الإسلام > المعاملات المالية > أحكام البيوع والأمانات المرابحة والتولية والإشراك والوضيعة > رابعا: الوضيعة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةبَعضِ العَقدِ، لَم يَصحَّ العَقدُ؛ لِلجَهالةِ. فإنْ أطلَقَ الإشراكَ كأنْ يَقولَ: أشرَكتُكَ في هذا العَقدِ، صَحَّ، وكانَ مُناصَفةً؛ لأنَّ مُطلَقَ الشَّرِكةِ يَقتَضي التَّسويةَ.
وإنْ كانَتِ السِّلعةُ لِاثنَيْنِ فقالَ لَهما آخَرُ: أشرِكاني فيها؛ فأشرَكاه معهما، فله الثُّلُثُ لِمَا سبَق مِنْ أنَّ مُطلَقَ الشَّرِكةِ يَقتَضي التَّسويةَ.
رابِعًا: الوَضيعةُ:
ويُقالُ لَها: المُحاطَّةُ والمُخاسَرةُ، وهي أنْ يَبيعَه بما اشتَرَى مع حَطِّه عَشَرةً عن كلِّ مِئةٍ مَثَلًا.
حُكمُ هذه البُيوعِ:
اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّ بَيعَ المُرابَحةِ وأخَواتِها جائِزٌ، والدَّليلُ على جَوازِه عُمومُ قَولِ اللهِ ﷾: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، وقَولِه ﷾: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، وقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «إنَّما البَيعُ عن تَراضٍ» (١)، والمُرابَحةُ بَيعٌ بالتَّراضي بينَ العاقِدَيْنِ.
والدَّليلُ على التَّوليةِ: ما رُويَ أنَّ أبا بَكرٍ رضي الله عنه اشتَرَى بَعيرَيْنِ، فقالَ له النَّبيُّ ﷺ: «وَلِّني أحَدَهما»، فقالَ رضي الله عنه: هو لَكَ بغيرِ ثَمَنٍ، فقالَ ﷺ: «أمَّا بغيرِ ثَمَنٍ فلا» (٢).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن حبان (٤٩٦٧)، وابن ماجه (٢١٨٥).
(٢) رواه البخاري في «صحيحه» (٢٠٣١) بلفظ عن عَائشَةَ رضي الله عنها قالت: لقَلَّ يوْمٌ كان يَأْتي على النبي ﷺ إلا يَأْتي فيه بيْتَ أبي بكْرٍ أحَدَ طرَفَيْ النّهَارِ، فلما أُذنَ له في الخُرُوجِ إلى الْمَدينَةِ لم يرُعْنَا إلا وقد أتَانَا ظُهرًا فَخُبّرَ بهِ أبو بكْرٍ فقال: ما جاءَنَا النبي ﷺ في هذه السّاعَةِ إلا لأَمْرٍ حدَثَ، فلما دخل عليه قال لأَبِي بكْرٍ: «أَخْرجْ من عنْدَكَ». قال: يا رسُولَ اللّهِ إنما هُما ابْنتَايَ. يعني عَائشَةَ وأَسْمَاءَ. قال: «أَشَعَرتَ أنَّهُ قد أذِنَ لي في الخُرُوجِ». قَالَ: الصُّحبَةَ يا رسُولَ اللّهِ. قَالَ: «الصُّحْبَةَ». قَالَ: يَا رَسُولَ الله إنَّ عِنْدِي نَاقَتَينِ أَعدَدْتُهُمَا لِلخُرُوجِ فخُذْ إِحدَاهُمَا. قال: «قد أَخَذتُهَا بِالثّمَنِ».
قالَ أبو جَعفَرٍ الطَّبَريُّ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ بَيعَ المُرابَحةِ جائِزٌ (١).
وقالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: بَيعُ المُرابَحةِ والتَّوليةِ والإشراكِ والوَضيعةِ، الأصلُ في هذه العُقودِ عُموماتُ البَيعِ مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ بَيعٍ وبَيعٍ، وقالَ اللَّهُ عَزَّ شَأنُه: ﴿وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠] وقال ﷾: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]، والمُرابَحةُ ابتِغاءٌ لِلفَضلِ مِنْ البَيعِ نَصًّا.
وَرُويَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ لمَّا أرادَ الهِجرةَ اشتَرَى سَيِّدُنا أبو بَكرٍ رضي الله عنه بَعيرَيْنِ، فقالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «وَلِّني أحَدَهما»، فقالَ سَيِّدُنا أبو بَكرٍ رضي الله عنه: هو لَكَ بغيرِ شَيءٍ، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «أمَّا بغيرِ ثَمَنٍ فلا»، فدَلَّ طَلَبُ التَّوليةِ على جَوازِها.
وَرُويَ أنَّ سَيِّدَنا أبا بَكرٍ رضي الله عنه اشتَرَى بِلالًا فأعتَقَه؛ فقالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «الشَّركةَ يا أبا بَكرٍ»، فقالَ رضي الله عنه: يا رَسولَ اللَّهِ قد أعتَقتُه. فلو لَم تَكُنِ الشَّرِكةُ مَشروعةً لَم يَكُنْ لِيَطلُبَها رَسولُ اللَّهِ ﷺ.
(١) «اختلاف الفقهاء» ص (٧٥).
وكذا النَّاسُ تَوارَثوا هذه البِياعاتِ في سائِرِ الأعصارِ مِنْ غيرِ نَكيرٍ، وذلك إجماعٌ على جَوازِها (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: بَيعُ المُرابَحةِ هو البَيعُ برَأْسِ المالِ، ورِبحٍ مَعلومٍ، ويُشترَطُ عِلمُهما برَأْسِ المالِ، فيَقولُ: رَأْسُ مالي فيه -أو هو علَيَّ- بمِئةٍ، بِعتُكَ بها وبرِبحِ عَشَرةٍ، فهذا جائِزٌ لا خِلافَ في صِحَّتِه، ولا نَعلَمُ فيه عندَ أحَدٍ كَراهةً، وإنْ قالَ: بِعتُكَ رَأْسَ مالي فيه، وهو مِئةٌ، وأربَحُ في كلِّ عَشَرةٍ دِرهَمًا … فقد كَرِهَه أحمدُ، وقد رُوِيتْ كَراهَتُه عن ابنِ عمرَ وابنِ عَبَّاسٍ ومَسروقٍ والحَسَنِ وعِكرِمةَ وسَعيدِ بنِ جُبَيرٍ وعَطاءِ بنِ يَسارٍ رضي الله عنه، وقالَ إسحاقُ: لا يَجوزُ؛ لأنَّ الثَّمنَ مَجهولٌ حالَ العَقدِ، فلَم يَجُزْ، كما لو باعَه بما يَخرُجُ به في الحِسابِ، ورَخَّصَ فيه سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ وابنُ سِيرينَ وشُرَيحٌ والنَّخَعيُّ والثَّوريُّ والشافِعيُّ وأصحابُ الرَّأيِ وابنُ المُنذِرِ، ولأنَّ رَأْسَ المالِ مَعلومٌ، والرِّبحَ مَعلومٌ، فأشبَهَ ما لو قالَ: وبرِبحِ عَشَرةِ دَراهِمَ.
ووَجْهُ الكَراهةِ أنَّ ابنَ عمرَ وابنَ عَبَّاسٍ كَرِهاه، ولَم نَعلَم لَهما في الصَّحابةِ مُخالِفًا، ولأنَّ فيه نَوعًا مِنْ الجَهالةِ والتَّحرُّزِ عنها أوْلَى، وهذه كَراهةُ تَنزيهٍ، والبَيعُ صَحيحٌ؛ لِمَا ذَكَرْنا، والجَهالةُ يُمكِنُ إزالَتُها بالحِسابِ، فلَم تَضُرَّ، كما لو باعَه صُبرةً كلُّ قَفيزٍ بدِرهَمٍ (٢).
(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٢٠).
(٢) «المغني» (٤/ ١٢٩، ١٣٠).
ولأنَّ الثَّمنَ في بَيعِ المُرابَحةِ مَعلومٌ، ولِاستِجماعِ البَيعِ شَرائِطَ الجَوازِ، ولأنَّ الحاجةَ ماسَّةٌ إلى هذا النَّوعِ مِنْ البَيعِ؛ لأنَّ الغَبيَّ الذي لا يَهتَدي إلى التِّجارةِ يَحتاجُ إلى أنْ يَعتمِدَ فِعلَ الذَّكيِّ المُهتَدي، ويُطيِّبَ نَفْسَه بمِثلِ ما اشتَرَى وزيادةِ رِبحٍ، فوجَب القَولُ بجَوازِها، ولِذا كانَ مَبناها على الأمانةِ والِاحتِرازِ عن شُبهةِ الخيانةِ، لأنَّ المُشتَريَ يَأتمِنُ البائِعَ في خَبَرِه، مُعتمِدًا على قَولِه؛ فيَجِبُ على البائِعِ التَّنزُّهُ عن الخيانةِ والتَّجنُّبُ عن الكَذِبِ لِئَلَّا يقعُ المُشتَري في بَخسٍ وغُرورٍ.
وقالَ جُمهورُ العُلماءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ: المُرابَحةُ جائِزةٌ مِنْ غيرِ كَراهةٍ، وقالَ المالِكيَّةُ: هي جائِزةٌ، لكنَّها خِلافُ الأَوْلَى؛ لِكَثرةِ ما يَحتاجُ إليه البائِعُ مِنْ البَيانِ بحالِ المَبيعِ، وبَيانِ ما دُفِعَ مِنْ الثَّمنِ، وبَيانِ ما سُومِحَ فيه إذا كانَ قد سُومِحَ، والأوْلَى البَيعُ بطَريقِ المُساوَمةِ، وهو ما تَقدَّمَ مِنْ البَيعاتِ، وهو بَيعُ السِّلعةِ بالسِّعرِ الذي يَتَّفقُ عليه الطَّرَفانِ دونَ إعلامِ البائِعِ المُشتَري برَأسِ مالِها.
قالَ ابنُ رُشدٍ الجَدُّ رحمة الله عليه: البَيعُ على المُكايَسةِ والمُماكَسةِ أحَبُّ إلى أهلِ العِلمِ، وأحسَنُ عندَهم (١).
وهو قَولٌ لِلإمامِ أحمدَ أنَّ المُساوَمةَ أسهَلُ مِنْ بَيعِ المُرابَحةِ، وذلك لِضيقِ المُرابَحةِ على البائِعِ؛ لأنَّه يَحتاجُ إلى أنْ يَعلَمَ المُشتَري بكُلِّ شَيءٍ مِنْ
(١) يُنظر: «شرح مختصر خليل» (٥/ ١٧٢)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٦٥٥، ٦٦٥)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٣٩٤، ٣٥٤)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٥١٢، ٥٢٥)، و «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٤/ ٢٥٧، ٢٧٤).
ارجع إلى أحكام البيوع والأمانات المرابحة والتولية والإشراك والوضيعة للاطلاع على جميع المسائل.