الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > البيع بعد نداء الجمعة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةالبَيعُ بعدَ نِداءِ الجُمُعةِ:
لا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلِمينَ في أنَّه يَحرُمُ البَيعُ بعدَ النِّداءِ إلى الجُمُعةِ، وقد نقَل غيرُ واحِدٍ مِنْ العُلماءِ الإجماعَ على تَحريمِ البَيعِ بعدَ النِّداءِ لِمَنْ تَجِبُ عليه صَلاةُ الجُمُعةِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]، ولأنَّ فيه إخلالًا بالواجِبِ، وهو السَّعيُ إذا قَعَدا أو وَقَفا يَتبايَعانِ، ويَستمِرُّ التَّحريمُ حتى يُفرَغَ مِنْ الجُمُعةِ.
ثم اختَلَفوا: هل الذي يُحرِّمُ البَيعَ والشِّراءَ النِّداءُ الأوَّلُ أو الآخَرُ؟
فذهَب الحَنفيَّةُ في قَولٍ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الذي يُحرِّمُ إنَّما هو النِّداءُ الثَّاني الذي بينَ يَدَيِ الإمامِ؛ لأنَّه النِّداءُ الذي كانَ في عَهدِ النَّبيِّ ﷺ؛ فلا يَنصرِفُ النِّداءُ عندَ إطلاقِه إلَّا إليه.
وذهَب الحَنفيَّةُ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَحرُمُ البَيعُ ويَجِبُ السَّعيُ بالنِّداءِ الأوَّلِ، الذي يَكونُ بعدَ الزَّوالِ؛ لِحُصولِ الإعلامِ به، ومَعلومٌ أنَّه يَكونُ بعدَ الزَّوالِ؛ إذِ الأذانُ الذي قبلَه ليسَ بأذانٍ؛ ولأنَّه لو اعتُبِرَ في وُجوبِ السَّعيِ الأذانُ الثَّاني لَم يَتمكَّنْ مِنْ السُّنةِ القَبليَّةِ، ومِنَ الِاستِماعِ، بَلْ رُبَّما يُخشَى عليه فَواتُ الجُمُعةِ، إذا كانَ بَيتُه بَعيدًا مِنْ الجامِعِ.
ثم اختَلَفوا: هلِ البَيعُ صَحيحٌ مع الحُرمةِ أو فاسِدٌ؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والمالِكيَّةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ البَيعَ صَحيحٌ مع الحُرمةِ؛ لأنَّ النَّهيَ عنِ البَيعِ هُنا ليسَ نَهيًا عنه لِذاتِه، بَلْ
لِوَقتِه؛ لأنَّ النَّهيَ لِمَعنًى مُجاوِرٍ لِلبَيعِ، لا في صُلبِه، ولا في شَرطِ صِحَّتِه، ولأنَّ النَّهيَ الوارِدَ لِمَعنًى مُجاوِرٍ لا يَقتَضي الفَسادَ.
وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ، والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى فَسادِ البَيعِ، وأنَّه مَردودٌ؛ لأنَّ النَّهيَ يَقتَضي فَسادَ المَنهيِّ عنه، سَواءٌ كانَ لِذاتِ المَنهيِّ عنه أو لِوَقتِه، كالصَّومِ يَومَ العِيدِ؛ فكذلك العُقودُ.
وسَبَبُ اختِلافِهم -كما قُلْنا-: هلِ النَّهيُ عنِ الشَّيءِ الذي أصْلُه مُباحٌ إذا تَقيَّدَ النَّهيُ بصِفةٍ يَعودُ بفَسادِ المَنهيِّ عنه، كما ذهَب إليه المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ، أو لا، كما ذهَب إليه الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ؟
ثم اختلَف العُلماءُ: هل هذا يَشمَلُ البَيعَ وسائِرَ العُقودِ أو يَختَصُّ بالبَيعِ فَقط؟
فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَحرُمُ البَيعُ ونَحوُه مِنْ سائِرِ العُقودِ والصَّنائِعِ وغيرِها ممَّا فيه تَشاغُلٌ عنِ السَّعيِ إلى الجُمُعةِ.
وقالَ المالِكيَّةُ: يَحرُمُ البَيعُ ونَحوُه مِنْ إجارةٍ وشَرِكةٍ وشُفعةٍ ونَحوِها عندَ الأذانِ الثَّاني، وتَستَمِرُّ الحُرمةُ إلى الفَراغِ مِنْ الصَّلاةِ، فإذا وقَع شَيءٌ مِنْ هذا عندَ الأذانِ الثَّاني فُسِخَ وتُرَدُّ السِّلعةُ لِرَبِّها، ولا يُفسَخُ إنْ وقَع قبلَه أو عندَ الأذانِ الأوَّلِ.
وأمَّا النِّكاحُ والهِبةُ والصَّدَقةُ والكِتابةُ فلا تُفسَخُ إنْ وَقَعتْ عندَ الأذانِ الثَّاني، وإنْ حرُم ذلك.
وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَحرُمُ البَيعُ، ويَصحُّ النِّكاحُ وسائِرُ العُقودِ،
كالقَرضِ والرَّهنِ والضَّمانِ والإجارةِ وإمضاءِ بَيعِ خِيارٍ؛ لأنَّ ذلك يَقِلُّ وُقوعُه، فلا تَكونُ إباحَتُه ذَريعةً إلى فَواتِ الجُمُعةِ أو بَعضِها، بخِلافِ البَيعِ.
واشتَرطَ العُلماءُ لِهذا النَّهيِ الذي اقتَضَى التَّحريمَ قُيودًا:
أ- أنْ يَكونَ المُشتغِلُ بالبَيعِ والشِّراءِ مِمَّنْ تَلزَمُه الجُمُعةُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ في المَشهورِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ في المَذهبِ؛ فلا يَحرُمُ البَيعُ على المَرأةِ والصَّغيرِ والمَريضِ والمُسافِرِ؛ لأنَّ اللَّهَ ﷾ إنَّما نهَى عنِ البَيعِ الذين أمَرَهم بالسَّعيِ؛ فغيرُ المُخاطَبِينَ بالسَّعيِ لا يَتناوَلُهم النَّهيُ، ولأنَّ تَحريمَ البَيعِ مُعلَّلٌ بما يَحصُلُ به مِنْ الِاشتِغالِ عنِ الجُمُعةِ، وهذا مَعدومٌ في حَقِّهم.
لكنْ قالَ المالِكيَّةُ: يُكرَهُ لِمَنْ لا تَجِبُ عليه الجُمُعةُ البَيعُ في وَقتِ الخُطبةِ والصَّلاةِ بالسُّوقِ مع مِثلِه؛ لِاستِبدادِهم بالرِّبحِ دونَ السَّاعينَ؛ فيَدخُلُ عليهم ضَرَرٌ؛ فمُنِعوا مِنه لِصَلاحِ العامَّةِ، وهذا إذا تَبايَعوا في الأسواقِ، وأمَّا غيرُ الأسواقِ فجائِزٌ لِلعَبيدِ والنِّساءِ والمُسافِرينَ أنْ يَتبايَعوا فيما بينَهم.
وعنِ الإمامِ أحمدَ أنَّه يَحرُمُ ولا يَصحُّ، وهو قَولٌ لِلمالِكيَّةِ.
وعنهُ: لا يَصحُّ مِنْ مَريضٍ ونَحوِه دونَ غيرِه.
ولو كانَ أحَدُ المُتعاقدَيْنِ مِمَّنْ تَلزَمُه الجُمُعةُ والآخَرُ لا تَلزَمُه فقد اختَلَفوا فيه، فقالَ الشافِعيَّةُ: يَصحُّ مع الحُرمةِ، وقالَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَحرُمُ ولا يَصحُّ. وقيلَ: يَصحُّ. وقيلَ: إنْ كانَ أحَدُهما مُخاطَبًا بها دونَ الآخَرِ حرُم على المُخاطَبِ وكُرِهَ لِلآخَرِ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في صفة البيع الذي يحصل به التفريق
يَكُونُ ضَرَرًا مَعْنًى وَلَوْ بَاعَ أَحَدَهُمَا نَسَمَةً لِلْعِتْقِ يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لَا يُكْرَهُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ: أَنَّ الْوَفَاءَ بِالْوَعْدِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَالظَّاهِرُ مِنْ حَالَةِ الْمُشْتَرِي إنْجَازُ مَا وَعَدَ فَيَخْرُجُ التَّفْرِيقُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ضَرَرًا؛ لِأَنَّهُ يُقَابِلُهُ نَفْعٌ أَعْظَمُ مِنْهُ وَهُوَ الْعِتْقُ.
(وَجْهُ) قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَيْهِ الرَّحْمَةُ أَنَّ الْعِتْقَ لَيْسَ بِمَشْرُوطٍ فِي الْبَيْعِ وَلَوْ كَانَ مَشْرُوطًا لَأَوْجَبَ فَسَادَ الْبَيْعِ فَبَقِيَ قَصْدُ الْإِعْتَاقِ وَتَنْفِيذُ هَذَا الْقَصْدِ لَيْسَ بِلَازِمٍ فَبَقِيَ الْبَيْعُ تَفْرِيقًا فَيُكْرَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ قَالَ الْمُشْتَرِي: إنْ اشْتَرَيْته فَهُوَ حُرٌّ ثُمَّ اشْتَرَاهُ، قَالُوا: لَا يُكْرَهُ بِالْإِجْمَاعِ؛ لِأَنَّهُ يَعْتِقُ بَعْدَ الشِّرَاءِ لَا مَحَالَةَ فَيَخْرُجُ الْبَيْعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ ضَرَرًا.
فَصْلٌ فِي صِفَة الْبَيْعِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ التَّفْرِيقُ
(فَصْلٌ) :
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل البيع بشرط الخيار]
(فَصْلٌ) إنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ.
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ الْبَيْع بِشَرْطِ الْخِيَار
فَصْلٌ) (فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ)
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الشفعة
٨٨٤ - مسألة؛ قال: (وإن أذن الشريك في البيع، ثم طالب بالشفعة بعد وقوع البيع، فله ذلك)
لأحمدَ: ما مَعْنَى قولِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ كَانَ بَيْنَه وبَيْنَ أَخِيهِ رَبْعَةٌ، فأَرَادَ بَيْعَها، فَلْيَعْرِضْها عَلَيْهِ" . وقد جاءَ في بعضِ الحَدِيثِ: "وَلَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا أنْ يَعْرِضَهَا عَلَيْهِ" . إذا كانت الشُّفْعَةُ ثابِتَةً له؟ فقال: ما هو بِبَعِيدٍ مِن أن يكُونَ على ذلك، وأن لا تكونَ له الشُّفْعةُ. وهذا قولُ الحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، وأبى عُبَيْدٍ، وأبى خَيْثَمَةَ، وطائِفَةٍ من أهْلِ الحَدِيثِ. قال ابنُ المُنذِرِ: وقد اخْتَلَفَ فيه عن أحمدَ، فقال مَرَّةً: تَبْطُلُ شُفْعَتُه. وقال مَرَّةً: لا تَبْطُلُ. واحْتَجُّوا بقولِ النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "مَنْ كَانَ لَهُ شَرِكَةٌ في أَرْضٍ؛ رَبْعَةٍ، أو حَائِطٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَبِيعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإنْ شَاءَ أخَذَ، وإنْ شَاءَ تَرَكَ" . ومُحَالٌ أن يقولَ النبيُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "ومن شَاءَ تَرَكَ" . فلا يكونُ لِتَرْكِه مَعْنًى. ومَفْهُومِ قولِه: "فَإنْ بَاعَ، وَلَمْ يُؤْذِنْهُ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ" أنَّه إذا باعَهُ بإذْنِه لا حَقَّ له. ولأنَّ الشُّفْعةَ تَثْبُتُ في مَوْضِع الاتِّفاقِ على خِلَافِ الأصْلِ، لكَوْنِه يأْخُذُ مِلْكَ المُشْتَرِى من غيرِ رِضَائِه، ويُجْبِرُه على المُعاوَضةِ به، لِدُخُولِه مع البائِعِ في العَقْدِ، الذي أساءَ فيه بإدْخَالِه الضَّرَرَ على شَرِيكِه، وتَرْكِه الإِحْسانَ إليه في عَرْضِه عليه. وهذا المَعْنَى معْدُومٌ ههُنا، فإنَّه قد عَرَضَه عليه، وامْتِنَاعُه من أخْذِه دَلِيلٌ على عَدَمِ الضَّرَرِ في حَقِّه بِبَيْعِه، وإن كان فيه ضَرَرٌ فهو أدْخَلَه على نَفْسِه، فلا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعةَ، كما لو أخَّرَ المُطَالبةَ بعدَ البَيْعِ. ووَجْهُ الأَوَّلِ، أنَّه إسْقَاطُ حَقٍّ قبلَ وُجُوبِه، فلم يَصِحَّ، كما لو أبْرَأهُ ممَّا يَجِبُ له، أو…
ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.