حكم الوعد الملزم في بيع المرابحة

الإسلام > المعاملات المالية > أحكام البيوع والأمانات المرابحة والتولية والإشراك والوضيعة > حكم الوعد الملزم في بيع المرابحة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 43 دقيقة قراءة

حكم الوعد الملزم في بيع المرابحة - الأقوال والأدلة

حُكمُ الوَعدِ المُلزِمِ في بَيعِ المُرابَحةِ:

تَعريفُ الوَعدِ:

الوَعدُ لُغةً: يَدلُّ على تَرجيةٍ بقَولٍ، يُقالُ: وَعَدتُه أعِدُه وَعدًا، ويُستعمَلُ في الخَيرِ حَقيقةً، وفي الشَّرِّ مَجازًا، فأمَّا الوَعيدُ فلا يَكونُ إلَّا بشَرٍّ، يَقولونَ: أوعَدتُه بكذا (١).

والوَعدُ: العَهدُ، والعِدَةُ في اصطِلاحِ الفُقهاءِ: ليسَ فيها إلزامُ الشَّخصِ نَفْسَه شَيئًا الآنَ، وإنَّما هي -كما قالَ ابنُ عَرَفةَ-: إخبارٌ عن إنشاءِ المُخبِرِ مَعروفًا في المُستقبَلِ (٢).

والفَرقُ بينَ ما يَدلُّ على الِالتِزامِ، وما يَدلُّ على العِدَةِ: هو ما يُفهَمُ مِنْ سياقِ الكَلامِ وقَرائِنِ الأحوالِ. والظاهِرُ مِنْ صِيغةِ المُضارِعِ: الوَعدُ، مثلَ: أنا أفعَلُ، إلَّا أنْ تَدُلَّ قَرينةٌ على الِالتِزامِ، كما يُفهَمُ مِنْ كَلامِ ابنِ رُشدٍ، وذلك مثلَما لو سَألَكَ مَدينٌ أنْ تُؤخِّرَه إلى أجَلِ كذا؛ فقُلتَ: أنا أُؤخِّرُكَ؛ فهو عِدَةٌ، ولو قُلتَ: قد أخَّرتُكَ؛ فهو التِزامٌ (٣).

(١) «معجم مقاييس اللغة» (٦/ ١٢٥) مادة (وَعَدَ).
(٢) «المختصر الفقهي» لابن عرفة (١٣/ ١٧٦).
(٣) يُنظر: «فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك» للشيخ عليش (١/ ٢٥٧). قال: [الفرقُ بينَ ما يدُلُّ على الِالتزَامِ وما يدُلُّ على العِدَةِ] (تَنبِيه) وأمَّا الفَرقُ بينَ ما يدُلُّ على الِالتزَامِ وما يدُلُّ على العِدَةِ فالمَرجعُ فيه إنَّما هو إلى ما يُفهم مِنْ سِياقِ الكَلامِ وقَرائنِ الأحوالِ بحيثُ دلَّ الكَلامُ على الِالتزَامِ؛ ولهذا قال الشَّيخُ خَليلٌ في مُختصَرِه في بابِ الخَلع: ولزِمت البَينونةُ إن قال: «إن أعْطيتَني ألفًا فارقتُك أو أفارِقُك»، إن فهِم الِالتزَامَ أو الوَعدَ إن ورَّطها، فالشَّرطُ في قولِه إن ورَّطها راجِعٌ إلى الوَعدِ. قال في «التَّوضيح»: كما لو باعَت قُماشًا أو كسرَت حُليَّها واللهُ تَعالى أَعلمُ، ولا يُفرَّقُ بينَ العِدَةِ والِالتزَامِ بصِيغةِ الماضِي والمُضارعِ كما قد يَتبادَرُ للفَهمِ من كلَامِ ابنِ رُشدٍ في رَسمِ حلف مِنْ سَماع عِيسى من كِتابِ الأيمانِ بالطَّلاقِ وسَيأتي في البابِ الثَّالثِ إن شاءَ اللهُ تَعالى ذِكرُه بتَمامِه فإن الِالتِزامَ قد يَكونُ بِصيغةِ المُضارعِ إذا دلَّت القَرائنُ عليه كما يُفهمُ مِنْ كَلامِ الشَّيخ خَليل المَاضي في مَسألَةِ الخَلعِ، ومِن كَلامِ ابنِ رُشدٍ المُتقدِّمِ قَريبًا، ومِن كَلام أصبغَ الآتي في الفَرعِ بعدَ هذا، نَعم صِيغةُ الماضِي دالَّةٌ على الِالتزَامِ وإِنفاذِ العَطيَّةِ، والظاهرُ مِنْ صِيغةِ المُضارعِ الوَعدُ إلا أن تدُلَّ قَرينةٌ على الِالتزَامِ كما يُفهمُ من كَلامِ ابنِ رُشدٍ فتأمَّلْه واللهُ تَعالى أَعلمُ.

وقالَ أبو هِلالٍ العَسكَريُّ رحمة الله عليه: والفَرقُ بينَ الوَعدِ والعَهدِ أنَّ العَهدَ ما كانَ مِنْ الوَعدِ مَقرونًا بشَرطٍ، نَحوَ: إنْ فَعَلتَ كذا فَعَلتُ كذا (١).

حُكمُ الوَعدِ:

لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ في أنَّ الوَعدَ مِنْ التَّصرُّفاتِ التي يُستحَبُّ الوَفاءُ بها.

قالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ رحمة الله عليه: وقالَ العُلماءُ: يُستحَبُّ الوَفاءُ بالوَعدِ بالهِبةِ وغيرِها، استِحبابًا مُؤكَّدًا، ويُكرَهُ إخلافُه، كَراهةَ تَنزيهٍ لا تَحريمٍ، ويُستحَبُّ أنْ يُعقِبَ الوَعدَ بالمَشيئةِ؛ لِيَخرُجَ عن صورةِ الكَذِبِ، ويُستحَبُّ إخلافُ الوَعيدِ، إذا كانَ التَّوعُّدُ به جائِزًا، ولا يَترتَّبُ على تَركِه مَفسَدةٌ (٢).

إلَّا أنَّهم اختَلَفوا، هل يَجِبُ الوَفاءُ به أو لا؟

فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يَجِبُ الوَفاءُ به قَضاءً.

(١) «الفروق في اللغة» ص (٦٢).
(٢) «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» (١/ ٢٢١).

قالَ الإمامُ بَدرُ الدِّينِ العَينيُّ رحمة الله عليه: جُمهورُ العُلماءِ، منهم أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ، على أنَّ إنجازَ العِدَةِ مُستحَبٌّ، وأوجَبَه الحَسَنُ وبَعضُ المالِكيَّةِ (١).

وقالَ الإمامُ السُّيوطيُّ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ الوَفاءَ بالوَعدِ في الخَيرِ مَطلوبٌ.

وهَل هو واجِبٌ أو مُستحَبٌّ؟ فيه خِلافٌ.

ذهَب أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ وأحمدُ وأكثَرُ العُلماءِ إلى أنَّه مُستحَبٌّ، فلو ترَكه فاتَه الفَضلُ، وارتَكَبَ المَكروهَ كَراهةً شَديدةً، ولكنْ لا يَأثَمُ.

وذهَب جَماعةٌ إلى أنَّه واجِبٌ، منهم عمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ.

وذهَب المالِكيَّةُ مَذهبًا ثالِثًا: أنَّ الوَعدَ إنِ اشتُرِطَ بسَبَبٍ، كقَولِه: تَزوَّجْ ولَكَ كذا، ونَحوِ ذلك، وجَب الوَفاءُ به، وإنْ كانَ الوَعدُ مُطلَقًا لَم يَجِبْ (٢).

قالَ الإمامُ شَمسُ الدِّينِ السَّرخَسيُّ رحمة الله عليه: الإنسانُ مَندوبٌ إلى الوَفاءِ بالوَعدِ مِنْ غيرِ أنْ يَكونَ ذلك مُستحَقًّا عليه (٣).

وقالَ ابنُ عابدينَ رحمة الله عليه: خُلفُ الوَعدِ مَكروهٌ، لا حَرامٌ، وفي الذَّخيرةِ يُكرَهُ تَنزيهًا؛ لأنَّه خُلفُ الوَعدِ، ويُستحَبُّ الوَفاءُ بالعَهدِ، لَكِنِ استَظهَرَ العَلَّامةُ أبو السُّعودِ كَراهةَ التَّحريمِ، ووَفقَ شَيخِه، بحَملِ ما في الذَّخيرةِ،

(١) «عمدة القاري شرح صحيح البخاري» (١٢/ ١٢١).
(٢) «جواهر العقود» (١/ ٣١٥، ٣١٦).
(٣) «المبسوط» (٢١/ ٢٩).

ومَن نَحا نَحوَها بأنَّ الكَراهةَ لِلتَّنزيهِ على ما إذا وَعَدَ وكانَ مِنْ نِيَّتِه الوَفاءُ، ثم طَرَأ الخُلفُ فلا مُخالَفةَ. اه.

قالَ سَيِّدي الوالِدُ رحمة الله عليه: لا يَلزَمُ الوَفاءُ بالوَعدِ شَرعًا (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: الوَفاءُ بالوَعدِ مُستحَبٌّ استِحبابًا مُؤكَّدًا، ويُكرَهُ إخلافُه كَراهةً شَديدةً، ودَلائِلُه مِنْ الكِتابِ والسُّنةِ مَعلومةٌ (٢).

وقالَ شَيخُ الإسلامِ زَكَريا الأنصاريُّ رحمة الله عليه: وإنَّما لَم يَجِبِ الوَفاءُ بالوَعدِ ولَم يَحرُمْ إخلافُه لأنَّه في مَعنَى الهِبةِ، وهي لا تَلزَمُ إلَّا بالقَبضِ (٣).

وقالَ الإمامُ ابنُ مُفلِحٍ رحمة الله عليه: لا يَلزَمُ الوَفاءُ بالوَعدِ، نصَّ عليه، وقالَه أكثَرُ العُلماءِ … لأنَّه لا يَحرُمُ بلا استِثناءٍ؛ لقولِه تَعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، ولأنَّه في مَعنَى الهِبةِ قبلَ القَبضِ، وذكَر شَيخُنا وَجْهًا يَلزَمُ، واختارَه، ويُتوَجَّهُ بأنَّه رِوايةٌ مِنْ تَأجيلِ العاريةِ والصُّلحِ عن عِوَضِ المُتلَفِ بمُؤجَّلٍ، ولِمَا قيلَ لِلإمامِ أحمدَ: بمَ يُعرَفُ الكَذَّابونَ؟ قالَ: بخُلفِ المَواعيدِ. وهذا مُتَّجَهٌ، وقالَه مِنْ الفُقهاءِ ابنُ شُبرُمةَ.

وقالَ ابنُ العَرَبيِّ المالِكيِّ رحمة الله عليه: أجَلُّ مَنْ قالَ به عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وذلك لقولِ الله : ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾

(١) «حاشية رد المختار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار» (٨/ ٣٨٦، ٣٨٧).
(٢) «روضة الطالبين وعمدة المفتين» (٤/ ٢٠٠).
(٣) «أسنى المطالب في شرح روض الطالب» (٢/ ٤٨٧).

[الصف: ٣]، ولِخَبَرِ: «آيةُ المُنافِقِ ثَلاثٌ: إذا وَعَدَ أخلَفَ»، وحَمْلًا على وَعدٍ واجِبٍ وبِإسنادٍ حَسَنٍ: «العِدةُ عَطيَّةٌ»، وبِإسنادٍ ضَعيفٍ: «العِدةُ دَيْنٌ» (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ رَجَبٍ رحمة الله عليه: قد اختلَف العُلماءُ في وُجوبِ الوَفاءِ بالوَعدِ، فمنهم مَنْ أوجَبَه مُطلَقًا وذكَر البُخاريُّ في صَحيحِه أنَّ ابنَ أشْوَعَ قَضى بالوَعدِ، وهو قَولُ طائِفةٍ مِنْ أهلِ الظاهِرِ وغيرِهم، ومنهم مَنْ أوجَبَ الوَفاءَ به إذا اقتَضى نَفعًا لِلمَوعودِ، وهو المَحكيُّ عن مالِكٍ، وكَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ لا يُوجِبونَه مُطلَقًا (٢).

قالَ الإمامُ ابنُ حَزمٍ الظاهِريُّ رحمة الله عليه: ليسَ كلُّ وَعدٍ يَجِبُ الوَفاءُ به، وإنَّما يَجِبُ الوَفاءُ بالوَعدِ بالواجِبِ الذي افتَرَضَه اللَّهُ فَقط، ولا يَلزَمُ أحَدًا ما التَزَمَه، لكنْ ما ألزَمَه اللَّهُ على لِسانِ نَبيِّه ، فهو الذي يَلزَمُ، سَواءٌ التَزَمَه المَرءُ أو لَم يَلتَزِمْه (٣).

وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: قالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه والأوزاعيُّ والشافِعيُّ وعُبَيدُ اللَّهِ بنُ الحُسَينِ وسائِرُ الفُقهاءِ: أمَّا العِدةُ فلا يَلزَمُه منها شَيءٌ؛ لأنَّها مَنافِعُ لَم يَقبِضْها في العاريةِ؛ لأنَّها طارِئةٌ، وفي غيرِ العاريةِ أشخاصٌ وأعيانٌ مَوهوبةٌ لَم تُقبَضْ، ولِصاحِبِها الرُّجوعُ فيها (٤).

(١) «الفروع» (٦/ ٣٦٩)، و «المبدع في شرح المقنع» (٩/ ٣٤٥).
(٢) «جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم» ص (٤٣١، ٤٣٢).
(٣) «المحلى» (٨/ ٢٠٥، ٢٠٦).
(٤) «التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد» (٣/ ٢٠٩).

وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجَرٍ رحمة الله عليه: قَولُه: بابُ مَنْ أُمِرَ بإنجازِ الوَعدِ: وَجْهُ تَعلُّقِ هذا البابِ بأبوابِ الشَّهاداتِ أنَّ وَعدَ المَرءِ كالشَّهادةِ على نَفْسِه، قالَه الكَرمانيُّ، وقالَ المُهلَّبُ: إنجازُ الوَعدِ مَأمورٌ به، مَندوبٌ إليه عندَ الجَميعِ، وليسَ بفَرضٍ؛ لِاتِّفاقِهم على أنَّ المَوعودَ لا يُضارَبُ بما وُعِدَ به مع الغُرَماءِ. اه. ونَقلُ الإجماعِ في ذلك مَردودٌ، فإنَّ الخِلافَ مَشهورٌ، لكنَّ القائِلَ به قَليلٌ، وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ وابنُ العَرَبيِّ: أجَلُّ مَنْ قالَ به عمرُ بنُ عَبدِ العَزيزِ، وعَن بَعضِ المالِكيَّةِ إنِ ارتَبَطَ الوَعدُ بسَبَبٍ وجَب الوَفاءُ به، وإلَّا فلا، فمَن قالَ لِآخَرَ: تَزوَّجْ ولَكَ كذا، فتَزوَّجَ لِذلك وجَب الوَفاءُ به، وخرَج بَعضُهم الخِلافَ على أنَّ الهِبةَ هل تُملَكُ بالقَبضِ أو قبلَه، وقَرَأتُ بخَطِّ أبي رحمة الله عليه في إشكالاتٍ على الأذكارِ لِلنَّوَويِّ، ولَم يَذكُرْ جَوابًا عن الآيةِ، يَعني قَولَه تَعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣]، وعن حَديثِ: (آيةُ المُنافِقِ)، قالَ: والدِّلالةُ لِلوُجوبِ مِنها قَويَّةٌ، فكَيفَ حَمَلوه على كَراهةِ التَّنزيهِ مع الوَعيدِ الشَّديدِ، ويُنظَرُ: هل يُمكِنُ أنْ يُقالَ: يَحرُمُ الإخلافُ ولا يَجِبُ الوَفاءُ، أي: يَأثَمُ بالإخلافِ، وإنْ كانَ لا يَلزَمُ بوَفاءِ ذلك قَولُه وفِعلُه الحَسَنُ، يَعني الأمرَ بإنجازِ الوَعدِ (١).

أمَّا المالِكيَّةُ فعندَهم أربَعةُ أقوالٍ في حُكمِ الوَعدِ:

القَولُ الأوَّلُ مِثلُ قَولِ جُمهورِ الفُقهاءِ: أنَّ الوَعدَ لا يَلزَمُ وإنْ كانَ على سَبَبٍ دخَل فيه.

(١) «فتح الباري شرح صحيح البخاري» (٥/ ٢٩٠).

القَولُ الثاني: أنَّ الوَعدَ لازِمٌ في كلِّ ما وَعَدَ به، ويُقضَى به، وإنْ لَم يَكُنْ على سَبَبٍ، ورُويَ عن عمرَ بنِ عَبدِ العَزيزِ أنَّه قَضَى به (١).

القَولُ الثالِثُ: أنَّه يُقضَى بالعِدَةِ إنْ كانَتْ على سَبَبٍ، وإنْ لَم يَدخُلِ المَوعودُ بسَبَبِ العِدَةِ في شَيءٍ، وهو قَولُ أصبَغَ، كقَولِكَ: أُريدُ أنْ أتزوَّجَ، أو أنْ أشتَريَ كذا، أو أنْ أقضيَ غُرَمائي، فأسلِفْني كذا، أو: أُريدُ أنْ أركَبَ غَدًا إلى مَكانِ كذا، فأعِرْني دابَّتَكَ، أو: أنْ أحرُثَ أرضي، فأعِرْني بَقَرتَكَ، فقالَ: نَعَمْ، ثم بَدا له الرُّجوعُ قبلَ أنْ يَتزوَّجَ، أو أنْ يَشتَريَ، أو أنْ يُسافِرَ، فإنَّ ذلك يَلزَمُه، ويُقضَى عليه به ما لَم تَترُكِ الأمرَ الذي وَعَدَكَ عليه.

فإنْ لَم تَسألْه وقالَ لَكَ هو مِنْ نَفْسِه: أنا أُسَلِّفُكَ كذا، أو أهَبُ لَكَ كذا؛ لِتَقضيَ دَينَكَ، أو لِتَتزوَّجَ، أو نَحوَ ذلك، فإنَّ ذلك يَلزَمُه ويُقضَى به عليه.

ولا يُقضَى بها إنْ كانَتْ على غيرِ سَبَبٍ، كما إذا قُلتَ: أسْلِفْني كذا، ولَم تَذكُرْ سَبَبًا، أو أعِرْني دابَّتَكَ، أو بَقَرتَكَ، ولَم تَذكُرْ سَفَرًا، ولا حاجَةً، فقالَ: نَعَمْ، ثم بَدا له، أو قالَ هو مِنْ نَفْسِه: أنا أُسَلِّفُكَ كذا، أو أهَبُ لَكَ كذا، ولَم يَذكُرْ سَبَبًا، ثم بَدا له فإنَّه لا يُلزَمُ، ولا يُقضَى به عليه.

والقَولُ الرابعُ -وهو المَشهورُ-: يُقضَى بها إنْ كانَتْ على سَبَبٍ ودخَل المَوعودُ بسَبَبِ العِدَةِ في شَيءٍ، أو التِزامٍ ماليٍّ بمُباشَرةِ ذلك السَّببِ، بِناءً على هذا الوَعدِ، وذلك كما لو وَعَدَ شَخصٌ شَخصًا آخَرَ بأنْ يُقرِضَه مَبلَغًا مِنْ المالِ بسَبَبِ عَزمِه على الزَّواجِ؛ لِيَدفَعَه مَهرًا، أو لِيَشتَريَ به بِضاعةً؛

(١) «شرح صحيح البخاري» (٧/ ١١٤).

فتَزوَّجَ المَوعودُ أو اشتَرَى البِضاعةَ ثم نكَل الواعِدُ عن القَرضِ؛ فإنَّه يُجبَرُ قَضاءً على تَنفيذِ وَعدِه (١).

وقد شَرَحَ هذه الأقوالَ وبيَّنها الإمامُ الحَطَّابُ المالِكيُّ، فقالَ في «تَحريرِ الكَلامِ في مَسائِلِ الالتزامِ»: الوَفاءُ بالعِدَةِ مَطلوبٌ بلا خِلافٍ، واختُلِفَ في وُجوبِ القَضاءِ بها على أربَعةِ أقوالٍ، حَكاها ابنُ رُشدٍ في كِتابِ جامِعِ البُيوعِ، وفي كِتابِ العاريةِ، وفي كِتابِ العِدَةِ، ونقَلها عنه غيرُ واحِدٍ، فقيلَ: يُقضى بها مُطلَقًا، وقيلَ: لا يُقضى بها مُطلَقًا، وقيلَ: يُقضى بها إنْ كانَتْ على سَبَبٍ، وإنْ لَم يَدخُلِ المَوعودُ بسَبَبِ العِدَةِ في شَيءٍ، كقَولِكَ: أُريدُ أنْ أتَزوَّجَ، أو أنْ أشتَريَ كذا، أو أنْ أقَضيَ غُرَمائي، فأسلِفْني كذا، أو أُريدَ أنْ أركَبَ غَدًا إلى مَكانِ كذا، فأعِرْني دابَّتَكَ، أو أنْ أحرُثَ أرضي، فأعِرْني بَقَرَتَكَ، فقالَ: نَعَمْ، ثم بَدا له قبلَ أنْ يَتزوَّجَ، أو أنْ يَشتَريَ، أو أنْ يُسافِرَ، فإنَّ ذلك يَلزَمُه، ويُقضى عليه به ما لَم تَترُكِ الأمرَ الذي وَعَدَكَ عليه، وكذا لو لَم تَسألْه، وقالَ لَكَ هو مِنْ نَفْسِه: أنا أُسَلِّفُكَ كذا، أو أهَبُ لَكَ كذا لِتَتزوَّجَ، أو لِتَقضيَ دَينَكَ، أو نَحوَ ذلك، فإنَّ ذلك يَلزَمُه ويُقضى عليه به.

ولا يُقضي بها إنْ كانَتْ على غيرِ سَبَبٍ، كما إذا قُلتَ: سَلِّفْني كذا، ولَم تَذكُرْ سَبَبًا، أو أعِرْني دابَّتَكَ، أو بَقَرَتَكَ، ولَم تَذكُرْ سَبَبًا، سَفَرًا ولا حاجَةً، فقالَ: نَعَمْ، ثم بَدا له، أو قالَ هو مِنْ نَفْسِه: أنا أُسَلِّفُكَ كذا، أو أهَبُ لَكَ كذا، ولَم يَذكُرْ سَبَبًا، ثم بَدا له.

(١) يُنظر: «البيان والتحصيل» (١٥/ ٣٤٤، ٣٤٦)، و «الذخيرة» (٦/ ٢٩٧، ٢٩٨).

والرابعُ: يُقضَى بها إنْ كانَتْ على سَبَبٍ ودخَل المَوعودُ بسَبَبِ العِدَةِ في شَيءٍ، وهذا هو المَشهورُ مِنْ الأقوالِ. قالَ في آخِرِ الرَّسمِ الأوَّلِ مِنْ سَماعِ أصبَغَ مِنْ جامِعِ البُيوعِ: قالَ أصبَغُ: سَمِعتُ أشهَبَ وسُئلَ عن رَجُلٍ اشتَرَى مِنْ رَجُلٍ كَرمًا فخافَ الوَضيعةَ فأتَى لِيَستَوضِعَه، فقالَ له: بِعْ وأنا أُرضيكَ، قالَ: فإنْ باعَ برَأْسِ مالِه أو برِبحٍ فلا شَيءَ عليه، وإنْ باعَ بوَضيعةٍ كانَ عليه أنْ يُرضيَه، فإنْ زَعَمَ أنَّه أرادَ شيئًا سَمَّاه فهو ما أرادَ، وإنْ لَم يَكُنْ أرادَ شَيئًا أرضاه بما شاءَ وحلَف باللَّهِ الذي لا إلَهَ إلَّا هو ما أرادَ أكثَرَ مِنْ ذلك، وإنْ لَم يَكُنْ أرادَ شَيئًا يَومَ قالَ ذلك. قالَ أصبَغُ: وسَألتُ عنها ابنَ وَهبٍ فقالَ: عليه رِضاه بما يُشبِهُ ثَمَنَ تلك السِّلعةِ والوَضيعةِ فيها، قالَ أصبَغُ: وقَولُ ابنِ وَهبٍ هو أحسَنُ عِندي، وهو أحَبُّ إلَيَّ إذا وَضَعَ فيها، قالَ مُحمَّدُ بنُ رُشدٍ: قَولُه: بِعْه وأنا أُرضيكَ عِدَةٌ، إلَّا أنَّها عِدَةٌ عَلى سَبَبٍ، وهو البَيعُ، والعِدَةُ إذا كانَتْ على سَبَبٍ لَزِمتْ؛ لِحُصولِ السَّببِ في المَشهورِ مِنْ الأقوالِ … قُلتُ: وهذا القَولُ الذي شَهَرَه ابنُ رُشدٍ، قالَ الشَّيخُ أبو الحَسَنِ في أوَّلِ كِتابِ العِتقِ الأوَّلِ، وفي كِتابِ الغَرَرِ بأنَّه مَذهبُ المُدَوِّنةِ، لقولِه في آخِرِ كِتابِ الغَرَرِ: وإنْ قالَ: اشتَرِ عَبدَ فُلانٍ وأنا أُعينُكَ بألْفِ دِرهَمٍ، فاشتَراه، لزِمه ذلك الوَعدُ. اه.

وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ في سَماعِه مِنْ كِتابِ العاريةِ، وقَولُ سَحنونٍ في كِتابِ العِدَةِ، ونَصُّه في سَماعِ عيسى: قُلتُ لِسَحنونٍ: ما الذي يَلزَمُ مِنْ العِدَةِ في السَّلَفِ والعاريةِ؟

قالَ: ذلك أنْ يَقولَ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: اهدِمْ دارَكَ وأنا أُسَلِّفُكَ، أو: اخرُجْ

إلى الحَجِّ وأنا أُسَلِّفُكَ، أو تَزوَّجِ امرَأةً وأنا أُسَلِّفُكَ، وعَزاه له ابنُ رُشدٍ في رَسمِ طَلقِ بنِ حَبيبٍ مِنْ سَماعِ ابنِ القاسِمِ مِنْ كِتابِ العاريةِ.

وقالَ القَرافيُّ رحمة الله عليه في الفَرقِ الرابعَ عشَرَ بعدَ المِئتَيْنِ: قالَ سَحنونٌ: الذي يَلزَمُ مِنْ الوَعدِ مِثلُ اهدِمْ دارَكَ وأنا أُسَلِّفُكَ ما تَبني به، أو: اخرُجْ إلى الحَجِّ وأنا أُسَلِّفُكَ، أو: اشتَرِ سِلعةً، أو تَزوَّجِ امرَأةً وأنا أُسَلِّفُكَ، وعَزاه له ابنُ رُشدٍ؛ لأنَّكَ أدخَلتَه بوَعدِكَ في ذلك، وأمَّا مُجرَّدُ الوَعدِ فلا يُلزِمُ الوَفاءَ به، بَلْ الوَفاءُ به مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ. اه (١).

وقالَ اللَّخميُّ رحمة الله عليه في كِتابِ الشُّفعةِ لمَّا ذكَرَ حُجَّة مُقابِل المَشهورِ، والقائِلِ بلُزومِ إسقاطِ الشُّفعةِ قبلَ الشِّراءِ ما نَصُّه: ولو قالَ: اشتَرِ هذا الشَّخصَ والثَّمنُ علَيَّ، فاشتَراه، لزِمه أنْ يُغرَّمَ الثَّمنَ الذي اشتَراه به؛ لأنَّه أدخَلَه في الشِّراءِ، وهذا قَولُ مالِكٍ وابنِ القاسِمِ، والقَولُ بأنَّه يَقضي بها إذا كانَتْ على سَبَبٍ، وإنْ لَم يَدخُلْ بسَبَبِها في شَيءٍ هو قَولُ أصبَغَ في كِتابِ العِدَةِ، وقَولُ مالِكٍ في رَسمِ طَلقِ بنِ حَبيبٍ مِنْ سَماعِ ابنِ القاسِمِ، وهو قَويٌّ أيضًا، والقَولُ بعَدَمِ القَضاءِ بها مُطلَقًا في سَماعِ أشهَبَ مِنْ كِتابِ العاريةِ، والقَولُ بالقَضاءِ بها مُطلَقًا لَم يَعْزُه ابنُ رُشدٍ، وهذانِ القَولانِ ضَعيفانِ جِدًّا، واللَّهُ أعلَمُ.

فَرعٌ: إذا قالَ له: إنَّ غُرَمائي يُلزِمونَني بدَيْنٍ، فسَلِّفْني أقضِهم، فقالَ: نَعَمْ، ثم بَدا له، فقالَ أصبَغُ في سَماعِ عيسى مِنْ كِتابِ العِدَةِ: يَلزَمُه ذلك،

(١) «الفروق أو أنوار البروق في أنواء الفروق» (مع الهوامش) (٤/ ٥٤، ٥٥).

ويُحكَم به عليه، وهو جارٍ على قَولِه بلُزومِ العِدَةِ إذا كانَتْ على سَبَبٍ، وإنْ لَم يَدخُلْ بسَبَبِها في شَيءٍ، وقالَ ابنُ القاسِمِ: إنَّما يَلزَمُه إذا اعتَقَدَ الغُرَماءُ منه على وَعدٍ، أو أشهَدَ به على نَفْسِه، وذلك على أصلِه في أنَّه لا يَقضي بالعِدَةِ إلَّا إذا دخَل بسَبَبِها في شَيءٍ، ولو قالَ: أُشهِدُكم على أنِّي فاعِلٌ أو أفعَلُ، فظاهِرُ كَلامِ مالِكٍ في سَماعِ ابنِ القاسِمِ مِنْ العاريةِ أنَّه تَردَّدَ في الحُكمِ عليه بذلك، وأنَّ الظاهِرَ اللُّزومُ، وقالَ ابنُ رُشدٍ: ولو قالَ: أُشهِدُكم على أنِّي قد فَعَلتُ، ما وَقَفَ في إيجابِه عليه، ولُزومِ القَضاءِ به.

فَرعٌ: قالَ في سَماعِ أشهَبَ مِنْ كِتابِ العاريةِ فيمَن حلَف لَيُوفِّيَنَّ غَريمَه إلى أجَلٍ، فلمَّا خَشيَ الحِنثَ ذكَر ذلك لِرَجُلٍ، فقالَ: لا تَخَفْ، ائْتِني هذه العَشيَّةَ أُعطِكَها؛ فلمَّا كانَتِ العَشيَّةُ جاءَه فأبَى أنْ يُعطيَه، فقالَ له: غَرَرتَني حتى خِفتُ أنْ يَدخُلَ على الطَّلاقُ، أتُراه له لازمًا؟ فقالَ: لا واللَّهِ، ما أرى ذلك لازِمًا له، ولا هو مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ ولا مَحاسِنِها. قالَ مُحمَّدُ بنُ رُشدٍ: قد قيلَ: إنَّه يَلزَمُه، وهو الأظهَرُ؛ لأنَّه غَرَّه ومنَعه أنْ يَحتالَ لِنَفْسِه بما يَبَرُّ به مِنْ سَلَفٍ أو غيرِه. اه.

قُلتُ: فالقَولُ الأوَّلُ مَبنيٌّ على أنَّ العِدَةَ لا يُقضى بها، ولو كانَتْ على سَبَبٍ، ودخَل في السَّببِ، وقد تَقدَّمَ أنَّه في سَماعِ أشهَبَ مِنْ العاريةِ، والثاني مَبنيٌّ على أنَّه يُقضى بها إذا كانَت على سَبَبٍ، وعلى المَشهورِ أيضًا لأنَّه قد أدخَلَه بسَبَبِ العِدَةِ في عَدَمِ الاحتيالِ لِنَفْسِه حتى خَشِيَ الحِنثَ، واللَّهُ أعلَمُ (١).

(١) «تحرير الكلام في مسائل الإلتزام» ص (١٥٤، ١٥٩)، ويُنظر: «فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك» (٢/ ٢٥٤، ٢٥٧)

وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: قالَ سَحنونٌ: اختلَف أصحابُنا في رُجوعِ العِدَةِ، وهو الذي عليه أكثَرُهم، وهو الذي يَلزَمُه مِنْ العِدَةِ في السَّلَفِ والعاريةِ أنْ يَقولَ لِلرَّجُلِ: اهدِمْ دارَكَ وأنا أُسَلِّفُكَ ما تَبنيها به، أوك اخرُجْ إلى الحَجِّ وأنا أُسَلِّفُكَ ما يُبَلِّغُكَ، أو اشتَرِ سِلعةَ كذا، أو: تَزوَّجْ وأنا أُسَلِّفُكَ ثَمَنَ السِّلعةِ وصَداقَ المَرأةِ وما أشبَهَ ذلك ممَّا يُدخِلُه فيه ويُنشِبُه به، فهذا كُلُّه يُلزِمُه.

قالَ: وإمَّا أنْ يَقولَ: أنا أُسَلِّفُكَ، وأنا أُعطيكَ بغيرِ شَيءٍ يُلزِمُ المَأمورُ نَفْسَه، فإنَّ هذا لا يَلزَمُه منه شَيءٌ.

قالَ أصبَغُ: العِدَةُ إذا لَم تَكُنْ في نَفْسِ البَيعِ، وكانَتْ بَعدُ، فهي مُوضَعةٌ عَينَ المُشتَري وتَلزَمُ البائِعَ.

وقالَ أبو حَنيفةَ وأصحابُه والأوزاعيُّ والشافِعيُّ وعُبَيدُ اللَّهِ بنُ الحَسَنِ وسائِرُ الفُقهاءِ: أمَّا العِدَةُ فلا يَلزَمُه مِنها شَيءٌ؛ لأنَّها مَنافِعُ لَم يَقبِضْها في العاريةِ؛ لأنَّها طارِئةٌ، وهي بغيرِ العاريةِ هي أشخاصٌ وأعيانٌ مَوهوبةٌ لَم تُقبَضْ، فلِصاحِبِها الرُّجوعُ فيها (١).

وهذا الخِلافُ السابِقُ فيما لو لَم يَمُتِ الواعِدُ، ولكنَّ الذي لا خِلافَ فيه بينَ الفُقهاءِ هو أنَّ الواعِدَ إذا ماتَ قبلَ إنجازِ وَعدِه فإنَّ الوَعدَ يَسقُطُ، سَواءٌ أكانَ مُطلَقًا، أم مُعلِّقًا على سَبَبٍ، ودخَل المَوعودُ في السَّببِ، أمَّا عندَ

(١) «الاستذكار الجامع لمذاهب فقهاء الأمصار» (٥/ ١٦١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل في بيع المرابحة]

(فَصْلٌ) جَازَ مُرَابَحَةً

ــ

منح الجليل

فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقَالَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَمِنْ الْعُرُوضِ وَالتَّوْلِيَةِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ حُكْمُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ وَالشَّرِكَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ التَّوْلِيَةِ بِلَا إشْكَالٍ وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ هُوَ أَشَدُّ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا فِي الْإِقَالَةِ مِنْ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالْعَرْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَأَمَّا فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِيهَا، قَالَ فِيهَا: وَإِنْ ابْتَعْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً وَنَقَدْته ثَمَنَهَا ثُمَّ أَقَلْته وَافْتَرَقْتُمَا عَلَى أَنْ تَقْبِضَ رَأْسَ مَالِكِ وَأَخَّرْته بِهِ إلَى سَنَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَادِثٌ، وَالْإِقَالَةُ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ اهـ كَلَامُ الْحَطّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ الْبُنَانِيُّ التَّرْتِيبُ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الصَّرْفِ وَابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَشَدَّدُوا فِي الصَّرْفِ وَخَفَّفُوا فِي الْآخَرِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَهُمَا فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْخِلَافِ وَضَعْفِهِ اُنْظُرْ الْحَطّ.

فَصْلٌ فِي بَيْع الْمُرَابَحَةِ

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب البيع مرابحة

باب البيع مرابحة

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا بَاعَهُ مُرَابَحَةً عَلَى الْعَشَرَةِ وَاحِدٌ وَقَالَ قَامَتْ عَلَيَّ بِمَائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ أَخْطَأْتُ وَلَكِنَّهَا قَامَتْ عَلَيَّ بِتِسْعِينَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ لِلْمُشْتَرِي بِرَأْسِ مَالِهَا وَبِحِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ. وَجُمْلَةُ الْبُيُوعِ ثَلَاثَةٌ: بَيْعُ مُسَاوَمَةٍ، وَبَيْعُ مُرَابَحَةٍ، وَبَيْعُ مُخَاسَرَةٍ. فَأَمَّا بَيْعُ الْمُسَاوَمَةِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ. وَهُوَ أَنْ يَسْتَامَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَيَطْلُبَهَا الْمُشْتَرِي بِثَمَانِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ يَتَقَرَّرُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْمُمَاكَسَةِ عَلَى تِسْعِينَ دِرْهَمًا. وَأَمَّا بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ أَبِيعُكَ هَذَا الثَّوْبَ مُرَابَحَةً عَلَى أَنَّ الشِّرَاءَ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَأَرْبَحُ فِي كُلِّ عَشْرَةٍ واحد فَهَذَا بَيْعٌ جَائِزٌ لَا يُكْرَهُ. وَحُكِيَ عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ مَعَ جَوَازِهِ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب بيع المرابحة
الباب الثاني في حكم ما وقع من الزيادة أو النقصان في خبر البائع بالثمن

يَتَوَلَّاهُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ بِنَفْسِهِ; كَالسَّمْسَرَةِ، وَالطَّيِّ، وَالشَّدِّ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بَلْ يَحْمِلُ عَلَى ثَمَنِ السِّلْعَةِ كُلَّ مَا نَابَهُ عَلَيْهَا.

وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: لَا يَجُوزُ الْمُرَابَحَةُ إِلَّا بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَى بِهِ السِّلْعَةَ فَقَطْ إِلَّا أَنْ يَفْصِلَ وَيَفْسَخَ عِنْدَهُ إِنْ وَقَعَ قَالَ; لِأَنَّهُ كَذِبٌ; لِأَنَّهُ يَقُولُ لَهُ: ثَمَنُ سِلْعَتِي كَذَا وَكَذَا، وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ بَابِ الْغِشِّ.

وَأَمَّا صِفَةُ رَأْسِ الثَّمَنِ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يُخْبِرَه بِهِ: فَإِنَّ مَالِكًا، وَاللَّيْثَ قَالَا فِيمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِدَنَانِيرَ، وَالصَّرْفُ يَوْمَ اشْتَرَاهَا صَرْفٌ مَعْلُومٌ، ثُمَّ بَاعَهَا بِدَرَاهِمَ، وَالصَّرْفُ قَدْ تَغَيَّرَ إِلَى زِيَادَةٍ: أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْلَمَ يَوْمَ بَاعَهَا بِالدَّنَانِيرِ الَّتِي اشْتَرَاهَا; لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْكَذِبِ وَالْخِيَانَةِ، وَكَذَلِكَ إِنِ اشْتَرَاهَا بِدَرَاهِمَ ثُمَّ بَاعَهَا بِدَنَانِيرَ وَقَدْ تَغَيَّرَ الصَّرْفُ.

وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ مِنْ هَذَا الْبَابِ فِيمَنِ ابْتَاعَ سِلْعَةً بِعُرُوضٍ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً أَمْ لَا يَجُوزُ؟ فَإِذَا قُلْنَا بِالْجَوَازِ فَهَلْ يَجُوزُ بِقِيمَةِ الْعَرَضِ، أَوْ بِالْعَرَضِ نَفْسِهِ؟

فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهَا عَلَى مَا اشْتَرَاهُ بِهِ مِنَ الْعُرُوضِ، وَلَا يَجُوزُ عَلَى الْقِيمَةِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لَا يَجُوزُ لِمَنِ اشْتَرَى سِلْعَةً بِشَيْءٍ مِنَ الْعُرُوضِ أَنْ يَبِيعَهَا مُرَابَحَةً; لِأَنَّهُ يُطَالِبُهُ بِعُرُوضٍ عَلَى صِفَةِ عَرَضِهِ، وَفِي الْغَالِبِ لَيْسَ يَكُونُ عِنْدَهُ فَهُوَ مِنْ بَابِ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 15 - 26

ارجع إلى أحكام البيوع والأمانات المرابحة والتولية والإشراك والوضيعة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله