بيع الذمي الخمر

الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > بيع الذمي الخمر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

بيع الذمي الخمر - الأقوال والأدلة

مِنْ المَيْتةِ والدَّمِ والعُذرةِ والبَولِ، وذلك هو المَعنَى الذي مُثِّلَ به بائِعُ الخَمرِ وآكِلُ ثَمَنِها، بالبائِعِ مِنْ اليَهودِ الشُّحومَ وآكِلِ أثمانِها؛ إذ كانَتِ الشُّحومُ يَحرُمُ أكلُها على اليَهودِ، نَجِسةً عندَهم نَجاسةَ الخَمرِ والمَيْتةِ في دِينِنا؛ فكانَ بائِعُها مِنهم وآكِلُ ثَمَنِها نَظيرَ بائِعِ الخَمرِ والخِنزيرِ مِنَّا، وآكِلِ ثَمَنِها؛ فالواجِبُ أنْ يَكونَ كلُّ ما كانَ نَجِسًا حَرامًا بَيعُه وشِراؤُه وأكْلُ ثَمَنِه، وكُلُّ ما حُرِّمَ أكْلُه وهو طاهِرٌ فحَلالٌ بَيعُه وشِراؤُه، والِانتِفاعُ به فيما لَم يَحظُرِ اللَّهُ الِانتِفاعَ به؛ فبانَ الفَرقُ بينَهما (١).

بَيعُ الذِّمِّيِّ الخَمرَ:

اختلَف الفُقهاءُ في أهلِ الذِّمَّةِ، هل يَجوزُ لَهم بَيعُ الخَمرِ أو لا يَجوزُ، كالمُسلِمينَ؟ على قَولَيْنِ لِلفُقهاءِ:

القَولُ الأوَّلُ: وهو مَذهبُ الحَنفيَّةِ أنَّه يَجوزُ لَهم بَيعُها.

قالَ الإمامُ الجَصَّاصُ رحمة الله عليه: قالَ أصحابُنا: أهلُ الذِّمَّةِ مَحمولونَ في البُيوعِ والمَواريثِ وسائِرِ العُقودِ على أحكامِ الإسلامِ، كالمُسلِمينَ، إلَّا في بَيعِ الخَمرِ والخِنزيرِ؛ فإنَّ ذلك جائِزٌ فيما بينَهم؛ لأنَّهم مُقَرُّونَ على أنْ تَكونَ مالًا لَهم … وما عَدَا ذلك فهو مَحمولٌ على أحكامِنا (٢)، ومِثلُه ما قالَه الإمامُ السَّرخَسيُّ في المَبسوطِ، وصرَّح به الكاسانيُّ في البَدائِعِ، حيثُ قالَ: كلُّ ما جازَ مِنْ بُيوعِ المُسلِمينَ جازَ مِنْ بُيوعِ أهلِ الذِّمَّةِ، وما يَبطُلُ أو يَفسُدُ مِنْ

(١) «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٣٤٥، ٣٤٦).
(٢) «أحكام القرآن» للجصاص (٤/ ٨٩)، وانظر: «ابن عابدين» (٣/ ٢٧٦).

بُيوعِ المُسلِمينَ يَبطُلُ ويَفسُدُ مِنْ بُيوعِهم، إلَّا الخَمرَ والخِنزيرَ (١).

وقالَ الكاسانيُّ أيضًا: فأمَّا أهلُ الذِّمَّةِ فلا يُمنَعونَ مِنْ بَيعِ الخَمرِ والخِنزيرِ، أمَّا على قَولِ بَعضِ مَشايِخِنا فلأنَّه مُباحٌ الِانتِفاعُ بهما شَرعًا لَهم، كالخَلِّ وكالشاةِ لَنا؛ فكانَ مالًا في حَقِّهم، فيَجوزُ بَيعُه.

ورُويَ عن سَيِّدِنا عمرَ بنِ الخطَّابِ رضي الله عنه أنَّه كتَب إلى عُشَّارِه بالشامِ: «أن وَلُّوهم بَيعَها، وخُذوا العُشرَ مِنْ أثمانِها» (٢)، ولو لَم يَجُزْ بَيعُ الخَمرِ مِنهم لَما أمَرَهم بتَولِيَتِهم البَيعَ.

وعن بَعضِ مَشايِخِنا حُرمةُ الخَمرِ والخِنزيرِ ثابِتةٌ على العُمومِ في حَقِّ المُسلِمِ والكافِرِ؛ لأنَّ الكُفَّارَ مُخاطَبونَ بشَرائِعَ هي حُرُماتٌ، هو الصَّحيحُ مِنْ مَذهبِ أصحابِنا، فكانَتِ الحُرمةُ ثابِتةً في حَقِّهم، لكنَّهم لا يُمنَعونَ من بَيعِها؛ لأنَّهم لا يَعتَقِدونَ حُرمَتها، ويَتمَوَّلونها، ونحن أُمِرْنا بتَركِهم وما يَدينونَ.

ولو باعَ ذِمِّيٌّ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمرًا أو خِنزيرًا ثم أسلَما، أو أسلَمَ أحَدُهما قبلَ القَبضِ يُفسَخُ البَيعُ؛ لأنَّه بالإسلامِ حُرِّمَ البَيعُ والشِّراءُ، فيَحرُمُ القَبضُ والتَّسليمُ أيضًا؛ لأنَّه يُشبِهُ الإنشاءَ، أو إنشاءً مِنْ وَجْهٍ فيُلحَقُ به في بابِ الحُرُماتِ احتياطًا (٣).

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ١٩٢)، «المبسوط» للسرخسي (١٠/ ٨٤).
(٢) رواه أبو عبيد في «الأموال» (١/ ٦٢) بإسناد جيد.
(٣) «البدائع» (٥/ ١٤٣). و «المبسوط» (١١/ ١٠٢).

وقالَ الزَّيلَعيُّ رحمة الله عليه: والذِّمِّيُّ كالمُسلِمِ في بَيعِ غيرِ الخَمرِ، والخِنزيرِ … أمَّا في الخَمرِ والخِنزيرِ فإنَّ عَقدَهم فيهما كعَقدِ المُسلِمِ على العَصيرِ، والشاةِ، فيَجوزُ فيهما ما جازَ فيهما مِنه مِنْ السَّلَمِ وغيرِه، ولا يَجوزُ ما لا يَجوزُ؛ لأنَّهما أموالٌ نَفيسةٌ عندَهم، فيُلحَقانِ بنَظيرِهما مِنْ أموالِنا؛ وهذا لأنَّا أُمِرْنا بأنْ نَترُكَهم وما يَعتَقِدونَ، وما بَذَلوا الجِزيةَ إلَّا لِذلك، ولِهذا قالَ عمرُ رضي الله عنه في الخَمرِ: «وَلُّوهم بَيعَها وخُذوا العُشرَ مِنْ أثمانِها»، والصَّحابةُ مُتوافِرونَ، ولَم يُعرَفْ له مُخالِفٌ، فصارَ إجماعًا (١).

القَولُ الثَّاني: وهو قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ أنَّه يَحرُمُ بَيعُها أيضًا بينَ أهلِ الذِّمَّةِ.

قالَ الإمامُ الشافِعيُّ في «الأُمِّ»: تَبطُلُ بينَهمُ البُيوعُ التي تَبطُلُ بينَ المُسلِمينَ كُلُّها؛ فإذا مَضَتْ واستُهلِكَتْ لَم نُبطِلْها، وقالَ: فإنْ جاءَ رَجُلانِ مِنهم قد تَبايَعا خَمرًا ولَم يَتقابَضاها أبطَلْنا البَيعَ، وإنْ تُقابِضاها لَم نَرُدَّه؛ لأنَّه قد مَضَى (٢).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: ذَكَرْنا أنَّ بَيعَ الخَمرِ باطِلٌ، سَواءٌ باعَها مُسلِمٌ أو ذِمِّيٌّ، أو تَبايَعَها ذِمِّيَّانِ، أو وكَل المُسلِمُ ذِمِّيًّا في شِرائِها لَه؛ فكلُّه باطِلٌ بلا خِلافٍ عندَنا، وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ أنْ يُوكِّلَ المُسلِمُ ذِمِّيًّا في بَيعِها وشِرائِها، وهذا فاسِدٌ مُنابِذٌ لِلأحاديثِ الصَّحيحةِ في النَّهيِ عن بَيعِ الخَمرِ.

(١) «تبيين الحقائق» (٤/ ١٢٦).
(٢) «الأم» للشافعي (٤/ ٢١١).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[باب في بيان حقيقة وأحكام الرهن]

(بَابٌ) الرَّهْنُ بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ، أَوْ غَرَرًا، وَلَوْ اُشْتُرِطَ

ــ

منح الجليل

بَابٌ فِي بَيَان حَقِيقَة وَأَحْكَام الرَّهْن

بَابُ)

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب البيع الفاسد

باب البيع الفاسد

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " إِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهَا أَوْ عَلَى أَنْ لَا خَسَارَةَ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهَا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الشَّرْطَ فِي الْبَيْعِ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ إِذَا اقْتَرَنَ بِالْعَقْدِ فَأَمَّا إِنْ تَقَدَّمَهُ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ شَرْطًا وَإِنَّمَا يَكُونُ وَعْدًا أَوْ خَبَرًا. وَالشُّرُوطُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالْعَقْدِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: مَا كَانَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَوَاجِبَاتِهِ كَاشْتِرَاطِ تَعْجِيلِ الثَّمَنِ وَسَلَامَةِ الْمَبِيعِ وَضَمَانِ الدَّرْكِ فَهَذِهِ الشُّرُوطُ وَاجِبَةٌ بِالْعَقْدِ وَاشْتِرَاطُهَا تَأْكِيدٌ فِيهِ وَالْعَقْدُ لَازِمٌ بِهَا.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ وَمُبَاحَاتِهِ كَاشْتِرَاطِ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ وَتَأْجِيلِ الثَّمَنِ وَخِيَارِ الثَّلَاثِ فَهَذَا وَمَا شَاكَلَهُ لَازِمٌ بِالشَّرْطِ دُونَ الْعَقْدِ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْعَقْدِ لَا يَقْتَضِيهِ وَاشْتِرَاطَهُ فِي الْعَقْدِ لَا يُنَافِيهِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 234 - 236

ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله