الإسلام > المعاملات المالية > أركان الرهن > الركن الثالث: المرهون
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةالرُّكنُ الثالِثُ: المَرهونُ:
وهو العَينُ التي يَضَعُها الراهِنُ عندَ المُرتَهَنِ لِيَحتَبِسَها وَثيقةً بدَيْنِه، ويُشترَطُ في العَينِ المَرهونةِ -لِيَصحَّ ارتِهانُها- عِدَّةُ شُروطٍ، بَعضُها مُتَّفَقٌ عليه، وبَعضُها مُختَلَفٌ فيه.
الشَّرطُ الأوَّلُ: كَونُه مَعلومًا جِنسُه وقَدْرُه وصِفَتُه: لأنَّه عَقدٌ على مالٍ، فاشتُرِطَ العِلمُ به كالمَبيعِ، وهذا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ، وسيأتي مُفصَّلًا.
الشَّرطُ الثاني: أنْ يَكونَ عَينًا: فلا يَصحُّ رَهنُ المَنفَعةِ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ، كأنْ يَرهَنَه سُكنى دارٍ؛ لأنَّ المَنفَعةَ تَتلَفُ بمُرورِ الزَّمَنِ، فلا يَحصُلُ بها تَوثُّقٌ ولا تَثبُتُ عليها يَدُ الحَبسِ، كما يَقولُ الشافِعيَّةُ، ولأنَّ مَقصودَ الرَّهنِ استِيفاءُ الدَّينِ مِنْ ثَمَنِه، والمَنافِعُ تَهلِكُ إلى حُلولِ الحَقِّ، وإنْ رهَنه أُجرةَ دارِه شَهرًا لَم يَصحَّ؛ لأنَّها مَجهولةٌ وغَيرُ مَملوكةٍ، كما يَقولُ الحَنابِلةُ.
وأمَّا المالِكيَّةُ ففي جَوازِ رَهنِ المَنفَعةِ قَولانِ، جاءَ في «الشَّرحِ الصَّغيرِ» لِلصاويِّ: واختُلِفَ إذا رهَن رَقبةَ المُدبِّرِ لِيُباعَ في حياةِ السَّيِّدِ في دَينٍ مُتأخِّرٍ هل يَبطُلُ الرَّهنُ مِنْ أصلِه أو يَنتَقِلُ لِخِدمَتِه؟ قَولانُ، الراجِحُ الأوَّلُ.
كظُهورِ حَبسِ دارٍ رُهِنتْ رَقَبتُها على أنَّها مِلكٌ لِراهِنِها، وثَبَت حَبسُها عليه، فهل يَنتَقِلُ الراهِنُ لِمَنفَعتِها؛ لأنَّ المَنفَعةَ كجُزءٍ منها؟ وظاهِرُ كَلامِهم أنَّه الراجِحُ أو يَبطُلُ الرَّهنُ ولا يَعودُ لِمَنفَعَتِها، وأمَّا إنْ ظَهَرتْ حَبسًا على
غيرِ الراهِنِ أو انتَقَل الحَقُّ لغَيرِه بمَوتٍ أو بانقِضاءِ مُدَّةٍ مُعيَّنةٍ شَرَطها له الواقِفُ فلا يَنتَقِلُ الرَّهنُ لِمَنفَعَتِها قَطعًا (١).
الشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ مِلكًا لِلراهِنِ أو مأذونًا له في رَهنِه: فعلى هذا يَجوزُ أنْ يَستَعيرَ شَيئًا لِيَرهَنَه؛ لأنَّ الرَّهنَ تَوثيقٌ، وهو يَحصُلُ بما لا يَملِكُه، بدَليلِ الإشهادِ والكَفالةِ، ولأنَّ المالِكَ رَضيَ بتَعلُّقِ دَينِ المُستَعيرِ بمالِه، وهو يَملِكُ ذلك، كما يَملِكُ تَعلُّقَه بذِمَّتِه بالكَفالةِ، ولأنَّ الرَّهنَ للاستِيفاءِ، ولِلمالِكِ أنْ يأذَنَ لِلمُستَعيرِ في إيفاءِ دَينِه، وهذا بإجماعِ أهلِ العِلمِ، كأن يَستَعيرَ شَخصٌ مِنْ آخَرَ عَينًا لِيَرهَنَها في دَينٍ عليه، فإنْ وَفَّى المُستَعيرُ دَينَه رَجَعتِ العَينُ المُستعارةُ لِصاحِبِها؛ وإلا بِيعَتْ في الدَّينِ المَرهونةِ بسَبَبِه ورجَع صاحِبُها -وهو المُعيرُ- بقيمةِ العَينِ على الذي استَعارَها، أو بمِثلِها إنْ كانتْ مِنْ ذَواتِ الأمثالِ على ما يأتي بَيانُه.
قال ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: أجمَعَ كلُّ مَنْ نَحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ على أنَّ الرَّجُلَ إذا استَعارَ مِنَ الرَّجُلِ شَيئًا يَرهَنُه على دَنانيرَ مَعلومةٍ عندَ رَجُلٍ سَمَّاه إلى وَقتٍ مَعلومٍ، ففَعَل فذلك جائِزٌ (٢).
(١) «الشرح الصغير» (٧/ ٢٠٢، ٢٠٣)، ويُنظر: «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٣٧)، و «جواهر الإكليل» (٢/ ٧٨)، «بدائع الصنائع» (٦/ ١٣٨)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٢٥٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٣٩، ٤٠)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٢٧١، ٢٧٢)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٦٥٩)، و «الديباج» (٢/ ١٧٥)، و «حاشية إعانة الطالبين» (٢/ ١٠٦)، و «حاشية البيجوري» (١/ ٧٨٢)، و «المغني» (٤/ ٢٢٩).
(٢) «الأوسط» (٥/ ٦٩٧)، و «الإجماع» (٥٢٣)، و «الإقناع في مسائل الإجماع» (٣/ ١٦٦٠) رقم (٣٢٤٥).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحوالة
بيان ركن الحوالة
رَجُلَانِ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَكَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى النِّصْفِ لِمَا ذَكَرْنَا وَكَذَلِكَ الْمُتَفَاوِضَانِ إذَا افْتَرَقَا وَعَلَيْهِمَا دَيْنٌ فَلِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يُطَالِبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
وَأَيُّهُمَا أَدَّى شَيْئًا لَا يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ حَتَّى يَزِيدَ الْمُؤَدَّى عَلَى النِّصْفِ لِمَا ذَكَرْنَا هَذَا إذَا كَفَلَا كَفَالَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَكْفُلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِجَمِيعِ الْمَالِ فَأَمَّا إذَا كَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَالَةً مُتَفَرِّقَةً بِجَمِيعِ الْمَالِ عَنْ الْمَطْلُوبِ ثُمَّ كَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِمَا عَلَيْهِ فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا شَيْئًا يَرْجِعُ بِكُلِّ الْمُؤَدَّى عَلَى الْأَصِيلِ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ يَرْجِعُ بِنِصْفِهِ عَلَى شَرِيكِهِ لِأَنَّ حَقَّ الْمُطَالَبَةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ الْكَفَالَةُ عَنْ نَفْسِهِ وَالْكَفَالَةُ عَنْ صَاحِبِهِ عَلَى السَّوَاءِ فَيَقَعُ الْمُؤَدَّى نِصْفُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَنِصْفُهُ عَنْ صَاحِبِهِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْكَفَالَتَيْنِ بِالْمُؤَدَّى وَإِذَا وَقَعَ نِصْفُ الْمُؤَدَّى عَنْ صَاحِبِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ لِيُسَاوِيَهُ فِي الْأَدَاءِ كَمَا سَاوَاهُ فِي الْكَفَالَةِ بِالْمُؤَدَّى بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ هُنَاكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصِيلٌ فِي نِصْفِ الْمَالِ بِالْكَفَالَةِ عَنْ نَفْسِهِ كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ بِالْكَفَالَةِ عَنْهُ فَيَكُونُ مُؤَدِّيًا عَنْ نَفْسِهِ إلَى النِّصْفِ وَهَهُنَا بِخِلَافِهِ لِمَا مَرَّ.
ارجع إلى أركان الرهن للاطلاع على جميع المسائل.