الإسلام > المعاملات المالية > أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما > الشرط الثالث: معرفة المضمون عنه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةويَلزمُ الضَّمينَ ما ضمِن به، سواءٌ كان الميِّتُ غنيًّا أو فقيرًا، وإلى ذلك ذهَب الجُمهورُ (١).
الشَّرطُ الثالِثُ: مَعرفةُ المَضمونِ عنه: يَعني: هل يُشترطُ أن يَعرِفَ الضامِنُ المَضمونَ عنه أو لا؟
وقد اختَلفَ العُلماءُ في اشتِراطِ ذلك على ثلاثةِ أقوالٍ:
القَولُ الأولُ: أنَّه لا يُشترطُ مَعرِفةُ الضامِنِ لِلمَضمونِ عنه، وهو الأصحُّ عندَ الشافِعيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣).
واستدلُّوا على عَدمِ اشتِراطِ مَعرِفةِ الضامِنِ لِلمَضمونِ عنه بما يَلي:
١ - حَديثُ سَلَمةَ بنِ الأكوعِ رضي الله عنه الذي أخرَجه البُخاريُّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتيَ بجَنازةٍ لِيُصلِّيَ عليها، فقال: «هل عليه مِنْ دَينٍ؟» قالوا: لا، فصلَّى عليه، ثم أُتيَ بجَنازةٍ أُخرى، فقال: «هل عليه مِنْ دَينٍ؟»، قالوا: نَعَمْ. قال: «صلُّوا على صاحِبِكم»، قال أبو قَتادةَ: علَيَّ دَينُه يا رَسولَ اللهِ، فصلَّى عليه (٤).
وبحَديثِ عليِّ بنِ أبي طالِبٍ الذي تَقدَّم قَريبًا، وهو ضَعيفٌ جِدًّا كما مَرَّ.
قال الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: بعدَما ذكَر هذَيْن الحَديثَيْن: فإنَّهما -
(١) «نيل الأوطار» (٣/ ٣٣١).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ٢٤٠)، و «أسنى المطالب» (١٠/ ١١٣)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٢٠٠).
(٣) «المغني» (٦/ ٣١٤)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٧٦).
(٤) البخاري (٢٢٩٥).
يَعني أبا قَتادةَ وعلِيًّا- ضَمِنا لِمَنْ لَم يَعرِفاه عمَّن لَم يَعرِفاه، ولأنَّه تَبرُّعٌ بالتِزامِ مالٍ، فلَم يُعتبَرْ مَعرِفةُ مَنْ يَتبرَّعُ له به كالنَّذرِ (١).
٢ - القياسُ على رِضا المَضمونِ عنه؛ إذْ لا يُشترطُ رِضاه بالاتِّفاقِ، فكذلك مَعرِفتُه (٢).
القَولُ الثاني: يُشترطُ مَعرِفةُ الضامِنِ لِلمَضمونِ عنه، وهو قَولُ الكاسانيِّ مِنَ الحَنفيَّةِ (٣) ووَجهٌ لِلشافِعيَّةِ (٤) ولِلحنابِلةِ (٥).
قال القاضي أبو يَعْلَى رحمة الله عليه: لِيَعرِفَ ولِيَعلَمَ هل المَضمونُ عنه أهلٌ لِاصطِناعِ المَعروفِ إليه أو لا؟ ولِيَعرِفَ المَضمونَ له فيُؤدِّيَ إليه (٦).
القَولُ الثالِثُ: وهو مَذهبُ الحَنفيَّةِ: أنَّه يُشترطُ مَعرِفةُ المَضمونِ عنه في التَّعليقِ والإضافةِ (٧)، لا في التَّنجيزِ (٨).
(١) «المغني» (٦/ ٣١٤).
(٢) «مغني المحتاج» (٢/ ٢٠٠).
(٣) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٦٥).
(٤) «مغني المحتاج» (٣/ ١٦٤).
(٥) «المغني» (٦/ ٣١٤).
(٦) «المغني» (٦/ ٣١٤).
(٧) المُرادُ بالتَّعليقِ والإضافةِ ما يَقعُ في المُستقبلِ.
مثالُ المُعلّقِ: «إن غصَبك فلانٌ شيئًا فأنا كَفيلٌ»، وتُسمَّى هذه مُعلّقةٌ بالشَّرطِ.
ومثالُ الإضافةِ: ما ذاب - أي: ما ثبَت ذلك على النَّاسِ فَعَلَيَّ-.
أو إذا قال شخصٌ لآخرَ: «كفلتُ لك ما تَبيعُه للنَّاسِ بالدَّينِ» فإن الكَفالةَ لا تصحُّ؛ لِجهالةِ النَّاسِ الذينَ كفلَهم.
(٨) الكَفالةُ المُنجزةُ: وهي الواقعةُ في الحالِ، وهذه لا يُشترطُ فيها أن يكونَ المَضمونُ عنه مَعلومًا. ومثالُ ذلك: أن يقولَ له: «كفلتُ لك بما ثبَت لك على النَّاسِ»، فهذه صحيحةٌ، ويلزَمه أن يقومَ بما ثبَت له في الماضي على النَّاسِ الذين يُعنيهم المَكفولُ له صاحِب الدَّينٍ؛ لأنَّه بذلك يكونُ له الحقُّ في تَعيينِ مَنْ له عليه الدَّينِ.
يُنظر: «المجموع» (١٣/ ١٧٥)، و «الروض المربع» (٦/ ٤٣٣)، و «حاشية رد المحتار» (٥/ ٣٠٨)، و «المدونة» (٣/ ١٣٣).
استدلَّ الحَنفيَّةُ باشتِراطِ المَعرِفةِ في التَّعليقِ والإضافةِ فَقَطْ، دونَ التَّنجيزِ بأنَّ القياسَ يأبى -أصلًا- جَوازَ تَعليقِ الضَّمانِ وإضافَتِه؛ لأنَّه تَمليكٌ في حَقِّ الطالِبِ، وإنَّما جُوِّزَ استِحسانًا لِلتَّعامُلِ، والتَّعامُلُ إنَّما يَكونُ إذا كان المَكفولُ عنه مَعلومًا؛ فإذا كان مَجهولًا فلا يَبقى على القياسِ.
وأمَّا في «التَّنجيزِ»: فإنَّ الكَفالةَ في حَقِّ المَطلوبِ بمَنزِلةِ الطَّلاقِ والعِتاقِ، حيث صحَّ مِنْ غَيرِ قَبولِه وأمرِه، فلا تَمنعُ جَهالتُه جَوازَها، كما لا تَمنعُ جَهالةَ المُعتِقِ جَوازَ العِتقِ (١).
(١) «حاشية رد المحتار» (٥/ ٣٠٨، ٣٠٩)، و «فتح القدير» (٧/ ١٨٤).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب البيوع
الجملة الثانية في وقت ضمان المبيعات
جَوَازِهِ، وَفِيمَا يَجُوزُ مِنَ الْعُقُودِ وَالْمَبِيعَاتِ وَالْعُيُوبِ، وَلِمَنْ يَجُوزُ بِالشَّرْطِ، أَوْ مُطْلَقًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا قَدْ تَقَدَّمَتْ بِالْقُوَّةِ فِي قَوْلِنَا فَاعْلَمْهُ.
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِ ضَمَانِ الْمَبِيعَاتِ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَضمنُ فِيهِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَنَّى تَكُونُ خَسَارَتُهُ إِنْ هَلَكَ مِنْهُ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَهُ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَاتِ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
بَيْعٌ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ وَزْنٍ، أَوْ كَيْلٍ، وَعَدَدٍ.
وَبَيْعٌ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَهُوَ الْجُزَافُ، أَوْ مَا لَا يُوزَنُ، وَلَا يُكَالُ، وَلَا يُعَدُّ. فَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَلَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ. وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَهُوَ حَاضِرٌ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ.
وَأَمَّا الْمَبِيعُ: فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ:
أَشْهَرُهَا: أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِنَ الْمُبْتَاعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْبَائِعِ.
وَالثَّالِثَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَأْمُونِ الْبَقَاءِ إِلَى وَقْتِ الِاقْتِضَاءِ كَالْحَيَوَانِ وَالْمَأْكُولَاتِ، وَبَيْنَ مَا هُوَ مَضْمُونُ الْبَقَاءِ.
ارجع إلى أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما للاطلاع على جميع المسائل.