الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها
مسائلُ فقهيةٌ في البيوع المنهي عنها على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 19 دقيقة قراءةباب في البُيوعِ المَنهيِّ عنها
النَّهيُ لُغةً: الزَّجرُ عنِ الشَّيءِ، وهو: ضِدُّ الأمْرِ.
واصطِلاحًا: طَلَبُ الكَفِّ عنِ الفِعلِ على جِهةِ الِاستِعلاءِ.
والأصلُ في البَيعِ الإباحةُ والصِّحَّةُ، حتى يَقومَ الدَّليلُ على الحَظْرِ أو الفَسادِ. والدَّليلُ على ذلك هو قَولُ اللَّهِ تَعالى في كِتابِه العَزيزِ: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، فإنَّه عامٌّ في إباحةِ جَميعِ البُيوعِ.
ودَليلُ العُمومِ هو: أنَّ لَفظَ البَيعِ مُفرَدٌ مُحَلًّى بالألِفِ واللَّامِ، والمُفرَدُ المُحَلَّى بالألِفِ واللَّامِ يُفيدُ العُمومَ عندَ أهلِ الأُصولِ، إذا لَم يَكُنْ هُناكَ عَهدٌ مُطلَقًا، ولا قَصدٌ إلى إرادةِ الحَقيقةِ والماهيَّةِ؛ فصارَ حاصِلُ مَعنَى الآيةِ: أنَّ كُلَّ بَيعٍ حَلالٌ، أخْذًا بعُمومِ اللَّفظِ، غيرَ أنَّ أهلَ العِلمِ لَم يَختَلِفوا في أنَّ هذه الآيةَ، وإنْ كانَ مَخرَجُها مَخرَجُ العُمومِ، فقد لَحِقَها التَّخصيصُ؛ لأنَّهم -كما يَقولُ أبو بَكرٍ الجَصَّاصُ- مُتَّفِقونَ على حَظرِ كَثيرٍ مِنْ البِياعاتِ، نَحوَ بَيعِ ما لَم يُقبَضْ، وبَيعِ ما ليسَ عندَ الإنسانِ، وبَيعِ الغَرَرِ، والمَجاهيلِ، وعَقدِ البَيعِ على المُحرَّماتِ مِنْ الأشياءِ، وقد كانَ لَفظُ الآيةِ يُوجِبُ جَوازَ هذه البِياعاتِ، وإنَّما خُصَّتْ مِنها بدَلائِلَ، إلَّا أنَّ تَخصيصَها
غيرُ مانِعٍ مِنْ اعتِبارِ عُمومِ لَفظِ الآيةِ؛ فيما لَم تَقُمِ الدِّلالةُ على تَخصيصِه (١).
وهُناكَ صُورٌ مِنْ البُيوعِ نهَى عنها الشارِعُ؛ لِخَلَلٍ فيها، أو لِأمرٍ اقتَرَنَ بها، وهذه البُيوعُ مِنها الباطِلُ، ومِنها الفاسِدُ، ومِنها الصَّحيحُ مع الحُرمةِ، ومِنها المَكروهُ، وهي تَختَلِفُ مِنْ مَذهبٍ لِمَذهبٍ:
وجُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ لا يُفرِّقونَ بينَ الفاسِدِ والباطِلِ؛ فالفاسِدِ والباطِلِ عندَهم سيَّانِ؛ فكما أنَّ البَيعَ الباطِلَ لا يُفيدُ الحُكمَ فكذلك الفاسِدُ لا أثَرَ له عندَهم.
أمَّا الحَنفيَّةُ فيُفرِّقونَ بينَ الفاسِدِ والباطِلِ في البَيعِ دونَ النِّكاحِ.
فقالوا: الفَرقُ بينَ الباطِلِ والفاسِدِ أنَّ الباطِلَ هو الذي لا يَكونُ صَحيحًا بأصْلِه، ولا بوَصْفِه، وذلك لِفَواتِ رُكنِه أو شَرطِه؛ فإذا تَخلَّفَ الرُّكنُ أو شَرطٌ مِنْ شُروطِ الِانعِقادِ، كانَ البَيعُ باطِلًا، ولا وُجودَ له؛ لأنَّه لا وُجودَ لِلتَّصرُّفِ إلَّا مِنْ الأهلِ في المَحَلِّ حَقيقةً، ويَكونُ العَقدُ فائِتَ المَعنَى مِنْ كلِّ وَجْهٍ، إمَّا لِانعِدامِ مَعنَى التَّصرُّفِ، كبَيعِ المَيْتةِ والدَّمِ، أو لِانعِدامِ أهليَّةِ التَّصرُّفِ، كبَيعِ المَجنونِ والصَّبيِّ الذي لا يَعقِلُ.
والفاسِدُ هو الذي يَكونُ صَحيحًا بأصْلِه، لا بوَصْفِه، كاختِلالِ شَرطٍ مِنْ شَرائِطِ الصِّحَّةِ. كبَيعِ دِرهَمٍ بدِرهمَيْنِ؛ فإنَّ العِوضَيْنِ قابِلانِ لِلبَيعِ، ولكنْ جاءَ الخَلَلُ مِنْ قِبَلِ الزِّيادةِ، وكذا البَيعُ بالخَمرِ والخِنزيرِ، فهو فاسِدٌ؛ لِوُجودِ حَقيقةِ البَيعِ. وهذا إنْ لَم يَكُنِ الثَّمنُ دَيْنًا، بأنْ باعَها بدَراهِمَ، فالبَيعُ
(١) «أحكام القرآن» (٢/ ١٨٩).
باطِلٌ، وإنْ كانَ عَينًا، بأنْ باعَها بثَوبٍ ونَحوِه، فالبَيعُ فاسِدٌ في حَقِّ الثَّوبِ، ويَنعقِدُ بقِيمةِ الثَّوبِ؛ لأنَّ مَقصودَ العاقِدَيْنِ ليسَ هو تَملُّكَ الخَمرِ، وتَمليكَها؛ لأنَّها لا تَصلُحُ لِلتَّملُّكِ.
والتَّمليكُ في حَقِّ المُسلِمِ مَقصودٌ، بَلْ تَمليكُ الثَّوبِ وتَملُّكُه؛ لأنَّ الثَّوبَ يَصلُحُ مَقصودًا بالتَّملُّكِ والتَّمليكِ؛ فالتَّسميةُ إنْ لَم تَظهَرْ في حَقِّ الخَمرِ تَظهَرُ في حَقِّ الثَّوبِ، ولا مُقابِلَ له، فيَصيرُ كَأنَّ المُشتَرِيَ باعَ الثَّوبَ ولَم يَذكُرِ الثَّمنَ، فيَنعقِدُ بقِيمَتِه، بخِلافِ ما إذا كانَ الثَّمنُ دَينًا؛ لأنَّ الثَّمنَ يَكونُ في الذِّمَّةِ، وما في الذِّمَّةِ لا يَكونُ مَقصودًا بنَفْسِه، بَلْ يَكونُ وَسيلةً إلى المَقصودِ، فتَصيرُ الخَمرُ مَقصودةً بالتَّمليكِ والتَّملُّكِ، فيَبطُلُ أصْلًا، وأمَّا بَيعُ الخَمرِ والخِنزيرِ فلا يَبطُلُ، بَلْ يَفسُدُ ويَنعقِدُ بقِيمةِ الثَّوبِ؛ لأنَّ الثَّوبَ مالٌ مُتقوَّمٌ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: الباطِلُ لا يُفيدُ المِلْكَ؛ لأنَّ الباطِلَ هو الخالي عن العِوَضِ والفائِدةِ، ويَكونُ أمانةً في يَدِه حتى لو هلَك فلا ضَمانَ على القابِضِ؛ لأنَّه لمَّا باعَ بما ليسَ بمالٍ، وأمَرَه بقَبضِه، فقد رَضيَ بقَبضِه بغيرِ بَدَلٍ ماليٍّ، فلا يَضمَنُ، كالمُودَعِ.
فلو اشتَرَى عَبدًا بمَيْتةٍ وقبَضه وأعتَقَه، لا يُعتَقُ، وهذا عندَ أبي حَنيفةَ، وعندَ الصَّاحِبَيْنِ يَكونُ البَيعُ الباطِلُ مَضمونًا، ويَهلِكُ بالقِيمةِ؛ لأنَّ البائِعَ ما رَضيَ بقَبضِه مَجَّانًا.
والمُعتبَرُ في القِيمةِ هو يَومُ القَبضِ؛ لأنَّ المَبيعَ بالقَبضِ دخَل في ضَمانِه،
هذا إذا كانَ المَبيعُ قِيَميًّا، وإنْ كانَ مِثليًّا مَلَكَه بمِثلِه؛ إذْ هو أعدَلُ؛ لِكَونِه مِثْلًا له صُورةٌ ومَعنًى.
والفاسِدُ يُفيدُ المِلْكَ بالقَبضِ بأمرِ البائِعِ صَريحًا أو دِلالةً، كما إذا قبَضه في المَجلِسِ وسكَت حتى يَجوزَ له التَّصرُّفُ فيه إلَّا الِانتِفاعَ، لِما رُويَ عن عَمْرةَ عن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: أتَتْها بَريرةُ تَسألُها في كِتابَتِها، فقالَتْ رضي الله عنها: إنْ شِئتِ أعطَيتُ أهلَكِ ويَكونُ الوَلاءُ لي. فلمَّا جاءَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرتْ ذلك، فقالَ النَّبيُّ: «ابتاعيها فأعتِقيها؛ فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ»، ثم قامَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ على المِنبَرِ، فقالَ: «ما بالُ أقوامٍ يَشتَرِطونَ شُروطًا ليسَتْ في كِتابِ اللَّهِ، مَنْ اشتَرطَ شَرطًا ليسَ في كِتابِ اللَّهِ فليسَ له، وإنِ اشتَرطَ مِئةَ شَرطٍ» (١)، فالنَّبيُّ ﷺ أجازَ العِتقَ مع فَسادِ البَيعِ بالشَّرطِ؛ لأنَّ رُكنَ التَّمليكِ، وهو قَولُه: «بِعتُ واشتَرَيتُ»، صدَر مِنْ أهلِه، وهو المُكلَّفُ المُخاطَبُ مُضافًا إلى مَحَلِّه، وهو المالُ عن وِلايةٍ؛ إذِ الكَلامُ فيهِما؛ فيَنعقِدُ؛ لِكَونِه وَسيلةً إلى المَصالِحِ، والفَسادِ، لِمَعنًى يُجاوِرُه، كالبَيعِ وَقتَ النِّداءِ، والنَّهيُ لا يَنفي الِانعِقادَ، بَلْ يُقرِّرُه؛ لأنَّه يَقتَضي تَصَوُّرَ المَنهيِّ عنه والقُدرةَ عليه، لأنَّ النَّهيَ عَمَّا لا يُتصوَّرُ وعَن غيرِ المَقدورِ قَبيحٌ، إلَّا أنَّه يُفيدُ مِلْكًا خَبيثًا لِمَكانِ النَّهيِ.
ولِهذا يَجِبُ على كلِّ واحِدٍ مِنْ المُتعاقدَيْنِ فَسخُه إزالةً لِلخُبثِ، ورَفعًا لِلفَسادِ. ولا يُشترَطُ القَضاءُ، فيُفسَخُ بمَحضَرٍ مِنْ الآخَرِ، أي: بعِلمِه، رَضيَ أو لا؛ لأنَّ في الفَسخِ إلزامَ الفَسخِ على صاحِبِه؛ فلا يَلزَمُ بدُونِ عِلمِه.
(١) رواه البخاري (٢٧٣٥)، ومسلم (١٥٠٤).
ويُشترَطُ قِيامُ المَبيعِ حالةَ الفَسخِ؛ لأنَّ الفَسخَ بدُونِه مُحالٌ؛ فإنْ باعَه أو أعتَقَه أو وهَبه بعدَ القَبضِ جازَ، ولا يُنقَضُ لِمُصادَفةِ هذه التَّصرُّفاتِ مِلْكُه، ومُنِعَ الفَسخُ.
وعليه قِيمَتُه يَومَ قَبضِه، إنْ كانَ مِنْ ذَواتِ القِيَمِ، أو مِثلُه إنْ كانَ مِثليًّا؛ لأنَّه كالغَصبِ مِنْ حيثُ إنَّه مَنهيٌّ عن قَبضِه، ولِما كانَ هذا العَقدُ ضَعيفًا؛ لِمُجاوَرَتِه المُفسِدَ، تَوقَّفَ إفادةُ المِلْكِ على القَبضِ، كالهِبةِ.
فاشتَرَطوا لِإفادةِ البَيعِ الفاسِدِ المِلْكَ شَرطَيْنِ:
أحَدُهما: القَبضُ؛ فلا يثبُتُ المِلْكُ قبلَ القَبضِ، لأنَّه واجِبُ الفَسخِ؛ رَفعًا لِلفَسادِ، وفي وُجوبِ المِلْكِ قبلَ القَبضِ تَقرُّرُ الفَسادِ.
والآخَرُ: أنْ يَكونَ القَبضُ بإذْنِ البائِعِ؛ فإنْ قبَض بغيرِ إذْنٍ لا يثبُتُ المِلْكُ.
والمَكروهُ: ما يَصحُّ أصلًا ووَصفًا، وقد جاوَرَه مَنهيٌّ عنه، كالبَيعِ عندَ أذانِ الجُمُعةِ (١).
وهذا في الجُملةِ، إلَّا أنَّ بَعضَ الشافِعيَّةِ وافَقوا الحَنفيَّةَ في الفَرقِ بينَ الفاسِدِ والباطِلِ، حيثُ قالوا: إنْ رجَع الخَلَلُ إلى رُكنِ العَقدِ فالبَيعُ باطِلٌ، وإنْ رجَع إلى شَرطِه ففاسِدٌ، وقالَ جُمهورُ الشافِعيَّةِ: إنَّهما مُتَرادِفانِ، إلَّا في أربَعِ مَسائِلَ: وهي الحَجُّ والعُمرةُ والخُلعُ والكِتابةُ.
(١) يُنظر: «بدائع الصنائع» (٥/ ٣٠٥)، و «الاختيار» (٢/ ٢٦، ٢٨)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٧١، ٧٣)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٥٧، ٥٨)، و «خلاصة الدلائل» (٢/ ٥٢، ٥٥)، و «اللباب» (١/ ٣٧٧، ٣٧٩).
فالفاسِدُ مِنْ الحَجِّ والعُمرةِ يَجِبُ قَضاؤُه، والمُضِيُّ فيه، والخُلعُ الفاسِدُ يَترتَّبُ عليه البَينونةُ، والكِتابةُ الفاسِدةُ قد يَترتَّبُ عليها العِتقُ، بخِلافِ الباطِلِ مِنها، فلا يَترتَّبُ عليه شَيءٌ مِنها (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: مُطلَقُ النَّهيِ عنِ العَقدِ مِنْ جِهةِ الشارِعِ يَدلُّ على فَسادِه؛ فكلُّ مَنهيٍّ عنه فاسِدٌ، أي: باطِلٌ، سَواءٌ كانَ عِبادةً، كَصَومِ يَومِ العيدِ، أو عَقدًا، كَنِكاحِ المَريضِ أو المُحرِمِ، وكبَيعِ ما لا قُدرةَ على تَسليمِه، أو مَجهولٍ؛ لأنَّ النَّهيَ يَقتَضي الفَسادَ، إلَّا أنْ يَدُلَّ دَليلٌ شَرعيٌّ على صِحَّةِ المَنهيِّ عنه بعدَ الوُقوعِ، فلا فَسادَ، ويَكونَ حينَئذٍ مُخصَّصًا لِهَذِه القاعِدةِ، وذلك كالنَّجشِ، وبَيعِ المُصَرَّاةِ، وتَلَقِّي الرُّكبانِ، وسَواءٌ كانَ الدَّليلُ مُتَّصِلًا بالنَّهيِ، أو مُنفصِلًا عنه؛ فالمُتَّصِلُ كَأنْ يَكونَ النَّهيُ والصِّحَّةُ في حَيِّزٍ واحِدٍ، والمُنفصِلُ يَكونُ النَّهيُ فيه في حَيِّزٍ والصِّحَّةُ في حَيِّزٍ آخَرَ.
وهذه قَضيَّةٌ كُلِّيَّةٌ شامِلةٌ لِلعِباداتِ والمُعامَلاتِ، وهي العُقودُ، سَواءٌ كانَ عَقدَ نِكاحٍ أو بَيعٍ، فكلُّ مَنهيٍّ عنه فاسِدٌ، إلَّا لِدَليلٍ شَرعيٍّ يَدلُّ على صِحَّتِه.
والصِّحَّةُ في العُقودِ تَترتَّبُ آثارُها عليها، كحِلِ التَّلذُّذِ بعَقدِ النِّكاحِ، والتَّصرُّفِ بالمَبيعِ بعدَ عَقدِ البَيعِ.
(١) يُنظر: «نهاية المحتاج مع حاشية الشبرملسي» (٤/ ٣٢٤)، و «حاشية الرملي على أسنى المطالب» (٢/ ١٧١)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٥٩)، و «رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب» (٢/ ١٩، ٢١)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٠٧)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ١٥٥).
والفَسادُ عَدَمُه، أي: عَدَمُ تَرتُّبِ آثارِها عليها، كعَدَمِ حِلِ النِّكاحِ بالعَقدِ، وعَدَمِ جَوازِ التَّصرُّفِ في المَبيعِ بسَبَبِ عَقدِه.
وفي العِبادةِ: مُوافَقةُ الفِعلِ ذي الوَجهَيْنِ الشَّرعَ؛ فما نُهيَ عنه ففاسِدٌ.
وما فسَد تَعيَّنَ رَدُّه إلى رَبِّه، ما لَم يَفُتْ، كَألَّا يَخرُجَ عن يَدِه ببَيعٍ، أو بُنيانٍ، أو غَرسٍ؛ فإنْ فاتَ بيَدِ المُشتَري مَضى المُختلَفُ فيه -ولو في خارِجِ المَذهبِ المالِكيِّ- بالثَّمنِ الذي وقَع به البَيعُ، وإنْ لَم يَكُنْ مُختلَفًا فيه، بَلْ كانَ مُتَّفقًا على فَسادِه، ضمِن المُشتَرِي قِيمَتَه إنْ كانَ مُقوَّمًا حينَ القَبضِ، وضمِن مثلَ المِثلِيِّ إذا بِيعَ كَيلًا أو وَزنًا، وعُلم كَيلُه أو وَزنُه، ولَم يَتعذَّرْ وُجودُه، وإلَّا ضمِن قِيمَتَه يَومَ القَضاءِ عليه بالرَّدِّ (١).
والبُيوعُ المَنهيُّ عنها مِنها هو مُتَّفقٌ على فَسادِه بينَ الفُقهاءِ، وهو الأغلَبُ؛ لأنَّه مُقتَضى النَّهيِ، ومِنها ما هو مُختلَفٌ فيه مع وُرودِ النَّهيِ عَنها؛ فيُحكَمُ بفَسادِها أو بصِحَّتِها؛ لِكَونِ النَّهيِ ليسَ لِخُصوصيَّةِ البَيعِ، بَلْ لِأمْرٍ آخَرَ.
وقد قَسَّمَ عُلماءُ الحَنفيَّةِ البُيوعَ المَنهيَّ عنها إلى بُيوعٍ باطِلةٍ وفاسِدةٍ ومَكروهةٍ -أي: تَحريمًا- وفَرَّقوا بينَها.
والمالِكيَّةُ قالوا: إنَّ البُيوعَ المَنهيَّ عَنها كُلَّها فاسِدةٌ، أي: باطِلةٌ، إلَّا أنْ
(١) يُنظر: «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ٨٥)، و «تحرير المقالة في شرح الرسالة» (٥/ ١٣٥)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٥٣٣)، و «مواهب الجليل» (٦/ ١٨٩)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٣٧٠)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٦٧، ٦٨)، و «الواكة الدواني» (٢/ ١٠٩).
ارجع إلى المعاملات المالية للاطلاع على جميع الأبواب.