الإسلام > المعاملات المالية > أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما > المسألة الأولى: ضمان الجعل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةالمَسألةُ الأُولى: ضَمانُ الجُعلِ
الجُعلُ: هو الإجارةُ على مَنفعةٍ مَظنونٍ حُصولُها، مِثلَ: مُشارَطةِ الطَّبيبِ على الإبراءِ، والناشِدِ على وُجودِ العَبدِ الآبِقِ، كأنْ يَقولَ: «مَنْ رَدَّ ضالَّتي فلَه دينارٌ» (١).
وابتِداءً نَقولُ: إنَّ ضَمانَ الجُعلِ في الجَعالةِ بعدَ الانتِهاءِ مِنَ العَملِ يَصحُّ بلا خِلافٍ؛ لِلزُومِه، وإنَّما الخِلافُ في ضَمانِ الجُعلِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ أو في أثناءِ العَملِ قبلَ تَمامِه.
وقد اختَلفَ العُلماءُ في ذلك على قولَيْن:
القَولُ الأولُ: يَصحُّ ضَمانُ مالِ الجُعلِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ، وهو قَولُ المالِكيَّةِ (٢) والحَنابِلةِ (٣) وقَولٌ لِلشافِعيَّةِ (٤). واستدلُّوا بصِحةِ ضَمانِ الجُعلِ
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٢٦).
وقيل هي التِزامُ عِوَضٍ مَعلومٍ على عملٍ مَعلومٍ، أو مجهولٍ بمُعينٍ. «نهاية المحتاج» (٥/ ٤٦٥).
(٢) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (٣/ ٥١٥)، وجاء في «المدونة» في باب الجعل (٤/ ٤٦٧) قال: أَرأيتَ إن قلتُ لرجلٍ: «بعْ لي هذا الثَّوبَ ولكَ دِرهمٌ»، فقال: لا بأسَ بذلك عندَ مالكٍ. ويُنظر: «التاج والإكليل» (٥/ ٩٩)، و «منح الجليل» (٦/ ٢٠٦)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٤٠٩).
(٣) «المغني» لابن قُدامةَ (٦/ ٣١٦)، و «المبدع» (٤/ ٢٥٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٧١).
(٤) «روضة الطالبين» (٤/ ٢٥٠)، و «المجموع» (١٣/ ١٨٣)، و «المهذب» (١/ ٣٤٠).
قبلَ الشُّروعِ في العَملِ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، ووَجهُ الدِّلالةِ مِنَ الآيةِ أنَّ المُناديَ ضمِن حِملَ البَعيرِ للذي يأتي بالصُّواعِ، وهو لَم يأتِ به بَعدُ، ولَم يَكُنْ عَمِل العَملَ، ولأنَّ الحِكمةَ تَقتَضي ذلك، والحاجةُ داعيةٌ إليه، فإنَّه قد لا يُوجدُ مَنْ يَتبرَّعُ بالعَملِ، فكانتِ الحاجةُ داعيةً إليه.
وقال الإمامُ القُرطبيُّ رحمة الله عليه: وقال بَعضُ العُلماءِ: في هذه الآيةِ دَليلٌ على جَوازِ الجُعلِ، وقد أُجيزَ لِلضَّرورةِ، فإنَّه يَجوزُ فيه مِنَ الجَهالةِ ما لا يَجوزُ في غَيرِه، فإذا قال الرَّجلُ: مَنْ فعَل كذا فله كذا، صحَّ (١).
وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: بعدَما ساقَ الآيةَ قال: ولأنَّ الجُعلَ يَؤولُ إلى اللُّزومِ إذا عَمِل العَملَ … ، ولأنَّ الضَّمانَ لِلمالِ دونَ العَملِ (٢).
القَولُ الثاني: لا يَصحُّ ضَمانُ الجُعلِ قبلَ الشُّروعِ في العَملِ، وهو قَولٌ لِلشافِعيَّةِ (٣).
قال الإمامُ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه في «المُهذَّبِ»: ولا يَصحُّ ضَمانُ الجُعلِ في الجَعالةِ؛ لأنَّه دَينٌ غَيرُ لَازمٍ، فلَم يَصحَّ ضَمانُه كدَينِ الكِتابةِ (٤).
(١) «تفسير القرطبي» (٥/ ٢٠٩).
(٢) «المغني» (٦/ ٣١٦)، ويُنظر: «مطالب أولى النهى» (٩/ ٧٧)، و «المجموع» (١٣/ ١٨٣)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٤٠٩).
(٣) «روضة الطالبين» (٤/ ٢٥٠)، و «المجموع» (١٣/ ١٨٢)، و «المهذب» (١/ ٣٤٠).
(٤) «المهذب» (١/ ٣٤٠)، و «المجموع شرح المهذب» (١٣/ ١٨٢).
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحوالة والضمان
باب الضمان
بابُ الضَّمانِ
٨٢٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ ضُمِنَ عَنْهُ حَقٌّ بَعْدَ وُجُوبِهِ، أوْ قَالَ: مَا أَعْطَيْتَهُ فهُوَ عَلَىَّ. فَقَدْ لَزِمَهُ مَا صَحَّ أنَّه أَعْطَاهُ)
الضَّمَانُ: ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إلى ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه في الْتِزَامِ الحَقِّ. فيَثْبُتُ في ذِمَّتِهِمَا جَمِيعًا، ولِصَاحِبِ الحَقِّ مُطالَبَةُ من شاءَ منهما، واشْتِقَاقُه من الضّمِّ. وقال القاضي: هو مُشْتَقٌّ من التَّضْمِينِ ؛ لأنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الحَقَّ. والأصْلُ في جَوَازِه، الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ، أمَّا الكِتابُ فقولُ اللَّه تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} . وقال ابنُ عَبَّاسٍ: الزَّعِيمُ الكَفِيلُ. وأمَّا السُّنَّةُ فما رُوِىَ عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنَّه قال: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرمِذِىُّ . وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ، ورَوى البُخَارِىُّ ، عن سَلَمَةَ ابن الأَكْوَعِ، أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُتِىَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّىَ عليه، فقال: هل عليه دَيْنٌ؟ قالوا: نعم، دِينَارَانِ. قال: هل تَرَكَ لهما وَفَاءً؟
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الضمان)
(مسألة)
(كِتَابُ الضَّمَانِ)
تَحَرَّيْتُ فِيهِ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَقِيَاسَ قوله: -
(مسألة)
قال المزني: " قال الله جل ثناؤه {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف: ٧٢ وَقَالَ عز وجل {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} القلم: ٤٠ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ " وَالزَّعِيمُ فِي اللُّغَةِ هو الكفيل وروي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وُضِعَتْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " هل على صاحبكم من دين "؟ فقالوا نَعَمْ دِرْهَمَانِ قَالَ " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ " فَقَالَ علي رضوان الله عليه هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا لَهُمَا ضَامِنٌ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فصلى عليه ثم أقبل على علي رضي الله عنه فَقَالَ " جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا وَفَكَّ رهانك كما فككت رهان أخيك " (قال المزني) قلت أنا وفي ذلك دليل أن الدين الذي كان على الميت لزم غيره بأن ضمنه وروى الشافعي في قسم الصدقات أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال " لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة " ذكر منها رجلا تحمل بحمالة فحلت الصدقة (قلت أنا) فكانت الصدقة محرمة قبل الحمالة فلما تحمل لزمه الغرم بالحمالة فخرج من معناه الأول إلى أن حلت له الصدقة " .
قال الماوردي: أما الضمان فهو أخذ الوثاق فِي الْأَمْوَالِ، لِأَنَّ الْوَثَائِقَ ثَلَاثَةٌ: الشَّهَادَةُ وَالرَّهْنُ وَالضَّمَانُ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب البيوع
الجملة الثانية في وقت ضمان المبيعات
جَوَازِهِ، وَفِيمَا يَجُوزُ مِنَ الْعُقُودِ وَالْمَبِيعَاتِ وَالْعُيُوبِ، وَلِمَنْ يَجُوزُ بِالشَّرْطِ، أَوْ مُطْلَقًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا قَدْ تَقَدَّمَتْ بِالْقُوَّةِ فِي قَوْلِنَا فَاعْلَمْهُ.
الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِ ضَمَانِ الْمَبِيعَاتِ
وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَضمنُ فِيهِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَنَّى تَكُونُ خَسَارَتُهُ إِنْ هَلَكَ مِنْهُ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ.
وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَهُ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَاتِ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:
بَيْعٌ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ وَزْنٍ، أَوْ كَيْلٍ، وَعَدَدٍ.
وَبَيْعٌ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَهُوَ الْجُزَافُ، أَوْ مَا لَا يُوزَنُ، وَلَا يُكَالُ، وَلَا يُعَدُّ. فَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَلَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ. وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَهُوَ حَاضِرٌ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ.
وَأَمَّا الْمَبِيعُ: فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ:
أَشْهَرُهَا: أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ.
وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِنَ الْمُبْتَاعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْبَائِعِ.
وَالثَّالِثَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَأْمُونِ الْبَقَاءِ إِلَى وَقْتِ الِاقْتِضَاءِ كَالْحَيَوَانِ وَالْمَأْكُولَاتِ، وَبَيْنَ مَا هُوَ مَضْمُونُ الْبَقَاءِ.
ارجع إلى أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما للاطلاع على جميع المسائل.