الشروط في عقد الرهن

الإسلام > المعاملات المالية > أركان الرهن > الشروط في عقد الرهن

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 29 دقيقة قراءة

الشروط في عقد الرهن - الأقوال والأدلة

وقد تَقدَّم في أركانِ البَيعِ هذا الخِلافُ بالتَّفصيلِ.

الشُّروطُ في عَقدِ الرَّهنِ:

الشُّروطُ في عَقدِ الرَّهنِ؛ إمَّا أنْ تَكونَ شُروطًا مُعتبَرةً مِنْ مُقتَضى عَقدِ الرَّهنِ، أو تَكونَ مُخِلَّةً بعَقدِ الرَّهنِ، وهي على التَّفصيلِ الآتي:

قال الحَنفيَّةُ: يَجوزُ لِلراهِنِ والمُرتَهَنِ أنْ يَشترِطا في العَقدِ وَضعَ الرَّهنِ عندَ عَدلٍ، وأنْ يَتَّفِقا على ذلك بعدَ العَقدِ، فإنِ رَضيَ العَدلُ صارَتْ يَدُه كيَدِ المُرتَهَنِ.

ويَصحُّ تَوكيلُ الراهِنِ المُرتَهَنَ ببَيعِ الرَّهنِ عندَ حُلولِ الأجَلِ لِاستِيفاءِ دَينِه مِنْ ثَمَنِه، وكذا يَصحُّ تَوكيلُ الراهِنِ العَدلِ أو غَيرِه بالبَيعِ؛ لِإيفاءِ الدَّينِ.

وإذا وَكَّلَ الراهِنُ العَدلَ أو المُرتَهَنَ ببَيعِ الرَّهنِ عندَ حُلولِ الأجَلِ فلا يَنعزِلُ بالعَزلِ، ولا بمَوتِ المُوكِّلِ وجُنونِه؛ كالوَكيلِ بالأمرِ باليَدِ، والوَكيلِ ببَيعِ الوَفاءِ لا يَنعزِلانِ بمَوتِ المُوكِّلِ، بخِلافِ الوَكيلِ بالخُصومةِ أو الطَّلاقِ.

ولا يَصحُّ اشتِراطُ تَمليكِ العَينِ المَرهونةِ لِلمُرتَهَنِ في مُقابَلةِ دَينِه إنْ لَم يُؤدِّه الراهِنُ في الأجَلِ المُعيَّنِ لِأدائِه، بل يَصحُّ الرَّهنُ ويَبطُلُ الشَّرطُ، فإذا قال الراهِنُ لِلمُرتَهَنِ: «إنْ جِئتُكَ بحَقِّكَ إلى وَقتِ كذا وإلا فهو لَكَ بدَينِكَ، أو بِعْ بحَقِّكَ»، لَم يَجُزْ، وهو رَهنٌ على حالِه؛ لأنَّ هذا تَعليقُ التَّمليكِ بالشَّرطِ، وهو لا يَتعلَّقُ بالشَّرطِ، كما أنَّه يُشترَطُ في الرَّهنِ ألا يَكونَ مُعلَّقًا على شَرطٍ أو مُؤقَّتًا بوَقتٍ، كما سَبَق (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٣٥)، و «الدر المختار» (٦/ ٥٠٣، ٥٠٤، ٥٣٩)، و «البحر الرائق» (٧/ ١٨٩)، و «مرشد الحيران» (٣/ ١٣٨٤، ١٣٨٥)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٣٤٠).

وقال المالِكيَّةُ: إذا شَرَط الراهِنُ في الرَّهنِ شَرطًا يُنافي ما يَقتَضيه العَقدُ ويُغيِّرُ مُوجِبَه فإنَّه لا يَجوزُ ويَفسُدُ الرَّهنُ بسَبَبِ ذلك الشَّرطِ، ولو أسقَطَ الشَّرطَ؛ إذِ القاعِدةُ أنَّ كلَّ عَقدٍ شُرِطَ فيه شَرطٌ مُنافٍ لِما يَقتَضيه مُفسِدٌ له، كما إذا شَرَط ألَّا يَقبِضَه المُرتَهَنُ، أو ألَّا يُباعَ عندَ الأجَلِ في الحَقِّ الذي رُهِنَ فيه، أو شَرَط الراهِنُ أجَلًا مُعيَّنًا وبَعدَه لا يَكونُ رَهنًا، أو لا يَكونُ الوَلَدُ رَهنًا مع أُمِّه فإنَّه يَبطُلُ حُكمُه؛ لأنَّ عَقدَ الرَّهنِ يَقتَضي أنَّه يُباعُ إذا لَم يُوَفِّ الراهِنُ الدَّينَ، ويُقبَضُ عندَ المُرتَهَنِ، أو عندَ أمينٍ، فإنْ شَرَط خِلافَ ذلك كان مُناقِضًا ورافِعًا لِلحَقيقةِ.

ولو وَقَع الشَّرطُ المُنافي بعدَ العَقدِ لا يُعتبَرُ، بل هو لَاغٍ والرَّهنُ صَحيحٌ.

وكذا يَبطُلُ الرَّهنُ إذا جعَله في بَيعٍ فاسِدٍ أو قَرضٍ فاسِدٍ ودَفَعَه المُشتَري -الراهِنُ- ظانًّا أنَّه يَلزَمُه الوَفاءُ به، أو لَم يَظُنَّ اللُّزومَ؛ فإنَّه يَكونُ الرَّهنُ فاسِدًا، ويَستَرِدُّه الراهِنُ، كمَن ظَنَّ أنَّ عليه دَينًا فدَفَعَه لِصاحِبِه، ثم تَبيَّنَ أنَّه لا دَينَ عليه، فإنَّه يَسترِدُّه ممَّن أخَذَه.

مِثالُ الفاسِد مِنَ البَيعِ: البَيعُ الواقِعُ وَقتَ نِداءِ الجُمُعةِ أو لِأجَلٍ مَجهولٍ، والقَرضُ الفاسِدُ كدَفعِ عَفِنٍ في جَيِّدٍ (١).

(١) «تحبير المختصر» (٤/ ٩١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ٣٨٨، ٣٨٩)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٤٣، ٢٤٤)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٤١٨، ٤٢١)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٣)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٧/ ٢١٧)، و «بلغة السالك» (٣/ ١٩٦).

وقال الشافِعيَّةُ: الشَّرطُ في الرَّهنِ على أربعةِ أضرُبٍ:

أحَدُها: ما كان مِنْ مُوجِباتِه: مِثلَ اشتِراطِ سُقوطِ ضَمانِه عن مُرتَهَنِه وتَمليكِ مَنافِعِه لِراهِنِه وبَيعِه عندَ حُلولِ أجَلِه وقَضاءِ الحَقِّ مِنْ ثَمَنِه عندَ تَعذُّرِ قَبضِه، وهذه وما بَيَّنَّا كلُّها مِنْ مُوجِباتِ الرَّهنِ لو لَم يَشتَرطْها لَوَجَبتْ، وإذا اشتَرَطَها تَأكَّدتْ.

والثاني: ما كان مِنْ جائِزاتِه: مِثلَ اشتِراطِ وَضعِه على يَدِ عَدلٍ يَرضَيانِ به، والتَّوكيلِ في بَيعِه نيابةً لِراهِنِه ومُرتَهَنِه، فإنْ شَرَط هذا مع العَقدِ أو بَعدَه صَحَّ العَقدُ وجازَ الشَّرطُ، وإنْ أخَلَّا بتَعيينِه وبالشَّرطِ صَحَّ العَقدُ وسَقَط الشَّرطُ، فأمَّا حُلولُ الرَّهنِ وتأجيلُه فليس مِنْ جائِزاتِ الرَّهنِ، وإنَّما هو مِنْ مُوجِباتِ الدَّينِ، لا عَقدِ الرَّهنِ، فيَجِبُ أنْ يَكونَ بحَسَبِ الدَّينِ مِنْ حُلولِه وتأجيلِه، فإنْ كان الدَّينُ حالًّا وجَب أنْ يَكونَ عَقدُ الرَّهنِ حالًّا، فإنْ عُقِدَ مُؤجَّلًا بطَل؛ لأنَّ الرَّهنَ مما أمكَنَ استِيفاءُ الدَّينِ منه عندَ استِحقاقِه، وإنْ كان الدَّينُ مُؤجَّلًا وجَب أنْ يَكونَ عَقدُ الرَّهنِ مُؤجَّلًا، فإنْ عَقَدَه حالًّا بطَل؛ لأنَّ الرَّهنَ ما أمكَنَ استِدامةُ التَّوثُّقِ إلى حُلولِ الدَّينِ، فلذلك وَجَب أنْ يَكونَ حُلولُ الرَّهنِ وتأجيلُه على حَسَبِ الدَّينِ وتأجيلِه.

والضَّربُ الثالِثُ منها هو ما كان مِنْ مَمنوعاتِه الناقِصةِ: مِثلَ اشتِراطِ تأخيرِ بَيعِه شَهرًا بعدَ حُلولِ أجَلِه، أو يُمتنَعُ مِنْ بَيعِه عندَ حُلولِه إلا باختيارِ راهِنِه، أو يُباعُ بيَمينٍ عندَ استِحقاقِ بَيعِه، فإذا بِيعَ لَم يُستَوْفَ جَميعُ الحَقِّ مِنْ ثَمَنِه، فهذه وما شابَهَها كلُّها شُروطٌ يَمنَعُ الرَّهنُ منها، وهي شُروطٌ

ناقِصةٌ، فكانتْ باطِلةً لِمُنافاتِها مُقتَضى العَقدِ، وكان الرَّهنُ باطِلًا؛ لأنَّها تَمنَعُ مِنْ مُوجِبِ الرَّهنِ، وإذا بطَل الرَّهنُ بها فإنْ كان الرَّهنُ مَشروطًا في البَيعِ فهل يَبطُلُ أو لا؟ على قَولَيْنِ:

أحَدُهما: يَبطُلُ البَيعُ ببُطلانِه؛ لأنَّ الرَّهنَ في مُقابَلةِ جُزءٍ مِنَ الثَّمنِ، بدَليلِ أنَّ الثَّمَنَ في العُرفِ يَزيدُ بعَدَمِه ويَنقُصُ باشتِراطِه، كالخيارِ والأجَلِ، وإذا بطَل الرَّهنُ بطَل مِنَ الثَّمَنِ ما قابَلَه، وذلك مَجهولٌ ويُؤدِّي إلى جَهالةِ بَقيَّةِ الثَّمَنِ، والثَّمَنُ المَجهولُ يُبطِلُ صِحَّةَ البَيعِ.

والقَولُ الآخَرُ: أنَّ البَيعَ جائِزٌ والمُرتَهَنَ بالخيارِ بينَ إمضاءِ البَيعِ وفَسخِه، وإنَّما كان البَيعُ جائِزًا وإنْ بطَل الرَّهنُ لأنَّ الرَّهنَ عَقدٌ يَصحُّ إفرادُه عن البَيعِ، فإذا اقتَرَنَ به وَجَب أنْ يَختَصَّ بحُكمِه، فلا يَكونُ فَسادُه مُوجِبًا لِفَسادِ البَيعِ المُقتَرِنِ به، كالصَّداقِ الذي لمَّا صَحَّ أنْ يَكونَ مُفرَدًا عن النِّكاحِ لَم يَكُنْ بُطلانُه مُبطِلًا لِلنِّكاحِ، وبهذا فارَقَ الخيارَ والأجَلَ اللذَيْنِ لمَّا لَم يُمكِنْ إفرادُهما عن العَقدِ كان بُطلانُهما مُبطِلًا لِلعَقدِ، وقال أبو إسحاقَ: لا يَجوزُ أنْ يُقالَ: إنَّ الرَّهنَ في مُقابَلةِ جُزءٍ مِنَ الثَّمَنِ؛ لِجَوازِ اشتِراطِه في القَرضِ الذي لا يَجوزُ الزِّيادةُ عليه بشَرطٍ.

وأمَّا الضَّربُ الرابعُ منها فما كان مِنْ مَمنوعاتِه الزائِدةِ، على ثَلاثةِ أضرُبٍ:

أحَدُها: أنْ تَكونَ زيادةَ صِفةٍ في الحُكمِ: مِثلَ أنْ يَشترِطَ المُرتَهَنُ في العَقدِ بَيعَ الرَّهنِ متى شاءَ، أو يَشترِطَ بَيعَه بأيِّ ثَمَنٍ شاءَ، فهذا وما شابَهَه كلُّه شُروطٌ زائِدةٌ على مُقتَضى الرَّهنِ، فكانتْ باطِلةً؛ لِمُنافاتِها مُقتَضى العَقدِ،

وهل يَبطُلُ العَقدُ ببُطلانِها أو لا؟ على قَولَيْنِ: أحَدُهما: قد بطَل لِشَرطِ ما يُنافيه، وإنْ كانت شُروطًا زائِدةً، كما يَبطُلُ باشتِراطِ ما يُنافيه مِنَ الشُّروطِ الناقِصةِ، والفَرقُ بَينَهما أنَّ الشُّروطَ الناقِصةَ تَمنَعُ بَعضَ مُوجِباتِ الرَّهنِ، فكانتْ مُبطِلةً، والشُّروطُ الزائِدةُ قد استُوفيَ معها مُوجِباتُ الرَّهنِ فلَم تُبطِلْه.

والضَّربُ الثاني: زيادةٌ وَثيقةٌ في الرَّهنِ: مِثلَ أنْ يَرهَنَه نَخلًا على أنَّ ما أثمَرَتْ كان رَهنًا معها، أو أنْ يَرهَنَه ماشيةً على أنَّ ما أنتَجَتْ كان رَهنًا معها، أو أنْ يَرهَنَه دارًا على أنَّ ما استُغِلَّ مِنْ أُجرَتِها كان رَهنًا معها، فهذا وما يُشابِهُه كلُّه مِنَ الشُّروطِ الزائِدةِ في وَثيقةِ الرَّهنِ، وفيها قَولانِ:

أحَدُهما: قاله في القَديمِ: إنَّها لَازِمةٌ، وعَقدُ الرَّهنِ باشتِراطِها صَحيحٌ، وتَدخُلُ في الرَّهنِ تَبَعًا له.

والقَولُ الآخَرُ: إنَّها باطِلةٌ، وهو الصَّحيحُ؛ لِأمرَيْنِ: أحَدُهما: غُرمُه وَقتَ عَقدِه، والآخَرُ: جَهالةُ قَدْرِه؛ فعلى هذا في بُطلانِ الرَّهنِ ببُطلانِ هذا الشَّرطِ قَولانِ: أحَدُهما: أنَّ الرَّهنَ باطِلٌ ببُطلانِ هذا الشَّرطِ، فعلى هذا في بُطلانِ البَيعِ قَولانِ، والآخَرُ: أنَّ الرَّهنَ جائِزٌ، وإنْ بطَل هذا الشَّرطُ، فعلى هذا البَيعُ أشَدُّ جَوازًا، والبائِعُ فيه مُخَيَّرٌ بينَ إمضائِه وفَسخِه؛ لِبُطلانِ الشَّرطِ في إرهانِ الحادِثِ.

والضَّربُ الثالِثُ: زيادةُ تَمليكٍ في الرَّهنِ: مِثلَ أنْ يَرهَنَ نَخلًا على أنَّ لِلمُرتَهَنِ ثَمَرتُها، أو أنْ يَرهَنَ ماشيةً على أنَّ لَه نِتاجَها، أو أنْ يَرهَنَ دارًا على أنَّ له سُكناها، أو أنْ يَرهَنَ دابَّةً على أنَّ له رُكوبَها، فهذا وما شابَهَه كلُّه مِنَ الشُّروطِ الزائِدةِ في تَملُّكِه مِنَ الرَّهنِ إذا كانت مُشتَرَطةً في رَهنٍ لَم يَخْلُ ذلك

الرَّهنُ مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا أنْ يَكونَ مأخوذًا مِنْ دَينٍ، وإمَّا أنْ يَكونَ مَشروطًا في بَيعِ، فإنْ كان الرَّهنُ مأخوذًا في بَيعٍ كانت هذه الشُّروطُ كلُّها باطِلةً؛ لأنَّها تَمليكُ أعيانٍ ومَنافِعَ بعَقدٍ لا يُوجِبُها مِنْ غيرِ عِوَضٍ يُقابِلُها، وإذا بَطَلتِ الشُّروطُ ففي بُطلانِ الرَّهنِ قَولانِ؛ لأنَّها شُروطٌ زائِدةٌ، وإنْ كان الرَّهنُ مَشروطًا في بَيعٍ لَم تَخْلُ هذه الشُّروطُ مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا أنْ تَكونَ مَشروطةً في الرَّهنِ وإما أنْ تَكونَ مَشروطةً في البَيعِ، فإنْ كانتْ مَشروطةً في الرَّهنِ كانتِ الشُّروطُ باطِلةً، وفي بُطلانِ الرَّهنِ قَولانِ: أحَدُهما: باطِلٌ، فعلى هذا في بُطلانِ البَيعِ قَولانِ، والآخَرُ: جائِزٌ، فعلى هذا البَيعُ أشَدُّ جَوازًا، والبائِعُ في البَيعِ مُخيَّرٌ بينَ إمضائِه وفَسخِه، وإنْ كانت هذه الشُّروطُ مَشروطةً في البَيعِ لَم يَخْلُ حالُ الشَّرطِ مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ: إمَّا أنْ تَكونَ أعيانًا، وإمَّا أنْ تَكونَ مَنافِعَ، فإنْ كانت أعيانًا -كالثِّمارِ والنِّتاجِ- كان الشَّرطُ باطِلًا والبَيعُ باطِلًا؛ لأنَّها تَصيرُ مِنْ جُملةِ الثَّمَنِ، وهي أعيانٌ مَجهولةٌ لَم تُخلَقْ، فلَم يَصحَّ أنْ تَكونَ مِنْ جُملةِ الثَّمَنِ، فبَطَلتْ وبطَل البَيعُ ببُطلانِها ولا رَهنَ، فإنْ كانتْ مَنافِعَ -كسُكنى الدارِ ورُكوبِ الدابَّةِ- كان كاشتِراطِه في عَقدِ البَيعِ الذي قد ارتَهَن فيه دارًا على أنْ يَسكُنَها سَنةً، أو ارتَهَن فيه دابَّةً على أنْ يَركَبَها سَنةً، فهذا عَقدٌ قد جَمَع بَيعًا وإجارةً بعِوَضٍ واحِدٍ لا يُعرَفُ منه حِصَّةُ البَيعِ مِنْ حِصَّةِ الإجارةِ، ولِلشافِعِّي في ذلك قَولانِ: أحَدُهما: أنَّ البَيعَ والإجارةَ جائِزانِ، فعلى هذا يَكونُ الشَّرطُ لَازِمًا والبَيعُ صَحيحًا والرَّهنُ جائِزًا، والقَولُ الآخَرُ: أنَّ البَيعَ والإجارةَ باطِلانِ؛ لأنَّ البَيعَ والإجارةَ مُختَلِفا الحُكمِ، فلَم يَصحَّ أنْ يَجتَمِعا في المَنفَعةِ،

فعلى هذا يَكونُ الشَّرطُ باطِلًا والبَيعُ فاسِدًا والرَّهنُ مَحلولًا (١).

وأمَّا الحَنابِلةُ فقال منهم ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: والشُّروطُ في الرَّهنِ تَنقَسِمُ إلى قِسمَيْنِ، هُما: صَحيحٌ وفاسِدٌ:

فالصَّحيحُ يَكونُ مِثلَ أنْ يَشترِطَ كَونَه على يَدِ عَدلٍ عَيَّنَه، أو عَدلَيْنِ أو أكثَرَ، أو أنْ يَبيعَه العَدلُ عندَ حُلولِ الحَقِّ، ولا نَعلَمُ في صِحَّةِ هذا خِلافًا، وإنْ شَرَط أنْ يَبيعَه المُرتَهَنُ صَحَّ …

والقِسمُ الآخَرُ: الشُّروطُ الفاسِدةُ: مِثلَ أنْ يَشترِطَ ما يُنافي مُقتَضى الرَّهنِ، نَحوَ: أنْ يَشترِطَ ألَّا يُباعَ الرَّهنُ عندَ حُلولِ الحَقِّ، أو ألَّا يَستوفيَ الدَّينَ مِنْ ثَمَنِه، أو ألَّا يُباعَ ما خِيفَ تَلَفُه، أو أنْ يُباعَ الرَّهنُ بأيِّ ثَمَنٍ كان، أو ألَّا يَبيعَه إلا بما يُرضيه، فهذه شُروطٌ فاسِدةٌ؛ لِمُنافاتِها مُقتَضى العَقدِ، فإنَّ المَقصودَ مع الوَفاءِ بهذه الشُّروطِ مَفقودٌ، وكذلك إنْ شَرَط الخيارَ لِلراهِنِ، أو ألَّا يَكونَ العَقدُ لَازِمًا في حَقِّه، أو شرَط تَوقيتَ الرَّهنِ، أو أنْ يَكونَ رَهنًا يَومًا، ويَومًا لا، أو كَونَ الرَّهنِ في يَدِ الراهِنِ، أو أنْ يَنتفِعَ به أو يَنتفِعَ به المُرتَهَنُ، أو كَونَه مَضمونًا على المُرتَهَنِ، أو العَدلِ، فهذه كلُّها فاسِدةٌ؛ لأنَّ منها ما يُنافي مُقتَضى العَقدِ، ومنها ما لا يَقتَضيه العَقدُ، ولا هو مِنْ مَصلَحَتِه.

وإنْ شَرَط شَيئًا منها في عَقدِ الرَّهنِ فقال القاضي: يَحتمِلُ أنْ يَفسُدَ الرَّهنُ بها بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ العاقِدَ إنَّما بَذَلَ مِلكَه بهذا الشَّرطِ، فإذا لَم يُسلِّمْ له لَم يَصحَّ العَقدُ؛ لِعَدَمِ الرِّضا به بدُونِه.

(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٢٤٣، ٢٤٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٢٧٧، ٢٧٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الرهن)
(باب اختلاف الراهن والمرتهن)

(باب اختلاف الراهن والمرتهن)

قال الشافعي رضي الله عنه: " ومعقول إذا أذن الله جل وعز بِالرَّهْنِ أَنَّهُ زِيَادَةٌ وَثِيقَةٌ لِصَاحِبِ الْحَقِّ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِالْحَقِّ بِعَيْنِهِ وَلَا جُزْءًا مِنْ عَدَدِهِ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَهَذِهِ جُمْلَةٌ تَحْتَاجُ إِلَى تَفْصِيلٍ وَشَرْحٍ.

أَمَّا قَوْلُهُ وَمَعْقُولٌ فَيَعْنِي أَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يُعْلَمْ كَوْنُهُ وَثِيقَةً بِنَصِّ كِتَابٍ وَلَا سُنَّةٍ، وَإِنَّمَا عُقِلَ اسْتِنْبَاطًا مِنْ إِبَاحَتِهِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَكُلِّ مَوْضِعٍ.

قَالَ الشَّافِعِيُّ: وَمَعْقُولٌ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ مَعْقُولَ الشَّرْعِ، لَا مَعْقُولَ الْبَدِيهَةِ وَالْعَقْلِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ إِذَا أَذِنَ اللَّهُ تَعَالَى بِالرَّهْنِ فَلْيُعْلَمْ أَنَّهُ مُبَاحٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ رَدًّا عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ فِي السَّفَرِ وَاجِبٌ؛ لِأَنَّهُ أَذِنَ بِهِ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَأَمَرَ بِهِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: إِنَّهُ زِيَادَةٌ وَثِيقَةٌ لِصَاحِبِ الْحَقِّ فَقَدْ قِيلَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ وَثِيقَةٌ، وَقَوْلُهُ زِيَادَةٌ صِلَةٌ فِي الْكَلَامِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ} النساء: ١١ وَكَقَوْلِهِ: {فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ} الأنفال: ١٢ وَقِيلَ: بَلْ هُوَ زِيَادَةٌ وَثِيقَةٌ حَقِيقَةٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ صِلَةً، وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ زِيَادَةٌ وَثِيقَةٌ عَلَى الذِّمَّةِ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرهن
فصل في حكم الرهن

أَيْضًا يَخْرُجُ الرَّهْنُ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الرَّهْنِ.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الرَّهْنِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا حُكْمُ الرَّهْنِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرَّهْنُ نَوْعَانِ: صَحِيحٌ، وَفَاسِدٌ.

(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَلَهُ أَحْكَامٌ بَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِ الْمَرْهُونِ وَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ هَلَاكِهِ.

(أَمَّا) الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِهِ فَعِنْدَنَا ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ مِلْكُ حَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، أَوْ مِلْكِ الْعَيْنِ فِي حَقِّ الْحَبْسِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَكَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِحَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَالْعِبَارَاتُ مُتَّفِقَةُ الْمَعَانِي فِي مُتَعَارَفِ الْفُقَهَاءِ.

(وَالثَّانِي) اخْتِصَاصُ الْمُرْتَهِنِ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ أَوْ اخْتِصَاصُهُ بِثَمَنِهِ، وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ أَصْلِيَّانِ لِلرَّهْنِ عِنْدَنَا.

(وَالثَّالِثُ) وُجُوبُ تَسْلِيمِ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الِافْتِكَاكِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمة الله عليه الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لِلرَّهْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ كَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ وَأَخَصَّ بِثَمَنِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الرهن
٧٩٠ - مسألة؛ قال: (وإن كانت جارية، فأولدها الراهن، خرجت أيضا من الرهن، وأخذ منه قيمتها، فت

ولا يَنْحَرِزُ ، فَمُنِعَ الوَطْءُ جُمْلَةً، كما حُرِّمَ الخَمْرُ لِلسُّكْرِ، وحُرِّمَ منه اليَسِيرُ الذى لا يُسْكِرُ، لِكَوْنِ السُّكْرِ يَخْتَلِفُ. وإن وَطِىءَ فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّها مِلْكُه، وإنما حَرُمَتْ عليه لِعَارِضٍ، كالمُحْرِمَةِ والصَّائِمَةِ، ولا مَهْرَ عليه؛ لأنَّ المُرْتَهِنَ لا حَقَّ له في مَنْفَعَتِها، ووَطْؤُها لا يُنْقِصُ قِيمَتَها، فأشْبَه ما لو اسْتَخْدَمَها. وإن تَلِفَ جُزْءٌ منها أو نَقَصَها، مثلُ أن افْتَضَّ البِكْرَ أو أفْضَاها، فعليه قِيمَةُ ما أتْلَفَ، فإن شَاءَ جَعَلَ رَهْنًا ، وإن شَاءَ جَعَلَهُ قَضَاءً من الحَقِّ، إن لم يكُنْ حَلَّ. فإنْ كان الحَقُّ قد حَلَّ، جَعَلَهُ قَضَاءً لا غيرُ؛ فإنَّه لا فَائِدَةَ في جَعْلِه رَهْنًا. ولا فَرْقَ بين الكَبِيرَةِ والصَّغِيرَةِ فيما ذَكَرْنَاهُ.

٧٩٠ - مسألة؛ قال: (وإنْ كَانت جَارِيَةً، فَأَوْلَدَهَا الرَّاهِنُ، خرَجَتْ أيْضًا مِنَ الرَّهْنِ، وَأَخذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا، فَتَكُونُ رَهْنًا)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 213 - 219

ارجع إلى أركان الرهن للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله