الركن الأول: الصيغة

الإسلام > المعاملات المالية > أركان الرهن > الركن الأول: الصيغة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

الركن الأول: الصيغة - الأقوال والأدلة

الرُّكنُ الأوَّلُ: الصِّيغةُ:

اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ الصِّيغةَ -وهي الإيجابُ والقَبولُ- رُكنٌ مِنْ أركانِ الرَّهنِ، وهي: أنْ يَقولَ الراهِنُ: «رَهَنتُكَ هذا الشَّيءَ بما لَكَ علَيَّ مِنَ الدَّينِ»، أو يَقولَ: «هذا الشَّيءُ رَهنٌ بدَينِكَ»، وما يَجري هذا المَجرى، ويَقولَ المُرتَهَنُ: «ارتَهَنتُ»، أو: «قَبِلتُ»، أو: «رَضيتُ»، وما يَجري مَجراه.

إلا أنَّ الفُقهاءَ اختَلَفوا هل يَنعَقِدُ بالمُعاطاةِ أو لا؟

فقال الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ (١) والحَنابِلةُ وبَعضُ الشافِعيَّةِ: إنَّ الرَّهنَ يَصحُّ بالمُعاطاةِ، ولا يُشترَطُ لَفظُ الرَّهنِ.

قال الحَنفيَّةُ: فأمَّا لَفظُ الرَّهنِ فليس بشَرطٍ حتى لو اشتَرى شَيئًا بدَراهِمَ ودَفَعَ إلى البائِعِ ثَوبًا وقال له: أمسِكْ هذا الثَّوبَ حتى أُعطيَكَ الثَّمَنَ، فالثَّوبُ رَهنٌ؛ لأنَّه أتى بمَعنى العَقدِ، والعِبرةُ في بابِ العُقودِ بالمَعاني.

وقالوا: يُشترَطُ في الرَّهنِ ألَّا يَكونَ مُعلَّقًا بشَرطٍ ولا مُضافًا إلى وَقتٍ؛ لأنَّ في الرَّهنِ والارتِهانِ مَعنى الإيفاءِ والاستِيفاءِ، فيُشبِهُ البَيعَ ولا يَحتمِلُ التَّعليقَ بشَرطٍ والإضافةَ إلى وَقتٍ، كذا هذا (٢).

(١) «تحبير المختصر» (٤/ ١٠٨)، و «المختصر الفقهي» (٩/ ٤١١)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٤٠٩)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١٦٦)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٥٥)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٧/ ١٩٦).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٣٥)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ١٧٧، ١٧٨)، و «الهداية» (٤/ ٢٥٣)، و «درر الحكام» (٣/ ٦٣).

وقال الحَنابِلةُ: ولا يَصحُّ الرَّهنُ إلا بالإيجابِ والقَبولِ أو ما يَدلُّ عليهما مِنَ الراهِنِ والمُرتَهَنِ، كسائِرِ العُقودِ، ويَنعَقِدُ بالمُعاطاةِ كالبَيعِ (١).

وصُورةُ المُعاطاةِ عندَ الشافِعيَّةِ هنا أنْ يَقولَ له: «أقرِضْني عَشَرةً لِأُعطيَكَ ثَوبي هذا رَهنًا»، فيُعطي العَشَرةَ ويُقبِضُه الثَّوبَ (٢).

وقال الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وابنُ القاسِمِ مِنَ المالِكيَّةِ: لا يَصحُّ الرَّهنُ بالمُعاطاةِ؛ بل لا بُدَّ مِنَ الصِّيغةِ كما سبَق في البَيعِ.

قال الشافِعيَّة في المَذهبِ: وشَرطُ الصِّيغةِ: الإيجابُ والقَبولُ: وهُما كلُّ كَلامٍ يَدلُّ على الرَّهنِ والقَبولِ به مِنَ الراهِنِ والمُرتَهَنِ، كأنِ يَقولَ الراهِنُ: «رَهَنتُكَ داري هذه بما لَكَ علَيَّ مِنَ الدَّينِ»، أو: «خُذْ هذا -لِسِلعةٍ في يَدِه- رَهنًا بثَمَنِ هذا -لِشَيءٍ اشتَراه-»، فيَقولَ صاحِبُ الدَّينِ في الحالتَيْنِ: «قَبِلتُ»، أو: «ارتَهَنتُ»، ونَحوَ ذلك.

والأصلُ في اشتِراطِ الصِّيغةِ في الرَّهنِ -وغَيرِه مِنَ العُقودِ- أنَّه عَقدٌ فيه تَبادُلٌ ماليٌّ، فيُشترَطُ فيه الرِّضا؛ لأنَّه لا يَحِلُّ مالُ امرِئٍ إلا عن طِيبِ نَفْسٍ منه، والرِّضا أمرٌ خَفيٌّ، فيُكتَفى بما يَدلُّ عليه، وهو اللَّفظُ مِنَ المتعاقِدَيْنِ.

وأمَّا الأخرَسُ: فيُكتَفى منه بإشارَتِه المَعهودةِ المُفهِمةِ رِضاه بالرَّهنِ،

(١) «الإنصاف» (٥/ ١٣٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٧٦)، و «مطالب أولى النهى» (٣/ ٢٤٩).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٣٨)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٢٦٩)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٦٥٦، ٦٥٧)، و «حاشية إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين» (٣/ ١٠٧).

أو الارتِهانِ، وتَقومُ مَقامَ نُطقِه لِلضَّرورةِ؛ لأنَّها تَدُلُّ على ما في نَفْسِه مِنَ الرِّضا أو عَدَمِه، وكذلك كِتابَتُه فيما إذا كان يُحسِنُ الكِتابةَ.

ويُشترَطُ في الصِّيغةِ ما مَرَّ في البَيعِ، وذلك لأنَّه عَقدٌ ماليٌّ، وهو مِثلُ البَيعِ.

ويُشترَطُ اتِّصالُ اللَّفظَيْنِ، والمُرادُ باتِّصالِهما عَدَمُ تَخلُّلِ كَلامٍ أجنَبيٍّ، أو سُكوتٍ طَويلٍ بَينَهما، والمُرادُ باللَّفظَيْنِ الإيجابُ والقَبولُ، وهُما طَرَفا الصِّيغةِ، ويُشترَطُ تَوافُقُهما مَعنًى، فلو اختَلَفا فيه -كأنْ قال: «رَهَنتُكَ هذا بألِفٍ»، فقَبِلَ بخَمسِمِئةٍ، أو قال: «رَهَنتُكَ هذَيْنِ»، فقَبِلَ أحَدَهما- لَم يَصحَّ (١).

ويُشترَطُ أيضًا ما مَرَّ في البَيعِ مِنْ عَدَمِ التَّعليقِ وعَدَمِ التَّأقيتِ، فعَدَمُ التَّعليقِ كقَولِ الراهِنِ: «إذا حَضَر أبي إلى البَيتِ رَهَنتُكَ دابَّتِي -مَثَلًا- بما لَكَ علَيَّ مِنَ الدَّينِ».

وعَدَمُ التَّأقيتِ كقَولِ الراهِنِ: «رَهَنتُكَ هذه الأرضَ أو الدابَّةَ مُدَّةَ سَنةٍ على أنَّه إذا مَضَتِ السَّنةُ خَرَجتْ مِنَ الرَّهنِ، أو فهي مَبيعةٌ لَكَ بالحَقِّ».

فإنْ علَّق عَقدَ الرَّهنِ على شَرطٍ أو أُضيفَ إلى وَقتٍ فَسَد عندَ الحَنفيَّةِ؛ لأنَّ في الرَّهنِ والارتِهانِ مَعنى الإيفاءِ والاستِيفاءِ، فيُشبِهُ البَيعَ، وهو لا يَحتمِلُ التَّعليقَ بشَرطٍ والإضافةَ إلى وَقتٍ، كذا هذا.

ويَبطُلُ العَقدُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، كالبَيعِ.

(١) «الوسيط» (٤/ ٧٤)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٢٧٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٨)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٢٦٩)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٦٥٦، ٦٥٧)، و «الديباج» (٢/ ١٧٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحوالة
بيان ركن الحوالة

رَجُلَانِ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَكَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى النِّصْفِ لِمَا ذَكَرْنَا وَكَذَلِكَ الْمُتَفَاوِضَانِ إذَا افْتَرَقَا وَعَلَيْهِمَا دَيْنٌ فَلِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يُطَالِبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

وَأَيُّهُمَا أَدَّى شَيْئًا لَا يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ حَتَّى يَزِيدَ الْمُؤَدَّى عَلَى النِّصْفِ لِمَا ذَكَرْنَا هَذَا إذَا كَفَلَا كَفَالَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَكْفُلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِجَمِيعِ الْمَالِ فَأَمَّا إذَا كَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَالَةً مُتَفَرِّقَةً بِجَمِيعِ الْمَالِ عَنْ الْمَطْلُوبِ ثُمَّ كَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِمَا عَلَيْهِ فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا شَيْئًا يَرْجِعُ بِكُلِّ الْمُؤَدَّى عَلَى الْأَصِيلِ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ يَرْجِعُ بِنِصْفِهِ عَلَى شَرِيكِهِ لِأَنَّ حَقَّ الْمُطَالَبَةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ الْكَفَالَةُ عَنْ نَفْسِهِ وَالْكَفَالَةُ عَنْ صَاحِبِهِ عَلَى السَّوَاءِ فَيَقَعُ الْمُؤَدَّى نِصْفُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَنِصْفُهُ عَنْ صَاحِبِهِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْكَفَالَتَيْنِ بِالْمُؤَدَّى وَإِذَا وَقَعَ نِصْفُ الْمُؤَدَّى عَنْ صَاحِبِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ لِيُسَاوِيَهُ فِي الْأَدَاءِ كَمَا سَاوَاهُ فِي الْكَفَالَةِ بِالْمُؤَدَّى بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ هُنَاكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصِيلٌ فِي نِصْفِ الْمَالِ بِالْكَفَالَةِ عَنْ نَفْسِهِ كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ بِالْكَفَالَةِ عَنْهُ فَيَكُونُ مُؤَدِّيًا عَنْ نَفْسِهِ إلَى النِّصْفِ وَهَهُنَا بِخِلَافِهِ لِمَا مَرَّ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 210 - 212

ارجع إلى أركان الرهن للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله