المسألة الأولى: ضمان ما لم يجب

الإسلام > المعاملات المالية > أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما > المسألة الأولى: ضمان ما لم يجب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

المسألة الأولى: ضمان ما لم يجب - الأقوال والأدلة

المَسألةُ الأُولى: ضَمانُ ما لَم يَجِبْ (١)

المَقصودُ بما لَم يَجِبْ: أي: الذي سيَجِبُ مُستقبَلًا، كنَفقةِ الغَدِ، أو ثَمنِ ما سيَبيعُه أو سيُقرضُه (٢)، مِثلَ: «ما أعطيتَ فُلانًا فهو علَيَّ».

وقد اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ ضَمانِ ما لَم يَجِبْ على قولَيْن:

القَولُ الأولُ: يَصحُّ ضَمانُ ما لَم يَجِبْ، وهو قَولُ جُمهورِ العُلماءِ الحَنفيَّةِ (٣) والمالِكيَّةِ (٤) والحَنابِلةِ (٥) وهو قَولُ الشافِعيِّ في القَديمِ (٦).

القَولُ الثاني: لا يَصحُّ، وهو قَولُ الشافِعيِّ في الجَديدِ (٧)؛ لأنَّه وَثيقةٌ بحَقٍّ، فلا يُسبَقُ الحَقُّ، كالشَّهادةِ (٨).

(١) ويسمى أيضًا ضمان السوق كما سيأتي.
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ١٦٥).
(٣) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٧٣)، و «فتح القدير» (١٦/ ١٦٧).
(٤) «المدونة» (٥/ ٢٦٢)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٤٠٩).
(٥) «المغني» (٦/ ٣٢٥)، و «الروض المربع» (٦/ ٤٣٥).
(٦) «روضة الطالبين» (٤/ ٢٤٤).
(٧) «روضة الطالبين» (٤/ ٢٤٤).
(٨) «المهذب» (١/ ٣٤١)، و «تكملة المجموع شرح المهذب» (١٣/ ١٨٤)، ويُنظر: «بداية المجتهد» (٢/ ٤٠٩).

قال الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: وإنَّما يَلزمُ الضَّمانُ بما عرَفه الضامِنُ، فأمَّا ما لَم يَعرِفْه فهو مِنَ المُخاطَرةِ (١).

قال شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: وضَمانُ ما لَم يَجِبْ جائِزٌ عندَ جُمهورِ العُلماءِ، كمالِكٍ وأبي حَنيفةَ وأحمدَ بنِ حَنبلٍ، وقد دلَّ عليه الكِتابُ، كقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] (٢).

ووَجْهُ الدِّلالةِ مِنَ الآيةِ: أنَّ المُنادي ضمِن حِملَ البَعيرِ لِمَنْ يأتي بالصُّواعِ، وهو ضَمانُ ما لَم يَجِبْ؛ لأنَّ الصُّواعَ لَم يأتِ بعدُ، وهذا -وإن كان في شَريعةِ مَنْ قبلَنا- شَرعٌ لنا ما لَم يأتِ دَليلٌ يَرُدُّه مِنْ شَرعِنا ويَنسخُه، كما هو مُقرَّرٌ في عِلمِ أُصولِ الفِقهِ، ومع هذا جاءَ في شَرعِنا ما يَدلُّ عليه، وهو قَولُ النَّبيِّ : «العاريَّةُ مُؤدَّاةٌ، والمِنحةُ مَردودةٌ، والدَّينُ مَقضيٌّ، والزَّعيمُ غارِمٌ» (٣)، والشاهِدُ هو: قَولُه : «والزَّعيمُ غارِمٌ»، ووَجهُ الدِّلالةِ منه أنَّه عامٌّ يَشملُ كلَّ ضامِنٍ، سَواءٌ ضمِن ما وجَب أو ما لَم يَجِبْ.

قال ابنُ القيِّم رحمة الله عليه: ويَصحُّ ضَمانُ ما لَم يَجِبْ، كما دلَّ عليه القُرآنُ … ، والمَصلَحةُ تَقتَضي ذلك، بل قد تدعو إليه الحاجةُ أو الضَّرورةُ (٤).

(١) «الأم» (٣/ ٢٠٤).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٥٤٩).
(٣) تقدم تخريجه.
(٤) «إِعلام الموقعين عن رب العالمين» (٣/ ٣٨٤).

ولِهذا قال الحَنابِلةُ في تَعريفِ الضَّمانِ: هو التِزامُ ما وجَب أو يجِب على غَيرِه مع بَقائِه عليه، أو هو ضَمُّ الإنسانِ ذِمَّتَه إلى ذِمَّةِ غَيرِه فيما يَلزمُه حالًا ومآلًا (١).

وضَمانُ ما لَم يَجِبْ يُسمَّى أيضًا ضَمانَ السُّوقِ، وهو: أنْ يَضمنَ ما يَلزمُ التاجِرَ، أو ما يَبقى عليه لِلتُّجارِ، أو ما يُقبَضُ مِنَ الأعيانِ المَضمونةِ.

وقد سُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه عمَّن يَكتُبُ ضَمانَ الأسواقِ وغَيرَها مِنَ الكِتابةِ التي لا تَجوزُ في الشَّرعِ، هل على الكاتِبِ إثْمٌ؟ فإنَّه يَكتُبُ ويَشهدُ على مَنْ حضَر بما يَرضى؛ فإنْ كان لا يَجوزُ؛ فإنَّ الكُتَّابَ لا يَخلون مِنْ ذلك، فهل يأثَمونَ بذلك أو لا؟

فأجابَ رحمة الله عليه: ضَمانُ السُّوقِ -وهو أنْ يَضمنَ الضامِنُ ما يَجِبُ على التاجِرِ مِنَ الدُّيونِ وما يَقبِضُه مِنَ الأعيانِ المَضمونةِ- ضَمانٌ صَحيحٌ، وهو ضَمانُ ما لَم يَجِبْ، وضَمانُ المَجهولِ، وذلك جائِزٌ عندَ جُمهورِ العُلماءِ، كمالِكٍ، وأبي حَنيفةَ، وأحمدَ بنِ حَنبلٍ.

وقد دلَّ عليه الكِتابُ، كقَولِ اللهِ : ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢]، والشافِعيُّ يُبطِلُه، فيَجوزُ لِلكاتِبِ والشاهِدِ أنْ يَكتُبَه ويَشهدَ عليه، ولو لَم يَرَ جَوازَه؛ لأنَّه مِنْ مَسائِلِ الاجتِهادِ، وَوَليُّ الأمْرِ يَحكمُ بما يَراه مِنَ القولَيْن (٢).

(١) «فقه النوازل» (١/ ٢٠٧)، و «الروض المربع» (٢/ ١٨٠)، و «مطالب أولى النُّهى» (٣/ ٢٩٢).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢٩/ ٥٤٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحوالة والضمان
باب الضمان

بابُ الضَّمانِ

٨٢٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ ضُمِنَ عَنْهُ حَقٌّ بَعْدَ وُجُوبِهِ، أوْ قَالَ: مَا أَعْطَيْتَهُ فهُوَ عَلَىَّ. فَقَدْ لَزِمَهُ مَا صَحَّ أنَّه أَعْطَاهُ)

الضَّمَانُ: ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إلى ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه في الْتِزَامِ الحَقِّ. فيَثْبُتُ في ذِمَّتِهِمَا جَمِيعًا، ولِصَاحِبِ الحَقِّ مُطالَبَةُ من شاءَ منهما، واشْتِقَاقُه من الضّمِّ. وقال القاضي: هو مُشْتَقٌّ من التَّضْمِينِ ؛ لأنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الحَقَّ. والأصْلُ في جَوَازِه، الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ، أمَّا الكِتابُ فقولُ اللَّه تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} . وقال ابنُ عَبَّاسٍ: الزَّعِيمُ الكَفِيلُ. وأمَّا السُّنَّةُ فما رُوِىَ عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنَّه قال: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرمِذِىُّ . وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ، ورَوى البُخَارِىُّ ، عن سَلَمَةَ ابن الأَكْوَعِ، أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُتِىَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّىَ عليه، فقال: هل عليه دَيْنٌ؟ قالوا: نعم، دِينَارَانِ. قال: هل تَرَكَ لهما وَفَاءً؟

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الضمان)
(مسألة)

(كِتَابُ الضَّمَانِ)

تَحَرَّيْتُ فِيهِ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَقِيَاسَ قوله: -

(مسألة)

قال المزني: " قال الله جل ثناؤه {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف: ٧٢ وَقَالَ عز وجل {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} القلم: ٤٠ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ " وَالزَّعِيمُ فِي اللُّغَةِ هو الكفيل وروي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وُضِعَتْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " هل على صاحبكم من دين "؟ فقالوا نَعَمْ دِرْهَمَانِ قَالَ " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ " فَقَالَ علي رضوان الله عليه هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا لَهُمَا ضَامِنٌ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فصلى عليه ثم أقبل على علي رضي الله عنه فَقَالَ " جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا وَفَكَّ رهانك كما فككت رهان أخيك " (قال المزني) قلت أنا وفي ذلك دليل أن الدين الذي كان على الميت لزم غيره بأن ضمنه وروى الشافعي في قسم الصدقات أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال " لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة " ذكر منها رجلا تحمل بحمالة فحلت الصدقة (قلت أنا) فكانت الصدقة محرمة قبل الحمالة فلما تحمل لزمه الغرم بالحمالة فخرج من معناه الأول إلى أن حلت له الصدقة " .

قال الماوردي: أما الضمان فهو أخذ الوثاق فِي الْأَمْوَالِ، لِأَنَّ الْوَثَائِقَ ثَلَاثَةٌ: الشَّهَادَةُ وَالرَّهْنُ وَالضَّمَانُ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب البيوع
الجملة الثانية في وقت ضمان المبيعات

جَوَازِهِ، وَفِيمَا يَجُوزُ مِنَ الْعُقُودِ وَالْمَبِيعَاتِ وَالْعُيُوبِ، وَلِمَنْ يَجُوزُ بِالشَّرْطِ، أَوْ مُطْلَقًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا قَدْ تَقَدَّمَتْ بِالْقُوَّةِ فِي قَوْلِنَا فَاعْلَمْهُ.

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِ ضَمَانِ الْمَبِيعَاتِ

وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَضمنُ فِيهِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَنَّى تَكُونُ خَسَارَتُهُ إِنْ هَلَكَ مِنْهُ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ.

وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَهُ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَاتِ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:

بَيْعٌ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ وَزْنٍ، أَوْ كَيْلٍ، وَعَدَدٍ.

وَبَيْعٌ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَهُوَ الْجُزَافُ، أَوْ مَا لَا يُوزَنُ، وَلَا يُكَالُ، وَلَا يُعَدُّ. فَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَلَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ. وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَهُوَ حَاضِرٌ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ.

وَأَمَّا الْمَبِيعُ: فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ:

أَشْهَرُهَا: أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ.

وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِنَ الْمُبْتَاعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْبَائِعِ.

وَالثَّالِثَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَأْمُونِ الْبَقَاءِ إِلَى وَقْتِ الِاقْتِضَاءِ كَالْحَيَوَانِ وَالْمَأْكُولَاتِ، وَبَيْنَ مَا هُوَ مَضْمُونُ الْبَقَاءِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 133 - 135

ارجع إلى أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله