تلف كل المبيع قبل القبض

الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > تلف كل المبيع قبل القبض

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

تلف كل المبيع قبل القبض - الأقوال والأدلة

مُجازَفةً بالمَنعِ، وهو خِلافُ قَولِ القاضي وأصحابِه، ويَدلُّ بمَفهومِه على أنَّ ما عَدَا الطَّعامَ يُخالِفُه في ذلك.

ووَجْهُ قَولِ الخِرَقيِّ أنَّ الطَّعامَ المَنهيَّ عن بَيعِه قبلَ قَبضِه لا يَكادُ يَخلو مِنْ كَونِه مَكيلًا أو مَوزونًا أو مَعدودًا؛ فتَعلُّقُ الحُكمِ بذلك كتَعلُّقِ رِبا الفَضلِ به، ويُحتمَلُ أنَّه أرادَ المَكيلَ والمَوزونَ والمَعدودَ مِنْ الطَّعامِ الذي ورَد النَّصُّ بمَنعِ بَيعِه، وهذا أظهَرُ دَليلًا وأحسَنُ (١).

ثم اختلَف الفُقهاءُ فيما إذا تلِف المَبيعُ قبلَ قَبضِه، هل يَكونُ مِنْ ضَمانِ البائِعِ أم المُشتَرِي؟

تَلَفُ المَبيعِ إمَّا أنْ يَكونَ كُلِّيًّا أو جُزئيًّا، قبلَ القَبضِ أو بعدَه، ولِكُلِّ قِسمٍ أحكامٌ.

والتَّلَفُ قد يَكونُ بآفةٍ سَماويَّةٍ، وقد يَكونُ بفِعلِ المُشتَرِي، أو البائِعِ، أو بفِعلِ أجنَبيٍّ.

تَلَفُ كلِّ المَبيعِ قبلَ القَبضِ:

إذا تلِف المَبيعُ كُلُّه قبلَ القَبضِ بآفةٍ سَماويَّةٍ -أو بفِعلِ المَبيعِ، بأنْ كانَ حَيَوانًا فقَتَلَ نَفْسَه كما يَقولُ الحَنفيَّةُ- انفسخَ البَيعُ عندَ الجُمهورِ، الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ وهو رِوايةٌ عن أحمدَ، وسقَط الثَّمنُ عنِ المُشتَرِي، ولو

(١) «المغني» (٤/ ٨٧، ٩١)، و «الكافي» (٢/ ٢٧)، و «المبدع» (٤/ ١١٨)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ١٤٣)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٥٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٢٣٠، ٢٣٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٨٠، ٢٨٥)، ويُنظر: و «شرح مسلم» (١٠/ ١٦٩، ١٧٠)، و «طرح التثريب» (٦/ ٩٧، ١٠٠)، وباقي المصادر السابقة.

أبرَأه المُشتَرِي مِنْ الضَّمانِ لَم يُبرَأْ، ولَم يَتغيَّرِ الحُكمُ كما يَقولُ الشافِعيَّةُ؛ لأنَّ النَّبيَّ قالَ: «لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيعٌ ولا شَرطانِ في بَيعٍ، ولا رِبحُ ما لَم تَضمَنْ، ولا بَيعُ ما ليسَ عندَكَ» (١)، والمُرادُ به رِبحُ ما بِيعَ قبلَ القَبضِ، والمَبيعُ قبلَ قَبضِ المُشتَرِي له هو في ضَمانِ البائِعِ، ولأنَّه لو بَقيَ أوجَبَ مُطالَبةَ المُشتَرِي بالثَّمنِ، وإذا طالَبَه بالثَّمنِ فهو يُطالِبُه بتَسليمِ المَبيعِ، وأنَّه عاجِزٌ عن التَّسليمِ؛ فتُمتنَعُ المُطالَبةُ أصلًا؛ فلَم يَكُنْ في بَقاءِ البَيعِ فائِدةٌ، وإذا انفسخَ البَيعُ سقَط الثَّمنُ عن المُشتَرِي؛ لأنَّ انفِساخَ البَيعِ ارتِفاعُه مِنْ الأصْلِ، كأنْ لَم يَكُنْ.

وذهَب الحَنابِلةُ في المَذهبِ في المَكيلِ والمَوزونِ وما بِيعَ برُؤيةٍ أو صِفةٍ مُتقدِّمةٍ إلى مِثلِ قَولِ الجُمهورِ، وفي غيرِهما يَهلِكُ قبلَ القَبضِ على حِسابِ المُشتَرِي، إلَّا إنْ منَعه البائِعُ مِنْ قبَضه، فعَلَيه ضَمانُه، كالغاصِبِ، واحتَجُّوا بحَديثِ: «الخَراجُ بالضَّمانِ» (٢).

وأمَّا إذا كانَ التَّلَفُ بفِعلِ البائِعِ فإنَّ حُكمَه كالتَّلَفِ بآفةٍ سَماويَّةٍ عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ (٣).

(١) حَسَنٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٥٠٤)، والترمذي (١٢٣٤)، والنسائي (٤٦٣٠)، وغيرهم.
(٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٣٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٤٢)، و «حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٣، ٢٥٢)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٦٥)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٨٢)، و «المغني» (٦/ ١٨١، ١٨٢).
(٣) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٣٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٤٢)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٦٧).

وذهَب الحَنابِلةُ في المَبيعِ إذا كانَ مَكيلًا أو مَوزونًا أو نَحوَهما إلى أنَّ المُشتَريَ بالخِيارِ، إنْ شاءَ فسَخ البَيعَ، وأخَذ الثَّمنَ الذي دَفَعَه إنْ كانَ، ولِلبائِعِ مُطالَبةُ مُتلِفِه ببَدَلِه، أي: بمِثلِه، إنْ كانَ مِثلِيًّا، وإلَّا فبِقيمَتِه؛ لأنَّه لمَّا فسَخ المُشتَرِي عادَ المِلْكُ لِلبائِعِ، فكانَ له الطَّلَبُ على المُتلِفِ، وإنْ شاءَ أمْضى البَيعَ، ويَنقُدُ لِلبائِعِ الثَّمنَ إنْ كانَ لَم يَدفَعْه، ويُطالِبُ المُشتَرِي مُتلِفَه، بائِعًا كانَ أو أجنبيًّا، بمِثلِه، إنْ كانَ مِثليًّا، وإلَّا فبِقيمَتِه؛ لأنَّ الإتلافَ كالعَيبِ، وقد حصَل في مَوضِعٍ يَلزَمُ البائِعَ ضَمانُه؛ فكانَ لِلمُشتَري الخيارُ، كالعَيبِ في المَبيعِ، وفارَقَ ما إذا كانَ بآفةٍ سَماويَّةٍ؛ لأنَّه لَم يُوجَدْ ما يَقتَضي الضَّمانَ، بخِلافِ ما إذا أتلَفَه آدَميٌّ، فإنَّ إتلافَه يَقتَضي الضَّمانَ بالبَدَلِ، وحُكمُ العَقدِ يَقتَضي الضَّمانَ بالثَّمنِ؛ فكانَتِ الخِيَرةُ لِلمُشتَرِي في التَّضمينِ بأيِّهما شاءَ.

أمَّا إذا لَم يَكُنِ المَبيعُ مَكيلًا أو مَوزونًا أو نَحوَهما، لَم يَنفَسِخِ البَيعُ عندَهم، ويُطالِبُ المُشتَرِي البائِعَ بالقِيمةِ (١). وهذا قَولٌ مَرجوحٌ عندَ الشافِعيَّةِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إنْ تلِف المَبيعُ مِنْ ذلك قبلَ قَبضِه بآفةٍ سَماويَّةٍ بطَل العَقدُ، ورجَع المُشتَرِي بالثَّمنِ، وإنْ تلِف بفِعلِ المُشتَرِي استَقَرَّ الثَّمنُ عليه، وكانَ كالقَبضِ؛ لأنَّه تَصرَف فيه.

وَإنْ أتلَفَه أجنَبيٌّ لَم يَبطُلِ العَقدُ على قِياسِ قَولِه في الجائِحةِ، ويثبُتُ لِلمُشتَرِي الخِيارُ بينَ الفَسخِ والرُّجوعِ بالثَّمنِ؛ لأنَّ التَّلَفَ حصَل في يَدِ البائِعِ، فهو كحُدوثِ العَيبِ في يَدِه، وبينَ البَقاءِ على العَقدِ ومُطالَبةِ المُتلِفِ بالمِثلِ إنْ كانَ مِثليًّا، وبِهذا قالَ الشافِعيُّ، ولا أعلَمُ فيه مُخالِفًا.

(١) «كشاف القناع» (٣/ ٢٨٣).

وإنْ أتلَفَه البائِعُ، قالَ أصحابُنا: الحُكمُ فيه كما لو أتلَفَه أجنَبيٌّ؛ لأنَّه أتلَفَه مَنْ يَلزَمُه ضَمانُه، فأشبَهَ ما لو أتلَفَه أجنَبيٌّ.

وقالَ الشافِعيُّ: يَنفَسِخُ العَقدُ ويَرجِعُ المُشتَرِي بالثَّمنِ لا غيرُ؛ لأنَّه تلِف، يَضمَنُه به البائِعُ؛ فكانَ الرُّجوعُ عليه بالثَّمنِ كالتَّلَفِ بفِعلِ اللَّهِ .

وفرَّق أصحابُنا بينَهما بكَونِه إذا تلِف بفِعلِ اللَّهِ لَم يُوجَدْ مُقتَضٍ لِلضَّمانِ سِوَى حُكمِ العَقدِ، بخِلافِ ما إذا أتلَفَه، فإنَّ إتلافَه يَقتَضي الضَّمانَ بالمِثْلِ، ولأنَّ حُكمَ العَقدِ يَقتَضي الضَّمانَ بالثَّمنِ؛ فكانَتِ الخِيَرةُ إلى المُشتَرِي في التَّضمينِ بأيِّهما شاءَ.

ولو تَعيَّبَ في يَدِ البائِعِ أو تلِف بَعضُه بأمْرٍ سَماويٍّ فالمُشتَرِي مُخيَّرٌ بينَ قَبولِه ناقِصًا ولا شَيءَ له، وبينَ فَسخِ العَقدِ والرُّجوعِ بالثَّمنِ؛ لأنَّه إنْ رَضيَه مَعيبًا فكَأنَّه اشتَرَى مَعيبًا هو عالِمٌ بعَيبِه، ولا يَستَحِقُّ شَيئًا مِنْ أجلِ العَيبِ، وإنْ فُسِخَ العَقدُ لَم يَكُنْ له أكثَرُ مِنْ الثَّمنِ، لأنَّه لو تلِف المَبيعُ كُلُّه لَم يَكُنْ له أكثَرُ مِنْ الثَّمنِ، فإذا تَعيَّبَ أو تلِف بَعضُه كانَ أوْلَى، وإنْ تَعيَّبَ بفِعلِ المُشتَرِي أو تلِف بَعضُه لَم يَكُنْ له فَسخٌ لِذلك؛ لأنَّه أتلَفَ مِلْكَه، فلَم يَرجِعْ على غيرِه.

وإنْ كانَ ذلك بفِعلِ البائِعِ فقياسُ قَولِ أصحابِنا أنَّ المُشتَريَ مُخيَّرٌ بينَ الفَسخِ والرُّجوعِ بالثَّمنِ، وبينَ أخْذِه والرُّجوعِ على البائِعِ بعِوَضِ ما أُتلِفَ، أو عِيبَ، وقياسُ قَولِ الشافِعيِّ أنْ يَكونَ بمَنزِلةِ ما لو تلِف بفِعلِ اللَّهِ ، وإنْ كانَ بفِعلِ أجنَبيٍّ فلَه الخِيارُ بينَ الفَسخِ والمُطالَبةِ بالثَّمنِ، وبينَ أخْذِ المَبيعِ ومُطالَبةِ المُتلِفِ بعِوَضِ ما أُتلِفَ (١).

(١) «المغني» (٤/ ٨٧، ٩١)، و «الكافي» (٢/ ٢٧)، و «المبدع» (٤/ ١١٨)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ١٤٣)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٥٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٢٣٠، ٢٣٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٨٠، ٢٨٥)، وينظر: و «شرح مسلم» (١٠/ ١٦٩، ١٧٠)، و «طرح التثريب» (٦/ ٩٧، ١٠٠)، وباقي المصادر السابقة.

وفرَّق المالِكيَّةُ بينَ أنْ يَكونَ البَيعُ على البَتِّ، أو على الخِيارِ، وبينَ أنْ يَكونَ عَمدًا أو خَطأً؛ فإذا كانَ البَيعُ على البَتِّ فإتلافُ البائِعِ يُوجِبُ الغُرمَ لِلمُشتَرِي، كانَ الضَّمانُ مِنه أو مِنْ البائِعِ، وسَواءٌ أكانَ الإتلافُ عَمدًا أم خَطأً (١).

وإذا كانَ البَيعُ على الخيارِ؛ فالخيارُ إمَّا أنْ يَكونَ لِلبائِعِ أو لِلمُشتَرِي؛ فإذا كانَ الخيارُ لِلبائِعِ انفسخَ البَيعُ، سَواءٌ أكانَ الإتلافُ عَمدًا أو خَطأً.

وإذا كانَ الخيارُ لِلمُشتَرِي، وكانَ إتلافُ البائِعِ لِلمَبيعِ عَمدًا ضمِن البائِعُ لِلمُشتَرِي الأكثَرَ مِنْ الثَّمنِ، أو القِيمةِ؛ لأنَّ لِلمُشتَرِي أنْ يَختارَ الرَّدَّ إنْ كانَ الثَّمنُ أكثَرَ، أو الإمضاءَ إنْ كانَتِ القِيمةُ أكثَرَ.

وَأمَّا إذا كانَ إتلافُ البائِعِ لِلمَبيعِ خَطَأً فيَنفَسِخُ البَيعُ (٢).

وإذا تلِف كلُّ المَبيعِ بفِعلِ المُشتَري لا يَنفَسِخُ البَيعُ، وعليه الثَّمنُ؛ لأنَّه بالإتلافِ صارَ قابِضًا كُلَّ المَبيعِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُه إتلافُه إلَّا بعدَ إثباتِ يَدِه عليه، وهو مَعنَى القَبضِ، فيَتقرَّرُ عليه الثَّمنُ، سَواءٌ أكانَ البَيعُ باتًّا أم بالخيارِ، عندَ الشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ.

(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» و «حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٣، ٢٥٢)، و «بلغة السالك» (٢/ ١٤١، ١٤٣).
(٢) «حاشية الدسوقي» (٣/ ١٠٥).

وقَصَرَ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ الحُكمَ السَّابِقَ على البَيعِ الباتِّ، أو بشَرطِ الخِيارِ لِلمُشتَرِي؛ لأنَّ خِيارَ المُشتَرِي لا يَمنَعُ زَوالَ البَيعِ عن مِلكِ البائِعِ، بلا خِلافٍ؛ فلا يَمنَعُ صِحَّةَ القَبضِ؛ فلا يَمنَعُ تَقرُّرَ الثَّمنِ.

فإنْ كانَ البَيعُ بشَرطِ الخِيارِ لِلبائِعِ ذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ عليه ضَمانَ مِثلِه إنْ كانَ له مِثْلٌ، وقِيمَتِه إنْ لَم يَكُنْ له مِثْلٌ؛ لأنَّ خِيارَ البائِعِ يَمنَعُ زَوالَ السِّلعةِ عن مِلْكِه، بلا خِلافٍ؛ فكانَ المَبيعُ على حُكمِ مِلْكِ البائِعِ، ومِلْكُه مَضمونٌ بالمِثْلِ أو القِيمةِ.

وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّ المُشتَريَ يَضمَنُ الأكثَرَ مِنْ الثَّمنِ والقِيمةِ؛ لأنَّه إذا كانَ الثَّمنُ أكثَرَ كانَ لِلبائِعِ أنْ يُجيزَ البَيعَ في زَمَنِ الخِيارِ؛ لِمَا له فيه مِنْ الخِيارِ، وإنْ كانَتِ القِيمةُ أكثَرَ مِنْ الثَّمنِ فلِلبائِعِ أنْ يَرُدَّ البَيعَ؛ لِمَا له فيه مِنْ الخِيارِ، ويَأخُذَ القِيمةَ، لا فَرقَ في ذلك بينَ أنْ يَكونَ التَّلَفُ عَمدًا أو خَطَأً، إلَّا أنْ يَحلِفَ المُشتَرِي أنَّه ضاعَ بغيرِ تَفريطٍ أو تلِف بغيرِ سَبَبِه؛ فإنَّه يَضمَنُ الثَّمنَ دونَ التِفاتٍ إلى القِيمةِ، وهذا إذا كانَتِ القِيمةُ أكثَرَ مِنْ الثَّمنِ؛ فإنْ كانَ الثَّمنُ أكثَرَ مِنْ القِيمةِ أو مُساويًا لَها ضِمنَ الثَّمنِ مِنْ غيرِ يَمينٍ (١).

وإذا كانَ التَّلَفُ بفِعلِ أجنَبيٍّ فَعليه ضَمانُه بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ، سَواءٌ أكانَ الإتلافُ عَمدًا أم خَطأً؛ لأنَّه أتَلَفَ مالًا مَملوكًا لِغيرِه بغيرِ إذْنِه، ولا يَدَ له عليه؛ فيَكونُ مَضمونًا عليه ببَدَلِه، أي: بمِثلِه، إنْ كانَ مِثليًّا، وإلَّا فبقِيمَتِه.

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٣٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٤٢)، و «حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٣، ٢٥٢)، و «بلغة السالك» (٣/ ١٤١، ١٤٣)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٦٦)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٨٠، ٢٨٤)، و «المغني» (٦/ ١٨١، ١٨٢).

وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ إلى أنَّ المُشتَريَ بالخِيارِ إنْ شاءَ فسَخ البَيعَ وأخَذ الثَّمنَ الذي دَفَعَه، إنْ كانَ، ولِلبائِعِ مُطالَبةُ مُتلِفِه ببَدَلِه، أي: بمِثلِه إنْ كانَ مِثليًّا، وإلَّا فبقِيمَتِه؛ لأنَّه لمَّا فسَخ المُشتَري عادَ المِلْكُ لِلبائِعِ، فكانَ له الطَّلَبُ على المُتلِفِ، وإنْ شاءَ أمْضى البَيعَ، ويَنقُدُ لِلبائِعِ الثَّمنَ إنْ كانَ لَم يَدفَعْه، ويُطالِبُ المُشتَرِي مُتلِفَه البائِعَ بمِثلِه إنْ كانَ مِثليًّا، وإلَّا فبقِيمَتِه؛ لأنَّ الإتلافَ كالعَيبِ، وقد حصَل في مَوضِعٍ يَلزَمُ البائِعَ فيه ضَمانُه؛ فكانَ لِلمُشتَرِي الخِيارُ، كالعَيبِ في المَبيعِ، وفارَقَ ما إذا كانَ بآفةٍ سَماويَّةٍ؛ لأنَّه لَم يُوجَدْ ما يَقتَضي الضَّمانَ بخِلافِ ما إذا أتلَفَه آدَميٌّ، فإنَّ إتلافَه يَقتَضي الضَّمانَ بالبَدَلِ، وحُكمُ العَقدِ يَقتَضي الضَّمانَ بالثَّمنِ، فكانَتِ الخِيَرةُ لِلمُشتَرِي في التَّضمينِ بأيِّهما شاءَ؛ فإنْ شاءَ فسَخ البَيعَ، فيَعودُ المَبيعُ إلى مِلْكِ البائِعِ، فيَتبَعُ الجانيَ فيَضمَنُه، وإنْ شاءَ اختارَ البَيعَ فاتَّبَعَ الجانيَ بالضَّمانِ، وأتبَعَه البائِعُ بالثَّمنِ.

وذهَب الحَنابِلةُ إلى مِثلِ قَولِ الجُمهورِ إذا كانَ المَبيعُ مَكيلًا أو مَوزونًا أو نَحوَهما.

فإنْ لَم يَكُنْ كذلك هلَك على حِسابِ المُشتَرِي ويُتبَعُ المُتلِفُ بالضَّمانِ (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٣٨، ٢٣٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٤٢)، و «حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٣، ٢٥٢)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ١٥٩، ١٦٢)، و «منح الجليل» (٥/ ٢٣٦) وما بعدها، و «مغني المحتاج» (٢/ ٦٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٨٢، ٢٨٣)، و «المغني» (٦/ ١٨١، ١٨٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب البيع قبل القبض

باب البيع قبل القبض

مَسْأَلَةٌ:

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ " وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُكْتَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرَأْيِهِ وَلَا أَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَإِذَا نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُقْبَضَ لِأَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْبَائِعِ وَلَمْ يَتَكَامَلْ لِلْمُشْتَرِيَ فِيهِ تَمَامُ مِلْكٍ فَيَجُوزُ بِهِ الْبَيْعُ كَذَلِكَ قِسْنَا عَلَيْهِ بَيْعَ الْعُرُوضِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَرِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: كُلُّ مَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.

وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِطَعَامٍ مَأْكُولٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَبِهِ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ قَبْلَ قَبْضِهِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 346 - 352

ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله