الإسلام > المعاملات المالية > أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما > الشرط الثالث: أن يكون المضمون معلوما
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 7 دقيقة قراءةالشَّرطُ الثالِثُ: أنْ يَكونَ المَضمونُ مَعلومًا:
ويَنبَني على هذا الشَّرطِ حُكمُ ضَمانِ المَجهولِ، هل يَصحُّ أو لا؟!
وضَمانُ المَجهولِ هو: أنْ يَقولَ: «أنا ضامِنٌ لكَ ما لكَ على فُلانٍ، أو ما يُقرُّ لكَ»، ونَحوَ هذا، وهو لا يَعرِفُ مَبلغَه.
اختَلفَ العُلماءُ في ضَمانِ المَجهولِ -مِثلَما اختَلفوا في ضَمانِ ما لَم يَجِبْ- على قولَيْن:
القَولُ الأولُ: يَصحُّ ضَمانُ المَجهولِ، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ (١) والمالِكيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣) والشافِعيِّ في القَديمِ (٤). واستدلُّوا على ذلك بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، ووَجهُ الدِّلالةِ مِنَ الآيةِ ما قاله ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أنَّ حِملَ البَعيرِ غَيرُ مَعلومٍ، وأنَّه يَختلِفُ باختِلافِ البَعيرِ (٥).
ولِعُمومِ قَولِ النَّبيِّ ﷺ: «الزَّعيمُ غارِمٌ» فإنَّه عامٌّ يَشملُ ضَمانَ المَعلومِ والمَجهولِ.
(١) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٧٣)، و «فتح القدير» (٦/ ٢٩٨)، و «اختلاف العراقيين بهامش الأم» (٣/ ٢٠٥)، و «مجمع الضمانات» (٥٨٦).
(٢) «بداية المجتهد» (٢/ ٤٠٩)، و «المعونة» للمالكية (٢/ ٨٨٨)، و «أحكام القرآن» (٣/ ١٠٨٥).
(٣) «المغني» (٦/ ٣١٤)، و «الإفصاح» (٢/ ٢٠٦).
(٤) «المجموع» (١٣/ ١٠٤)، و «متن أبي شجاع» (١/ ١٣٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٦٧)، و «اختلاف العلماء» (١/ ٤٤٤).
(٥) «المغني» (٦/ ٣١٥).
ولأنَّه التِزامُ حَقٍّ في الذِّمَّةِ مِنْ غَيرِ مُعاوَضةٍ، فصحَّ في المَجهولِ كالنَّذرِ والإقرارِ (١).
وقال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: وضَمانُ المَجهولِ جائِزٌ عندَ جُمهورِ العُلماءِ، كمالِكٍ، وأبي حَنيفةَ، وأحمدَ، ودلَّ عليه الكِتابُ: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] (٢).
وقال ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: والكَفالةُ بالمالِ عندَنا جائِزةٌ، وإنْ كان المالُ المَكفولُ به مَجهولَ المِقدارِ، وبه قال مالِكٌ وأحمدُ والشافِعيُّ في القَديمِ، وقال في الجَديدِ -هو وابنُ أبي لَيلى واللَّيثُ وابنُ المُنذِرِ-: لا تَجوزُ بالمَجهولِ؛ لأنَّه التِزامُ مالٍ مَجهولٍ فلا يَجوزُ، فلا بُدَّ مِنْ تَعيينِه؛ لِوُقوعِ المُماكَساتِ في مُبادلةِ المالِ، والكَفالةُ عَقدُ تَبرُّعٍ، كالنَّذرِ، لا يُقصَدُ به سِوى ثَوابِ اللهِ ﷾، أو رَفعُ الضِّيقِ عن الحَبيبِ، فلا يُبالي بما التَزمَ في ذلك، ويَدلُّ على ذلك إقدامُه بلا تَعيينِه لِلمِقدارِ حين قال: «ما كان عليه فعلَيَّ»، فكان مَبناها التَّوسُّعَ، فتُحُمِّلت فيها الجَهالةُ (٣).
القَولُ الثاني: لا يَصحُّ ضَمانُ المَجهولِ، وهو قَولُ الشافِعيِّ في الجَديدِ (٤).
(١) «المغني» (٦/ ٣١٥).
(٢) «الفتاوى» (٢٩/ ٤٥٩).
(٣) «فتح القدير» (٧/ ١٨١).
(٤) «المجموع» (١٣/ ١٠٤)، و «متن أبي شجاع» (١/ ١٣٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٦٧)، و «اختلاف العلماء» (١/ ٤٤٤).
قال الإمامُ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ ضَمانُ المَجهولِ؛ لأنَّه إثباتُ مالٍ في الذِّمَّةِ بعَقدٍ لِآدميٍّ، فلَم يَجُزْ مع الجَهالةِ، كالثَّمنِ في البَيعِ (١).
وقال الإمامُ تَقيُّ الدِّينِ أبو بَكرٍ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: واعلَمْ أنَّ الخِلافَ في صِحةِ ضَمانِ المَجهولِ جارٍ في صِحةِ البَراءةِ مِنَ المَجهولِ، والخِلافُ مَبنيٌّ على أنَّ البَراءةَ تَمليكٌ أو إسقاطٌ؛ فإنْ قُلنا: تَمليكٌ -وهو الصَّحيحُ- لا تَصحُّ البَراءةُ مِنَ المَجهولِ، وإنْ قُلنا: إسقاطٌ، صحَّ الإبراءُ مِنَ المَجهولِ، وتَظهَرُ ثَمرةُ الخِلافِ فيما لو اغتابَ شَخصٌ آخَرَ ثم قال له: «اغتَبتُك، فاجعَلْني في حِلٍّ»، ففعَل وهو لا يَدري ما اغتابَه به، فهل يُبرأُ؟ فيه وَجهانِ:
أحَدُهما: نَعَمْ؛ لأنَّه إسقاطٌ.
والآخَرُ: لا، لأنَّ المَقصودَ رِضاه، ولا يُمكِنُ الرِّضا بالمَجهولِ.
واعلَمْ أنَّا إذا لَم نُصحِّحْ ضَمانَ المَجهولِ -مِثلَ أنْ قال: «ضمِنتُ مما لكَ على فُلانٍ مِنْ دِرهَمٍ إلى عَشَرةٍ-، ففيه خِلافٌ، والصَّحيحُ الصِّحةُ؛ لِانتِفاءِ الغَررِ بذِكرِ القَدْرِ، فعلى هذا ماذا يَلزمُه؟ فيه أوْجُهٌ: الراجِحُ عندَ الرافِعيِّ عَشَرةٌ، والأصحُّ عندَ النَّوَويِّ تِسعةٌ، وقيلَ: يَلزمُه ثَمانيةٌ (٢).
(١) «المهذب» (١/ ٣٤٠)، و «تكملة المجموع» (١٣/ ١٤٨).
(٢) «كفاية الأخيار في حل غاية الاختصار» (١/ ٤٩٨).
ارجع إلى أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما للاطلاع على جميع المسائل.