمِ وُجوبِ قَضائِه على السُّلطانِ (٢).

القَولُ الآخَرُ: أنَّه يَنتقِلُ الحَقُّ عنه بمُجرَّدِ الضَّمانِ، وهو القَولُ الآخَرُ لِلإمامِ أحمدَ (٣)؛ لِحَديثِ أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه قال: كُنا مع النَّبيِّ في جَنازةٍ، فلَمَّا وُضِعت قال: «هل على صاحِبِكم مِنْ دَينٍ؟»، قالوا: نَعَمْ، دِرهمانِ، فقال: «صَلُّوا على صاحِبِكم»، فقال علِيٌّ: هُما علَيَّ يا رَسولَ اللهِ، وأنا لَهما ضامِنٌ، فقامَ رَسولُ اللهِ فصلَّى عليه، ثم

(١) «نهاية المحتاج» (١٥/ ٩٦).
(٢) «الفواكه الدواني على رسالة بن أبي زيد القيرواني» (٢/ ٢٤٢).
(٣) «الإفصاح» (٢/ ٢٠٤)، و «المغني» (٦/ ٣٢٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢/ ٢٤٨)، و «أسنى المطالب» (١٠/ ١١٥)، و «المحلى» (٨/ ٢٥٤).

أقبَل على علِيٍّ فقال: «جَزاكَ اللهُ خَيرًا عن الإسلامِ وفَكَّ رِهانَك كما فَكَكتَ رِهانَ أخيكَ» فقيلَ: يا رَسولَ اللهِ، هذا لِعلِيٍّ خاصَّةً أم لِلناسِ عامَّةً؟ فقال: «لِلناسِ عامَّةً» (١).

قالوا: فدلَّ على أنَّ المَضمونَ عنه بَرئَ بالضَّمانِ (٢).

وبما رَواه الإمامُ أحمدَ في «المُسندِ» عن جابِرِ بنِ عَبدِ اللهِ رضي الله عنهما قال: تُوفِّي صاحِبٌ لنا فأتَيْنا النَّبيَّ لِيُصلِّيَ عليه، فخَطا خُطوةً ثم قال: «أعليه دَينٌ؟»، قُلنا: دينارانِ، فانصَرفَ، فتَحمَّلهما أبو قَتادةَ، فقال: الدِّينارانِ علَيَّ. فقال رَسولُ اللهِ : «وجَب حَقُّ الغَريمِ وبَرئَ الميِّتُ منهما؟»، قال: نَعَمْ، فصلَّى عليه، ثم قال بعدَ ذلك: «ما فعَل الدِّينارانِ؟»، قال: إنَّما مات أمسِ، قال: فعادَ إليه مِنَ الغَدِ فقال: «ما فعَل الدِّينارانِ؟»، قال: يا رَسولَ اللهِ قد قَضيتُهما، فقال رَسولُ اللهِ : «الآنَ بَرَدتْ عليه جِلدُه» (٣).

وهذا صَريحٌ في بَراءةِ المَضمونِ عنه لِقَولِه : «وبَرئَ الميِّتُ منهما»، ولأنَّه دَينٌ واحِدٌ؛ فإذا صارَ في ذِمَّةٍ ثانيةٍ، بَرِئت الأُولى منه كالمُحالِ به؛ وذلك لأنَّ الدَّينَ الواحِدَ لا يَحِلُّ في مَحلَّيْن (٤).

والحِكمةُ في امتِناعِه مِنَ الصَّلاةِ عليه شَغلُ ذِمَّتِه ببَقاءِ

(١) ضَعِيفٌ جدًّا: كما سبق.
(٢) «المغني» (٦/ ٣٢٧).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: سبق تخريجه.
(٤) «المغني» (٦/ ٣٢٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الضمان)
(مسألة)

(كِتَابُ الضَّمَانِ)

تَحَرَّيْتُ فِيهِ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَقِيَاسَ قوله: -

(مسألة)

قال المزني: " قال الله جل ثناؤه {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف: ٧٢ وَقَالَ عز وجل {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} القلم: ٤٠ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ " وَالزَّعِيمُ فِي اللُّغَةِ هو الكفيل وروي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وُضِعَتْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " هل على صاحبكم من دين "؟ فقالوا نَعَمْ دِرْهَمَانِ قَالَ " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ " فَقَالَ علي رضوان الله عليه هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا لَهُمَا ضَامِنٌ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فصلى عليه ثم أقبل على علي رضي الله عنه فَقَالَ " جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا وَفَكَّ رهانك كما فككت رهان أخيك " (قال المزني) قلت أنا وفي ذلك دليل أن الدين الذي كان على الميت لزم غيره بأن ضمنه وروى الشافعي في قسم الصدقات أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال " لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة " ذكر منها رجلا تحمل بحمالة فحلت الصدقة (قلت أنا) فكانت الصدقة محرمة قبل الحمالة فلما تحمل لزمه الغرم بالحمالة فخرج من معناه الأول إلى أن حلت له الصدقة " .

قال الماوردي: أما الضمان فهو أخذ الوثاق فِي الْأَمْوَالِ، لِأَنَّ الْوَثَائِقَ ثَلَاثَةٌ: الشَّهَادَةُ وَالرَّهْنُ وَالضَّمَانُ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحوالة والضمان
باب الضمان

بابُ الضَّمانِ

٨٢٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ ضُمِنَ عَنْهُ حَقٌّ بَعْدَ وُجُوبِهِ، أوْ قَالَ: مَا أَعْطَيْتَهُ فهُوَ عَلَىَّ. فَقَدْ لَزِمَهُ مَا صَحَّ أنَّه أَعْطَاهُ)

الضَّمَانُ: ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إلى ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه في الْتِزَامِ الحَقِّ. فيَثْبُتُ في ذِمَّتِهِمَا جَمِيعًا، ولِصَاحِبِ الحَقِّ مُطالَبَةُ من شاءَ منهما، واشْتِقَاقُه من الضّمِّ. وقال القاضي: هو مُشْتَقٌّ من التَّضْمِينِ ؛ لأنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الحَقَّ. والأصْلُ في جَوَازِه، الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ، أمَّا الكِتابُ فقولُ اللَّه تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} . وقال ابنُ عَبَّاسٍ: الزَّعِيمُ الكَفِيلُ. وأمَّا السُّنَّةُ فما رُوِىَ عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنَّه قال: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرمِذِىُّ . وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ، ورَوى البُخَارِىُّ ، عن سَلَمَةَ ابن الأَكْوَعِ، أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُتِىَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّىَ عليه، فقال: هل عليه دَيْنٌ؟ قالوا: نعم، دِينَارَانِ. قال: هل تَرَكَ لهما وَفَاءً؟

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب البيوع
الجملة الثانية في وقت ضمان المبيعات

جَوَازِهِ، وَفِيمَا يَجُوزُ مِنَ الْعُقُودِ وَالْمَبِيعَاتِ وَالْعُيُوبِ، وَلِمَنْ يَجُوزُ بِالشَّرْطِ، أَوْ مُطْلَقًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا قَدْ تَقَدَّمَتْ بِالْقُوَّةِ فِي قَوْلِنَا فَاعْلَمْهُ.

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِ ضَمَانِ الْمَبِيعَاتِ

وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَضمنُ فِيهِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَنَّى تَكُونُ خَسَارَتُهُ إِنْ هَلَكَ مِنْهُ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ.

وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَهُ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَاتِ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:

بَيْعٌ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ وَزْنٍ، أَوْ كَيْلٍ، وَعَدَدٍ.

وَبَيْعٌ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَهُوَ الْجُزَافُ، أَوْ مَا لَا يُوزَنُ، وَلَا يُكَالُ، وَلَا يُعَدُّ. فَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَلَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ. وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَهُوَ حَاضِرٌ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ.

وَأَمَّا الْمَبِيعُ: فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ:

أَشْهَرُهَا: أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ.

وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِنَ الْمُبْتَاعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْبَائِعِ.

وَالثَّالِثَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَأْمُونِ الْبَقَاءِ إِلَى وَقْتِ الِاقْتِضَاءِ كَالْحَيَوَانِ وَالْمَأْكُولَاتِ، وَبَيْنَ مَا هُوَ مَضْمُونُ الْبَقَاءِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 210 - 215

ارجع إلى آثار الكفالة: حق المكفول له في المطالبة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر