ما يحصل به القبض

الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > ما يحصل به القبض

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

ما يحصل به القبض - الأقوال والأدلة

ما يَحصُلُ به القَبضُ:

اختلَف الفُقهاءُ فيما يَحصُلُ به القَبضُ، لأنَّ لِكُلِّ نَوعٍ مِنْ البُيوعِ قَبضًا مُعيَّنًا:

فقالَ الحَنفيَّةُ: تَسليمُ المَبيعِ أنْ يُخَلَّى بينَه وبينَ المَبيعِ على وَجْهٍ يَتمكَّنُ مِنْ قَبْضِه مِنْ غيرِ حائِلٍ، وذلك يَختَلِفُ بحَسَبِ حالِ المَبيعِ، وكذا تَسليمُ الثَّمنِ، وفي الأجناسِ يُعتبَرُ في صِحَّةِ التَّسليمِ ثَلاثةُ مَعانٍ:

١ - أنْ يَقولَ: خَلَّيتُ بينَكَ وبينَ المَبيعِ.

٢ - أنْ يَكونَ المَبيعُ بحَضرةِ المُشتَرِي على صِفةٍ يَتَأتَّى فيها الفِعلُ مِنْ غيرِ مانِعٍ.

٣ - وأنْ يَكونَ مُفرَزًا غيرَ مَشغولٍ بحَقِ غيرِهِ (١).

وقالَ المالِكيَّةُ: القَبضُ في العَقارِ -وهو الأرضُ، وما اتَّصَلَ بها مِنْ بِناءٍ أو شَجَرٍ- بالتَّخليةِ بينَه وبينَ المُشتَرِي، وتَمكينِه مِنْ التَّصرُّفِ به، وإنْ لَم يُخْلِ البائِعُ مَتاعَه مِنه، إنْ لَم تَكُنْ دارَ سُكناه، وفي دارِ السُّكنَى بالإخلاءِ لِمَتاعِه مِنها، ولا يَكفي مُجرَّدُ التَّخليةِ.

والقَبضُ في غيرِ العَقارِ مِنْ حَيَوانٍ وعَرَضٍ يَكونُ بالعُرفِ الجاري بينَ النَّاسِ، كتَسليمِ الثَّوبِ وزِمامِ الدَّابَّةِ أو سَوْقِها أو عَزْلِها عن دَوابِّ

(١) «البحر الرائق» (٥/ ٣٣٢)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٥٦١، ٥٦٢)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٣/ ٣٤)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٢٩٧)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٤٨٣)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٣٢).

البائِعِ، أو انصِرافِ البائِعِ عنها (١).

وقالَ الشافِعيَّةُ: قَبْضُ العَقارِ -وهو الأرضُ والنَّخلُ والأبنيةُ- تَخليتُه لِلمُشتَرِي بلَفظٍ يَدلُّ عليها مِنْ البائِعِ، وتَمكينُه مِنْ التَّصرُّفِ فيه، كتَسليمِ المِفتاحِ إليه، وإنْ لَم يَتصرَّفْ فيه، ولَم يَدخُلْه، بشَرطِ فَراغِه مِنْ أمتِعةِ البائِعِ؛ لأنَّ التَّسليمَ في العُرفِ مَوقوفٌ على ذلك.

وقَبضُ المَنقولِ مِنْ حَيَوانٍ أو غيرِه تَحويلُه، وتَمكينُه مِنْ التَّصرُّفِ؛ لِمَا رَوى الشَّيخانِ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللَّهِ قالَ: «مَنِ اشتَرَى طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه». قالَ: وكُنَّا نَشتَري الطَّعامَ مِنْ الرُّكبانِ جِزافًا، فنَهانا رَسولُ اللَّهِ أنْ نَبيعَه حتى نَنقُلَه مِنْ مَكانِه (٢).

وقِيسَ بالطَّعامِ غيرُه.

ولِلمُشتَرِي قَبضُ المَبيعِ إنْ كانَ دَفَعَ الثَّمنَ، أو كانَ مُؤجَّلًا، ولَم يَحِلَّ، أو سلَّمه البائِعُ، وإلَّا فلا بدَّ مِنْ إذْنِ البائِعِ؛ فلِلبائِعِ حَبسُ المَبيعِ نَظيرَ دَفعِ الثَّمنِ، إنْ خافَ فَوْتَه، وإنْ كانَ المَبيعُ يُكالُ أو يُوزَنُ أو يُقاسُ لزِم في صِحَّةِ قَبضِه الوَزنُ أو الكَيلُ أو المَقاسُ.

ولو امتَنَعَ المُتعاقِدانِ، كُلٌّ يُريدُ أنْ يُسلِّمَه الآخَرَ، كأنْ يَقولَ البائِعُ: لا أُسلِّمُ المَبيعَ حتى أقبِضَ ثَمَنَه، وقالَ المُشتَرِي في الثَّمنِ مثلَه، أُجبِرَ البائِعُ

(١) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ٢٣٥، ٢٣٦)، و «حاشية الصاوي» (٧/ ٢٢)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٦٤٢)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٣٣٧، ٣٣٨)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٤٩٥)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ١٥٨).
(٢) رواه البخاري (٢٠١٧)، ومسلم (١٥٢٦).

على الِابتِداءِ بالتَّسليمِ؛ لأنَّ حَقَّ المُشتَرِي في العَينِ، وحَقَّ البائِعِ في الذِّمَّةِ؛ فيُقدَّمُ ما يَتعلَّقُ بالعَينِ، كأرْشِ الجِنايةِ مع غيرِه مِنْ الدُّيونِ، وإنْ أُعسِرَ المُشتَرِي بالثَّمنِ فلِلبائِعِ الفَسخُ بالفَلَسِ، والخِلافُ في المُكري والمُستَأجِرِ كاختِلافِ البائِعِ والمُشتَرِي (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: يَحصُلُ قَبضُ المَكيلِ بالكَيلِ، والمَوزونِ بالوَزنِ، والمَعدودِ بالعَدِّ، والمَذروعِ بالذَّرعِ؛ لِحَديثِ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ قالَ: «إذا بِعتَ فكِلْ، وإذا ابتَعْتَ فاكتَلْ» (٢).

وحَديثِ: «إذا سَمَّيتَ الكَيلَ فكِلْ» (٣).

وقيسَ العَدُّ والذَّرعُ على الكَيلِ والوَزنِ.

وقَبْضُ الذَّهبِ والفِضَّةِ والجَواهِرِ باليَدِ، وقَبْضُ الحَيَوانِ أخْذُه بزِمامِه، أو تَمشيَتُه مِنْ مَكانِه، وما لا يُنقَلُ قَبضُه بالتَّخليةِ بينَ مُشتَريه وبينَه؛ لأنَّ القَبضَ مُطلَقٌ في الشَّرعِ؛ فيَجِبُ الرُّجوعُ فيه إلى العُرفِ.

ويَحصُلُ هذا القَبضُ بشَرطِ حُضورِ المُستَحِقِّ أو نائِبِه؛ لأنَّه يَقومُ مَقامَه.

وأُجرةُ الكَيَّالِ، والوَزَّانِ، والعَدَّادِ، والذَّرَّاعِ، والنَّقَّادِ على الباذِلِ؛ لأنَّه تَعلَّقَ به حَقُّ تَوفيةٍ، ولا تَحصُلُ إلَّا بذلك، أشبَهَ السَّقيَ على بائِعِ الثَّمرةِ.

(١) «مغني المحتاج» (٢/ ٥٣٧، ٥٣٨)، و «الإقناع» (٢/ ٢٨٠)، و «إحياء علوم الدين» (٢/ ٦٦)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ١٠٧، ١١٠)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٥٤١، ٥٤٣)، و «الديباج شرح المنهاج» (٢/ ٩٤، ٩٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: أخرجه أحمد (٤٤٤، ٥٦٠)، والبيهقي (٥/ ٣١٥)، والبزار (٢/ ٣٣).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٢٢٣٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في ما يحصل به التفريق في البيع

النَّظَرِ حَاصِلًا بِبَقَاءِ أَحَدِهِمَا بِخِلَافِ مَا إذَا اخْتَلَفَتْ الْجِهَةُ؛ لِأَنَّ عِنْدَ اخْتِلَافِ جِهَةِ الْقَرَابَةِ تَخْتَلِفُ الشَّفَقَةُ فَيَحْصُلُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا لَا يَحْصُلُ بِالْآخَرِ فَكَانَ التَّفْرِيقُ إضْرَارًا، وَكَذَلِكَ لَوْ مَلَكَ سِتَّةَ إخْوَةٍ أَوْ سِتَّةَ أَخَوَاتٍ ثَلَاثَةٌ مِنْهُمْ كِبَارٌ وَثَلَاثَةٌ صِغَارٌ لَا بَأْسَ بِبَيْعِ كُلِّ صَغِيرٍ مَعَ كُلِّ كَبِيرٍ لِمَا قُلْنَا وَلَوْ كَانَ مَعَ الصَّغِيرِ أَبَوَانِ حُكْمًا بِأَنْ ادَّعَيَاهُ حَتَّى ثَبَتَ نَسَبُهُ مِنْهُمَا ثُمَّ اجْتَمَعُوا فِي مِلْكِ شَخْصٍ وَاحِدٍ، فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُكْرَهَ بَيْعُ أَحَدِهِمَا لِاتِّحَادِ جِهَةِ الْقَرَابَةِ، وَهِيَ قَرَابَةُ الْأُبُوَّةِ كَالْعَمَّيْنِ وَالْخَالَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَفِي الِاسْتِحْسَانِ يُكْرَهُ؛ لِأَنَّ أَبَاهُ أَحَدُهُمَا حَقِيقَةً فَكَانَ الثَّابِتُ قَرَابَةَ أَحَدِهِمَا حَقِيقَةً إلَّا أَنَّا حَكَمْنَا بِثَبَاتِ نَسَبِهِ مِنْهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الدَّعْوَةِ، وَلَكِنَّ الْأَبَ فِي الْحَقِيقَةِ أَحَدُهُمَا.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب البيع قبل القبض

باب البيع قبل القبض

مَسْأَلَةٌ:

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ " وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُكْتَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرَأْيِهِ وَلَا أَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَإِذَا نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُقْبَضَ لِأَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْبَائِعِ وَلَمْ يَتَكَامَلْ لِلْمُشْتَرِيَ فِيهِ تَمَامُ مِلْكٍ فَيَجُوزُ بِهِ الْبَيْعُ كَذَلِكَ قِسْنَا عَلَيْهِ بَيْعَ الْعُرُوضِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَرِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: كُلُّ مَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.

وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِطَعَامٍ مَأْكُولٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَبِهِ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ قَبْلَ قَبْضِهِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 355 - 357

ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل