المسألة الرابعة: ضمان الأمانات

الإسلام > المعاملات المالية > أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما > المسألة الرابعة: ضمان الأمانات

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 17 دقيقة قراءة

المسألة الرابعة: ضمان الأمانات - الأقوال والأدلة

المَسألةُ الرابِعةُ: ضَمانُ الأماناتِ

الأماناتُ هي الأعيانُ غَيرُ المَضمونةِ على مَنْ هي في يَدِه، إلا إذا تَعدَّى أو فَرَّط، مِثلَ الوَديعةِ والعَينِ المُستأجرةِ ومالِ الشَّرِكاتِ ومالِ المُضاربةِ. يَعني: هل تُضمَنُ هذه الأشياءُ على مَنْ هي في يَدِه أو لا؟

وقد اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ ضَمانِ الأماناتِ على ثلاثةِ أقوالٍ:

القَولُ الأولُ: إنْ ضمِنها مِنْ غَيرِ تعَدٍّ فيها لَم يَصحَّ ضَمانُها، وإنْ ضمِنها مع تعَدٍّ فيها صحَّ ضَمانُها، وهو قَولُ المالِكيَّةِ (١) والشافِعيَّةِ (٢)، والمَذهبُ عندَ الحَنابِلةِ (٣) وقوَلٌ لِلحَنفيَّةِ (٤). واستَدلُّوا على ذلك بأنَّه إنْ ضمِنها مِنْ غَيرِ تعَدٍّ فيها لَم يَصحَّ ضَمانُها؛ لِأنَّها غَيرُ مَضمونةٍ على مَنْ هي في يَدِه، فكذلك على ضامِنِه، والدَّليلُ على أنَّه إنْ ضمِنها مع تعدٍّ فيها صحَّ ضَمانُها،

(١) «حاشية الدسوقي» (٣/ ٥١٤).
(٢) «روضة الطالبين» (٤/ ٤٨٨).
(٣) «المغني» (٦/ ٣١٨)، و «الإنصاف» (٥/ ٢٠٠)، و «الروض المربع» (٦/ ٤٣٨)، و «الكافي» (٥/ ٢٠٠)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٧٠).
(٤) جاء في «مجمع الضمانات» (٥٨٨) ما نصُّه: رجلٌ قال للمُودعِ: «إن أتلَف المُودعُ وديعَتكَ أو جحَد فأنا ضامنٌ لك» صحَّ، وقال في (٦٠٤)، وكذا في كلِّ أمانةٍ.
فهذا يدلُّ على أنَّهم يقولونَ بصحِّةِ ضمانِها إن تعُد فيها، والله أعلمُ.

لأنَّ العَينَ في هذه الحالةِ تَكونُ مَضمونةً على مَنْ هي في يَدِه، فلزِم ضَمانُه، كالمَغصوبِ والعَواري (١).

فكلُّ ما لا يُضمَنُ إلا بتعَدٍّ أو تَفريطٍ لا يَصحُّ ضَمانُه؛ لأنَّ الأصلَ غَيرُ ضامِنٍ؛ فإنْ كان الأصلُ غَيرَ ضامِنٍ لا يَصحُّ أنْ يُبنى على شَيءٍ لَم يَثبُتْ، لكنَّ التَّعديَ فيها يَصحُّ؛ لأنَّه إذا تعدَّى الأمينُ انتَفَتْ عنه الأمانةُ، وصارَ ضامِنًا بكلِّ حالٍ، فيَصحُّ أنْ يَضمنَ التَّعديَ فيه.

مِثالُ ذلك: رَجلٌ أودَعَ عندَ آخرَ وَديعةً -ولتَكُنْ ألْفَ ريالٍ-، ثم بعدَ أنْ أودَعَه، صارَ عندَه شَكٌّ في أمانتِه، فتَقدَّم رَجلٌ آخَرُ وقال: «أنا أضمَنُ الوَديعةَ».

فالضَّمانُ هنا لا يَصحُّ؛ لأنَّ الأصلَ غيرُ ضامِنٍ، لكنْ لو قال: أنا أضمَنُ لك إنْ تعَدَّى أو فرَّطَ فهذا صَحيحٌ؛ لأنَّه في حالِ التَّعدِّي أو التَّفريطِ يَكونُ ضامِنًا، وحينَئذٍ يَصحُّ الضَّمانُ.

ومِنَ المَعلومِ أنَّ التِزامَ الكَفيلِ تابِعٌ إلى التِزامِ الأصيلِ؛ فإنْ كان المُودَعُ لَدَيْه غَيرَ ضامِنٍ لِلوَديعةِ، لا تَصحُّ الكَفالةُ في هذه الحالةِ؛ لأنَّ الكَفيلَ لا يُلزمُ إلا بما يُلزمُ به الأصيلُ.

والفَرقُ بينَ التَّعدي والتَّفريطِ أنَّ التَّعديَ: فِعلُ ما لا يَجوزُ، والتَّفريطَ: تَركُ ما يَجِبُ (٢).

(١) «المغني» (٦/ ٣١٨)، و «الروض المربع» (٦/ ٤٣٨).
(٢) «الشرح الممتع» (٤/ ١٤٦).

القَولُ الثاني: لا يَصحُّ ضَمانُ الأماناتِ مُطلَقًا، يَعني ضَمانَ تَسليمِها وضَمانَ بَدلِها إنْ تَلِفت، وهو قَولٌ لِلحَنابِلةِ (١). لِعُمومِ قَولِه : «الزَّعيمُ غارِمٌ» (٢)، ووَجهُ الدِّلالةِ مِنَ الحَديثِ أنَّ الحَديثَ عامٌّ، فيَشمَلُ بذلك ضَمانَ الأماناتِ.

القَولُ الثالِثُ: إنْ كانتِ العَينُ أمانةً غَيرَ واجِبةِ التَّسليمِ، كالوَدائعِ ومالِ الشَّرِكاتِ والمُضارَباتِ، لَم يَصحَّ ضَمانُها مُطلَقًا، لا ضَمانُ تَسليمِها، ولا ضَمانُ بَدلِها إنْ تَلِفتْ (٣).

وإنْ كانت أمانةً واجِبةَ التَّسليمِ (٤)، كالعاريَّةِ (٥) والمُستأجَرِ في يَدِ الأجيرِ، صَحَّ ضَمانُ تَسليمِها فَقطْ إنْ كانت قائِمةً، وإنْ هلَكتْ لَم يَجِبْ على الكَفيلِ شَيءٌ، وهذا قَولُ الحَنفيَّةِ (٦).

(١) «الإنصاف» (٥/ ٢٠٠)، و «الكافي» (٢/ ٢٣٠)، و «المبدع» (٤/ ٢٥٦).
(٢) تقدم تخريجه.
(٣) أي: لا يجبُ على صاحبِ اليدِ -وهو الأصيلُ- تَسليمُه بل على المَالكِ أن يَسعى إلى ذلك.
(٤) أي: أنه واجبٌ على صاحبِ اليدِ -وهو الأصيلُ- تَسليمُه، بمَعنى أنَّه مُلتزِمٌ أن يَسعى إلى تَسليمِه إلى مالكِه، فهذا يصحُّ الضَّمانُ بتَسليمِه، فإذا تلِفت، لا يلزَمُ الضَّامنَ شيءٌ؛ لكَونِها أمانةً والأمانةُ إذا هلَكت تهلِك مَجانًا. «الروض المربع» (٦/ ٤٣٨).
(٥) لأنَّ العاريَّةَ عندَهم- أي الحَنفيَّة- أمانةٌ في يدِ المُستعيرِ خِلافًا للشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ وعلى تَفصيلٍ عندَ المالِكيَّةِ.
(٦) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٦٧)، و «فتح القدير» (٧/ ١٩٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٥/ ٤٤٣)، و «مجمع الضمانات» (٥٩١، ٥٩٢)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ١٤٧).

والدَّليلُ على عَدمِ صِحةِ ضَمانِ العَينِ مُطلَقًا إنْ كانت غَيرَ واجِبةِ التَّسليمِ أنَّ عَينَها غَيرُ مَضمونةٍ أصلًا على الأصيلِ، فلا يَصحُّ ضَمانُ عَينِها؛ لأنَّه لا ضَمانَ إلا بما هو واجِبٌ.

والدَّليلُ على صِحةِ ضَمانِ تَسليمِها فَقطْ إنْ كانت قائِمةً، وكانتْ أمانةً واجبةَ التَّسليمِ أنَّ تَسليمَها واجِبٌ على الأصيلِ، فصحَّت الكَفالةُ بتَسليمِها (١).

(١) «بدائع الصانع» (٧/ ٣٦٧)، و «حاشية رد المحتار» (٥/ ٤٤٣)، و «فتح القدير» (٧/ ١٩٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الضمان)
(مسألة)

(كِتَابُ الضَّمَانِ)

تَحَرَّيْتُ فِيهِ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَقِيَاسَ قوله: -

(مسألة)

قال المزني: " قال الله جل ثناؤه {قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} يوسف: ٧٢ وَقَالَ عز وجل {سَلْهُمْ أَيُّهُمْ بِذَلِكَ زَعِيمٌ} القلم: ٤٠ وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " وَالزَّعِيمُ غَارِمٌ " وَالزَّعِيمُ فِي اللُّغَةِ هو الكفيل وروي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي جِنَازَةٍ فَلَمَّا وُضِعَتْ قَالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " هل على صاحبكم من دين "؟ فقالوا نَعَمْ دِرْهَمَانِ قَالَ " صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ " فَقَالَ علي رضوان الله عليه هُمَا عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَنَا لَهُمَا ضَامِنٌ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فصلى عليه ثم أقبل على علي رضي الله عنه فَقَالَ " جَزَاكَ اللَّهُ عَنِ الْإِسْلَامِ خَيْرًا وَفَكَّ رهانك كما فككت رهان أخيك " (قال المزني) قلت أنا وفي ذلك دليل أن الدين الذي كان على الميت لزم غيره بأن ضمنه وروى الشافعي في قسم الصدقات أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قال " لا تحل الصدقة لغني إلا لثلاثة " ذكر منها رجلا تحمل بحمالة فحلت الصدقة (قلت أنا) فكانت الصدقة محرمة قبل الحمالة فلما تحمل لزمه الغرم بالحمالة فخرج من معناه الأول إلى أن حلت له الصدقة " .

قال الماوردي: أما الضمان فهو أخذ الوثاق فِي الْأَمْوَالِ، لِأَنَّ الْوَثَائِقَ ثَلَاثَةٌ: الشَّهَادَةُ وَالرَّهْنُ وَالضَّمَانُ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الحوالة والضمان
باب الضمان

بابُ الضَّمانِ

٨٢٢ - مسألة؛ قال: (وَمَنْ ضُمِنَ عَنْهُ حَقٌّ بَعْدَ وُجُوبِهِ، أوْ قَالَ: مَا أَعْطَيْتَهُ فهُوَ عَلَىَّ. فَقَدْ لَزِمَهُ مَا صَحَّ أنَّه أَعْطَاهُ)

الضَّمَانُ: ضَمُّ ذِمَّةِ الضَّامِنِ إلى ذِمَّةِ المَضْمُونِ عنه في الْتِزَامِ الحَقِّ. فيَثْبُتُ في ذِمَّتِهِمَا جَمِيعًا، ولِصَاحِبِ الحَقِّ مُطالَبَةُ من شاءَ منهما، واشْتِقَاقُه من الضّمِّ. وقال القاضي: هو مُشْتَقٌّ من التَّضْمِينِ ؛ لأنَّ ذِمَّةَ الضَّامِنِ تَتَضَمَّنُ الحَقَّ. والأصْلُ في جَوَازِه، الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ، أمَّا الكِتابُ فقولُ اللَّه تعالى: {وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ} . وقال ابنُ عَبَّاسٍ: الزَّعِيمُ الكَفِيلُ. وأمَّا السُّنَّةُ فما رُوِىَ عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أنَّه قال: "الزَّعِيمُ غَارِمٌ" . رَوَاهُ أبو دَاوُدَ، والتِّرمِذِىُّ . وقال: حَدِيثٌ حَسَنٌ، ورَوى البُخَارِىُّ ، عن سَلَمَةَ ابن الأَكْوَعِ، أنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أُتِىَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّىَ عليه، فقال: هل عليه دَيْنٌ؟ قالوا: نعم، دِينَارَانِ. قال: هل تَرَكَ لهما وَفَاءً؟

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب البيوع
الجملة الثانية في وقت ضمان المبيعات

جَوَازِهِ، وَفِيمَا يَجُوزُ مِنَ الْعُقُودِ وَالْمَبِيعَاتِ وَالْعُيُوبِ، وَلِمَنْ يَجُوزُ بِالشَّرْطِ، أَوْ مُطْلَقًا، وَهَذِهِ كُلُّهَا قَدْ تَقَدَّمَتْ بِالْقُوَّةِ فِي قَوْلِنَا فَاعْلَمْهُ.

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي وَقْتِ ضَمَانِ الْمَبِيعَاتِ

وَاخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي يَضمنُ فِيهِ الْمُشْتَرِي الْمَبِيعَ أَنَّى تَكُونُ خَسَارَتُهُ إِنْ هَلَكَ مِنْهُ: فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيُّ: لَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ.

وَأَمَّا مَالِكٌ فَلَهُ فِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ: وَذَلِكَ أَنَّ الْمَبِيعَاتِ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:

بَيْعٌ يَجِبُ عَلَى الْبَائِعِ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ مِنْ وَزْنٍ، أَوْ كَيْلٍ، وَعَدَدٍ.

وَبَيْعٌ لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ، وَهُوَ الْجُزَافُ، أَوْ مَا لَا يُوزَنُ، وَلَا يُكَالُ، وَلَا يُعَدُّ. فَأَمَّا مَا كَانَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ فَلَا يَضْمَنُ الْمُشْتَرِي إِلَّا بَعْدَ الْقَبْضِ. وَأَمَّا مَا لَيْسَ فِيهِ حَقُّ تَوْفِيَةٍ وَهُوَ حَاضِرٌ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْمُشْتَرِي وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْهُ.

وَأَمَّا الْمَبِيعُ: فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ:

أَشْهَرُهَا: أَنَّ الضَّمَانَ مِنَ الْبَائِعِ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْمُبْتَاعِ.

وَالثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مِنَ الْمُبْتَاعِ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ عَلَى الْبَائِعِ.

وَالثَّالِثَةُ: الْفَرْقُ بَيْنَ مَا لَيْسَ بِمَأْمُونِ الْبَقَاءِ إِلَى وَقْتِ الِاقْتِضَاءِ كَالْحَيَوَانِ وَالْمَأْكُولَاتِ، وَبَيْنَ مَا هُوَ مَضْمُونُ الْبَقَاءِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 144 - 147

ارجع إلى أركان الكفالة أو الضمان وشروطهما للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله