المسألة الأولى: الضمان باللفظ

الإسلام > المعاملات المالية > أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما > المسألة الأولى: الضمان باللفظ

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

المسألة الأولى: الضمان باللفظ - الأقوال والأدلة

المَسألةُ الأُولى: الضَّمانُ باللَّفظِ

اشتَرطَ الفُقهاءُ في لَفظِ الضَّمانِ مِنْ صِيغةٍ تَدلُّ على التِزامِ الكَفيلِ، إمَّا صَراحةً وإمَّا كِنايةً؛ لأنَّ الرِّضا لا يُعرفُ إلا بذلك (١).

والصِّيغةُ الصَّريحةُ في الضَّمانِ، مِثلَ: «أنا كَفيلٌ»، أو «أنا ضامِنٌ»، أو «أنا زَعيمٌ»، أو «أنا حَميلٌ»، أو «أنا قَبيلٌ»، أو «تَكفَّلتُ ببَدنِ فُلانٍ» (٢)، و «أنا ضامِنٌ لكَ دَينَك على فُلانٍ».

قال الإمامُ الكاسانيُّ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: أمَّا لَفظُ الكَفالةِ والضَّمانِ فصَريحانِ، وكذلك الزَّعامةُ بمَعنى الكَفالةِ، والغَرامةُ بمَعنى الضَّمانِ، قال النَّبيُّ : «الزَّعيمُ غارِمٌ» أي: الكَفيلُ ضامِنٌ، وكذلك القُبالةُ بمَعنى الكَفالةِ أيضًا، يُقالُ: «قَبِلتُ به أقبَلُ قُبالةً»، و «تَقبَّلتُ به»، أي كَفلتُ، قال اللهُ : ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا﴾ [الإسراء: ٩٢]، أي: كَفيلًا يَكفُلونَه بما يَقولُ، والحَميلُ بمَعنى المَحمولِ، فَعيلٌ بمَعنى المَفعولِ، كالقَتيلِ بمَعنى المَقتولِ، وهو يُنبئُ عن تَحمُّلِ الضَّمانِ (٣).

(١) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٣/ ٢٧٣)، و «روضة الطالبين» (٤/ ٢٦٠)، و «حاشية الجمل» (٣/ ٣٨٦)، و «الإنصاف» (٨/ ٣٦٦).
(٢) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٥٦).
(٣) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٥٦).

وهناك كَلِماتٌ اختُلِف حَولَ دِلالتِها، مِثلَ: «لكَ علَيَّ»، أو «لكَ إلَيَّ»، أو «لكَ قِبَلي»، أو «لكَ عِندي».

فالذين قالوا بأنَّها كِنايةٌ، قالوا: يُشترَطُ فيها وُجودُ نيَّةٍ أو قَرينةٍ تَدلُّ على الالتِزامِ (١)، وذهَب آخَرونَ إلى أنَّها صَريحةٌ.

قال الإمامُ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: قَولُه: «علَيَّ» كَلمةُ إيجابٍ، وكذا قَولُه: «إلَيَّ»، قال رَسولُ اللهِ : «مَنْ ترَك مالًا فلِوَرَثتِه، ومَن ترَك دَينًا فإلَيَّ وعلَيَّ» (٢)، وقَولُه: «قِبَلِي»، يُنبئُ عن القُبالةِ، وهي الكَفالةُ، وقَولُه: «عِندي»، وإنْ كانت مُطلَقةً لِلوَديعةِ، لكنَّه بقَرينةِ الدَّينِ يَكونُ كَفالةً؛ لأنَّ قَولَه: «عِندي»، يَحتمِلُ اليَدَ، ويَحتمِلُ الذِّمَّةَ؛ لأنَّها كَلِمةُ قُربٍ وحَضرةٍ، وذلك يُوجَدُ فيها جَميعًا، فعندَ الإطلاقِ يُحمَلُ على اليَدِ؛ لأنَّه أدنى، وعندَ قَرينةِ الدَّينِ يُحمَلُ على الذِّمَّةِ، أي: «في ذِمَّتي»؛ لأنَّ الدَّينَ لا يَحتمِلُه إلا الذِّمَّةُ (٣).

وأمَّا أيُّ لَفظٍ آخَرَ لا يَدلُّ على الالتِزامِ حَقيقةً أو عُرفًا، فلا تَصِحُّ الكَفالةُ به، كأنْ يَقولَ: «أنا أُؤدِّي ما عليه»، أو أُحضِرُ الشَّخصَ»، وخَلا عن قَرينةٍ، فليس بضَمانٍ، وإنَّما هو مِنْ صِيَغِ الوَعدِ وألفاظِه، ولا تُعدُّ دالَّةً على الالتِزامِ عندَ الشافِعيَّةِ (٤) والحَنابِلةِ (٥).

(١) «حاشية الجمل» (٣/ ٣٨٦).
(٢) أخرجه مسلم (٢/ ٥٩١) حديث رقم (٨٦٧) في باب: تخفيف الصلاة والخطبة.
(٣) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٥٦).
(٤) «روضة الطالبين» (٤/ ٢٦٠)، و «حاشية الجمل» (٣/ ٣٨٦).
(٥) «كشاف القناع» (٣/ ٣٦٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٢/ ٢٤٦)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٢٩٥).

وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: قياسُ المَذهبِ يَصحُّ بكلِّ لَفظٍ يُفهَمُ منه الضَّمانُ عُرفًا، مِثلَ قَولِه: «زَوِّجْه وأنا أُؤدِّي الصَّداقَ»، أو «بِعْه وأنا أُعطيكَ الثَّمنَ»، أو «اترُكْه ولا تُطالِبْه وأنا أُعطيكَ» ونَحوَ ذلك (١).

(١) «الاختيارات العلمية» (١٩٥)، و «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٤٧٧)، ويُنظر: «الإنصاف» (٨/ ٣٦٦)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٢٩٥)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٩٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الضمان)
(مسألة)

(كِتَابُ الضَّمَانِ)

تَحَرَّيْتُ فِيهِ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَقِيَاسَ قوله: -

(مسألة)

قال المزني: " قال الله جل ثناؤه {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف: ٧٢ وَقَالَ عز وجل {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} القلم: ٤٠ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ " وَالزَّعِيمُ فِي اللُّغَةِ هو الكفيل وروي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وُضِعَتْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " هل على صاحبكم من دين "؟ فقالوا نَعَمْ دِرْهَمَانِ قَالَ " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ " فَقَالَ علي رضوان الله عليه هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا لَهُمَا ضَامِنٌ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فصلى عليه ثم أقبل على علي رضي الله عنه فَقَالَ " جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا وَفَكَّ رهانك كما فككت رهان أخيك " (قال المزني) قلت أنا وفي ذلك دليل أن الدين الذي كان على الميت لزم غيره بأن ضمنه وروى الشافعي في قسم الصدقات أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال " لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة " ذكر منها رجلا تحمل بحمالة فحلت الصدقة (قلت أنا) فكانت الصدقة محرمة قبل الحمالة فلما تحمل لزمه الغرم بالحمالة فخرج من معناه الأول إلى أن حلت له الصدقة " .

قال الماوردي: أما الضمان فهو أخذ الوثاق فِي الْأَمْوَالِ، لِأَنَّ الْوَثَائِقَ ثَلَاثَةٌ: الشَّهَادَةُ وَالرَّهْنُ وَالضَّمَانُ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحوالة والضمان
باب الضمان

بابُ الضَّمانِ

٨٢٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ ضُمِنَ عَنْهُ حَقٌّ بَعْدَ وُجُوبِهِ، أوْ قَالَ: مَا أَعْطَيْتَهُ فهُوَ عَلَىَّ. فَقَدْ لَزِمَهُ مَا صَحَّ أنَّه أَعْطَاهُ)

الضَّمَانُ: ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إلى ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه في الْتِزَامِ الحَقِّ. فيَثْبُتُ في ذِمَّتِهِمَا جَمِيعًا، ولِصَاحِبِ الحَقِّ مُطالَبَةُ من شاءَ منهما، واشْتِقَاقُه من الضّمِّ. وقال القاضي: هو مُشْتَقٌّ من التَّضْمِينِ ؛ لأنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الحَقَّ. والأصْلُ في جَوَازِه، الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ، أمَّا الكِتابُ فقولُ اللَّه تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} . وقال ابنُ عَبَّاسٍ: الزَّعِيمُ الكَفِيلُ. وأمَّا السُّنَّةُ فما رُوِىَ عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنَّه قال: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرمِذِىُّ . وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ، ورَوى البُخَارِىُّ ، عن سَلَمَةَ ابن الأَكْوَعِ، أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُتِىَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّىَ عليه، فقال: هل عليه دَيْنٌ؟ قالوا: نعم، دِينَارَانِ. قال: هل تَرَكَ لهما وَفَاءً؟

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب البيوع
الجملة الثانية في وقت ضمان المبيعات

جَوَازِهِ، وَفِيمَا يَجُوزُ مِنَ الْعُقُودِ وَالْمَبِيعَاتِ وَالْعُيُوبِ، وَلِمَنْ يَجُوزُ بِالشَّرْطِ، أَوْ مُطْلَقًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا قَدْ تَقَدَّمَتْ بِالْقُوَّةِ فِي قَوْلِنَا فَاعْلَمْهُ.

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِ ضَمَانِ الْمَبِيعَاتِ

وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَضمنُ فِيهِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَنَّى تَكُونُ خَسَارَتُهُ إِنْ هَلَكَ مِنْهُ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ.

وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَهُ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَاتِ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:

بَيْعٌ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ وَزْنٍ، أَوْ كَيْلٍ، وَعَدَدٍ.

وَبَيْعٌ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَهُوَ الْجُزَافُ، أَوْ مَا لَا يُوزَنُ، وَلَا يُكَالُ، وَلَا يُعَدُّ. فَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَلَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ. وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَهُوَ حَاضِرٌ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ.

وَأَمَّا الْمَبِيعُ: فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ:

أَشْهَرُهَا: أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ.

وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِنَ الْمُبْتَاعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْبَائِعِ.

وَالثَّالِثَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَأْمُونِ الْبَقَاءِ إِلَى وَقْتِ الِاقْتِضَاءِ كَالْحَيَوَانِ وَالْمَأْكُولَاتِ، وَبَيْنَ مَا هُوَ مَضْمُونُ الْبَقَاءِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 171 - 173

ارجع إلى أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله