بيع الطعام قبل أن يستوفى

الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > بيع الطعام قبل أن يستوفى

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 37 دقيقة قراءة

بيع الطعام قبل أن يستوفى - الأقوال والأدلة

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رضي الله عنه: وأمَّا النَّهيُ عن بَيعِ المُعاوَمةِ وهو بَيعُ السِّنينِ، فمَعناه أنْ يَبيعَ ثَمَرَ الشَّجَرةِ سَنَتَيْنِ، أو ثَلاثًا، أو أكثَرَ، فيُسَمَّى بَيعَ المُعاوَمةِ وبَيعَ السِّنينِ، وهو باطِلٌ بالإجماعِ، نقَل الإجماعَ فيه ابنُ المُنذِرِ وغيرُه لِهذه الأحاديثِ، ولأنَّه بَيعُ غَرَرٍ؛ لأنَّه بَيعُ مَعدومٍ ومَجهولٍ، غيرِ مَقدورٍ على تَسليمِه، وغيرُ مَملوكٍ لِلعاقِدِ (١).

وقالَ في «المَجموعِ»: فبَيعُ المَعدومِ باطِلٌ؛ بالإجماعِ، ونقَل ابنُ المُنذِرِ وغيرُه إجماعَ المُسلِمينَ على بُطلانِ بَيعِ الثَّمرةِ سَنَتَيْنِ، ونَحوَ ذلك (٢).

بَيعُ الطَّعامِ قبلَ أنْ يُستَوفَى:

أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه لا يَجوزُ لِمَنِ اشتَرَى طَعامًا أنْ يَبيعَه قبلَ قَبضِه حتى يَستَوفيَه؛ لقولِه : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه»، وفي رِوايةٍ: «حتى يَقبِضَه»، فعَن طاووسٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللَّهِ نهَى أنْ يَبيعَ الرَّجُلُ طَعامًا حتى يَستَوفيَه. قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: كيفَ ذاكَ؟ قالَ: ذاكَ دَراهِمُ بدَراهِمَ والطَّعامِ مُرجَأً (٣)، ووَجْهُ الدِّلالةِ

(١) «شرح مسلم» (١٠/ ١٩٣).
(٢) «المجموع» (٩/ ٢٤٥).
(٣) رواه البخاري (٢٠٢٥)، ومسلم (١٥٢٦) قال الحافِظُ ابنُ حجرٍ في «فتح الباري» (٤/ ٣٤٩، ٣٥٠): مَعناهُ أنَّه استفهَم عن سَببِ هذا النَّهي، فأجابَه ابنُ عَباسٍ بأنَّه إذا باعَه المُشترَى قبلَ القَبضِ وتأخَّر المَبيعُ في يدِ البائعِ فكأنَّه باعَه دراهِمَ بدارهمَ، ويبيَّن ذلك ما وقعَ في رِوايةِ سُفيانَ، عن ابنِ طاوسٍ عندَ مُسلمٍ، قال طاوسٌ: قلتُ لابن عباسٍ: لم قال ألا تراهم يتبايعون بالذهبِ والطَّعامِ مرجًا، أي فإذا اشترَى طَعامًا بمِائةِ دينارٍ مثلًا ودفعَها للبائعِ ولم يقبضْ منه الطَّعام، ثم باعَ الطَّعامَ لآخرَ بمائةٍ وعشرينَ دِينارًا وقبضَها والطعامُ في يدِ البائعِ، فكأنَّه باعَ مِائةَ دِينارٍ بمائةٍ وعِشرينَ دِينارًا، وعلى هذا التَّفسيرِ لا يختصُّ النَّهيُ بالطَّعامِ، ولذلك قال ابنُ عَباسٍ: لا أحسبُ كلَّ شيءٍ إلا مثلَه. ويؤيِّدُه حَديثُ زَيدِ بنِ ثابتٍ: نهَى رَسولُ اللهِ أن تُباعَ السِّلعُ حيثُ تُبتاعُ حتى يَحوزَها التُّجارُ إلى رِحالهم. أخرجه أبو داود وصححه ابن حِبَّان.

أنَّه عبَّر عنِ المَنعِ مِنْ البَيعِ قبلَ استِيفاءِ المَبيعِ؛ فإذا استَوفَى جازَ البَيعُ.

وعَن سالِمٍ عن أبيه رضي الله عنه قالَ: رأيتُ الذين يَشتَرونَ الطَّعامَ مُجازَفةً يُضرِبونَ على عَهدِ رَسولِ اللَّهِ أنْ يَبيعوه حتى يُؤووه إلى رِحالِهم (١).

وعَن عَبدِ اللَّهِ بنِ دِينارٍ قالَ: سَمِعتُ ابنَ عمرَ رضي الله عنه يَقولُ: قالَ النَّبيُّ : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَقبِضَه» (٢).

وفي رِوايةٍ: «مَنِ اشتَرَى طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه ويَقبِضَه» (٣).

والقَبضُ والِاستِيفاءُ سَواءٌ، ولا يَكونُ ما بِيعَ مِنْ الطَّعامِ على الكَيلِ والوَزنِ مَقبوضًا إلَّا كَيلًا أو وَزنًا، وهذا ما لا خِلافَ بينَ جَماعةِ العُلماءِ فيه.

قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ولَم يَختلِفِ العُلماءُ في كلِّ ما يُكالُ أو يُوزَنُ مِنْ الطَّعامِ كُلِّه والآدامِ أنَّه لا يَجوزُ بَيعُه لِمَنِ ابتاعَه على الكَيلِ والوَزنِ حتى يَقبِضَه كَيلًا أو وَزنًا (٤).

(١) رواه البخاري (٢٠٢٤).
(٢) رواه البخاري (٢٠٢٦)، ومسلم (١٥٢٦).
(٣) رواه مسلم (١٥٢٦).
(٤) «الاستذكار» (٦/ ٣٧٢)، و «التمهيد» (١٣/ ٣٢٥).

وقالَ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ أنَّ كُلَّ ما يُكالُ أو يُوزَنُ مِنْ الطَّعامِ كُلِّه -مُقتاتًا كانَ أو غيرَ مُقتاتٍ-، وكذلك الإدامُ والمِلحُ والكُسبُرةُ وزَرِّيعةُ الفُجلِ الذي فيه الزَّيتُ المَأْكولُ؛ فلا يَجوزُ بَيعُ شَيءٍ مِنه قبلَ قَبضِه (١).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وقالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ اشتَرَى طَعامًا فليسَ له أنْ يَبيعَه حتى يَستَوفيَه (٢).

وقالَ الإمامُ الخطَّابيُّ رحمة الله عليه: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ الطَّعامَ لا يَجوزُ بَيعُه قبلَ القَبضِ، واختَلَفوا فيما عَداه (٣).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا بَيعُ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه فإنَّ العُلماءَ مُجمِعونَ على مَنعِ ذلك، إلَّا ما يُحكَى عن عُثمانَ البَتِّيِّ.

وإنَّما أجمَعَ العُلماءُ على ذلك لِثُبوتِ النَّهيِ عنه عن رَسولِ اللَّهِ مِنْ حَديثِ مالِكٍ عن نافِعٍ عن عَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللَّهِ قالَ: «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَقبِضَه» (٤).

وقالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ الطَّعامَ إذا اشتُرِيَ مُكايَلةً أو مُوازَنةً أو مُعادَدةً؛ لا يَجوزُ لِمَنِ اشتَراه أنْ يَبيعَه مِنْ آخَرَ أو يُعاوِضَ به حتى يَقبِضَ الأوَّلَ، وأنَّ القَبضَ شَرطٌ في صِحَّةِ هذا البَيعِ (٥).

(١) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٢٦٢).
(٢) «المغني» (٤/ ٨٨).
(٣) «معالم السنن» (٣/ ١١٥).
(٤) «بداية المجتهد» (٢/ ١٠٨).
(٥) «الإفصاح» (١/ ٣٨٤).

وعِلَّةُ تَحريمِ بَيعِ السِّلَعِ قبلَ قَبضِها أنَّ البائِعَ إذا باعَها ولَم يَقبِضْها المُشتَرِي فإنَّها تَبقَى في ضَمانِه؛ فإذا هَلَكتْ كانَتْ خَسارَتُها عليه دونَ المُشتَرِي -كما سَيَأتي- فإذا باعَها المُشتَرِي في هذه الحالةِ ورَبِحَ فيها كانَ رابِحًا لِشَيءٍ لَم يَتحمَّلْ فيه تَبِعةَ الخَسارةِ، وقد نهَى النَّبيُّ عن بَيعِ ما لَم يُضمَنْ، كما أنَّ المُشتَريَ الذي باعَ ما اشتَراه قبلَ قَبضِه يُماثِلُ مَنْ دَفَعَ مَبلَغًا مِنْ المالِ إلى آخَرَ لِيأخُذَ في نَظيرِه مَبلَغًا أكثَرَ مِنه، إلَّا أنَّ هذا أرادَ أنْ يَحتالَ على تَحقيقِ قَصدِه بإدخالِ السِّلعةِ بينَ العَقدَيْنِ، فيَكونُ ذلك أشبَهَ بالرِّبا، وقد فَطِنَ إلى هذا ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه حينَما سُئلَ عن سَبَبِ النَّهيِ عن بَيعِ ما لَم يُقبَضْ، كما رَوى البُخاريُّ عن طاوُسٍ عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللَّهِ نهَى أنْ يَبيعَ الرَّجُلُ طَعامًا حتى يَستَوفيَه. قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: كيفَ ذاكَ؟ قالَ رضي الله عنه: ذاكَ دَراهِمُ بدَراهِمَ والطَّعامِ مُرجَأً (١)، استَفهَمَه عن سَبَبِ النَّهيِ، فأجابَه بأنَّه إذا باعَه المُشتَرِي قبلَ القَبضِ وتَأخَّرَ المَبيعُ في يَدِ البائِعِ فكَأنَّه باعَ دَراهِمَ بدَراهِمَ، ويُبيِّنُ ذلك ما أخرَجَه مُسلِمٌ عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ -لمَّا سَألَه طاوُسٌ-: ألَا تَراهُم يَبتاعونَ بالذَّهبِ والطَّعامِ مُرجَأً، وذلك لأنَّه إذا اشتَرَى طَعامًا بمِئةِ دِينارٍ ودَفَعَها لِلبائِعِ ولَم يَقبِضْ مِنه الطَّعامَ، ثم باعَ الطَّعامَ إلى آخَرَ بمِئةٍ وعِشرينَ مِثْلًا؛ فكَأنَّه اشتَرَى بذَهَبِه ذَهَبًا أكثَرَ مِنه، ولا يَخفَى أنَّ مثلَ هذه العِلَّةِ لا يَنطبِقُ على ما كانَ مِنْ التَّصرُّفاتِ بغيرِ عِوَضٍ، قالَ الشَّوكانيُّ: وهذا التَّعليلُ

(١) رواه البخاري (٢٠٢٥).

أجوَدُ ما عُلِّلَ به النَّهيُ؛ لأنَّ الصَّحابةَ أعرَفُ بمَقاصِدِ الرَّسولِ ، ولا شَكَّ أنَّ المَنعَ مِنْ كلِّ تَصرُّفٍ قبلَ القَبضِ مِنْ غيرِ فَرقٍ بينَ ما كانَ بعِوَضٍ، وما لا عِوَضَ فيه لا دَليلَ عليه إلَّا الإلحاقَ لِسائِرِ التَّصرُّفاتِ بالبَيعِ، وقد عَرَفتَ بُطلانَ إلحاقِ ما لا عِوَضَ فيه بما فيه عِوَضٌ، ومُجرَّدُ صِدقِ اسمِ التَّصرُّفِ على الجَميعِ لا يَجعَلُه عارِفٌ بعِلمِ الأُصولِ مُسوِّغًا لِلقياسِ (١).

وقالَ العينيُّ رحمة الله عليه: قَولُه -أي: في حَديثِ ابنِ عَبَّاسٍ السابِقِ-: قُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ، القائِلُ هو طاووسٌ. قَولُه: كيف ذاكَ، يَعني: كيفَ حالُ هذا البَيعِ؟ حتى نهَى عنه. قَولُه: قال: ذاك، أي: قالَ ابنُ عَبَّاسٍ: يَكونُ حالُ ذاكَ البَيعِ دَراهِمَ بدَراهِمَ والطَّعامِ غائِبًا، وهو مَعنَى: قَولِه: والطَّعامُ مُرجأُ، أي: مُؤخَّرٌ مُؤجَّلٌ، مَعناهُ: أنْ يَشتَريَ مِنْ إنسانٍ طَعامًا بدِرهَمٍ إلى أجَلٍ، ثم يَبيعَه مِنه، أو مِنْ غيرِه قبلَ أنْ يَقبِضَه بدِرهَمَيْنِ مِثْلًا؛ فلا يَجوزُ؛ لأنَّه في التَّقديرِ بَيعُ دِرهَمٍ بدِرهَمِ والطَّعامِ غائِبًا؛ فكَأنَّه قد باعَه دِرهَمَه الذي اشتَرَى به الطَّعامَ بدِرهَمَيْنِ؛ فهو رِبًا، لأنَّه بَيعُ غائِبٍ بناجِزٍ، فلا يَصحُّ، وقالَ ابنُ التِّينِ: قَولُ ابنِ عَبَّاسٍ: دَراهِمَ بدَراهِمَ، تَأوَّلَه عُلماءُ السَّلَفِ، وهو أنْ يَشتَريَ مِنه طَعامًا بمِئةٍ إلى أجَلٍ، ويَبيعَه مِنه قبلَ قَبضِه بمِئةٍ وعِشرينَ، وهو غيرُ جائِزٍ؛ لأنَّه في التَّقديرِ بَيعُ دَراهِمَ بدَراهِمَ والطَّعامِ مُؤجَّلًا غائِبًا. وقيلَ: مَعناه أنْ يَبيعَه مِنْ آخَرَ ويُحيلَه به (٢).

(١) «نيل الأوطار» (٥/ ٢٥٩).
(٢) «عمدة القاري» (١١/ ٢٥٠).

ثم اختلَف العُلماءُ في غيرِ الطَّعامِ، هل يَجوزُ بَيعُه قبلَ قَبضِه أو لا؟

فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ بَيعُ شَيءٍ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ مَنقولًا، أو غيرَ مَنقولٍ، كالعَقارِ قبلَ قَبضِه، كالطَّعامِ -إلَّا أبا حَنيفةَ وأبا يُوسفَ قالا: يَجوزُ بَيعُ الدُّورِ والأرضِ قبلَ قَبضِها-، وكذا لا يَجوزُ التَّصرُّفُ فيه برَهنٍ ولا هِبةٍ ولا صَدَقةٍ ولا إجارةٍ عندَهم جَميعًا، إلَّا عندَ مُحمَّدِ بنِ الحَسَنِ؛ فإنَّه يُجيزُ الهِبةَ والصَّدَقةَ والرَّهنَ به قبلَ القَبضِ.

فإنْ تلِف المَبيعُ قبلَ القَبضِ فهو مِنْ ضَمانِ البائِعِ، ولا يَجوزُ لِلمُشتَرِي التَّصرُّفُ فيه قبلَ القَبضِ.

واحتَجُّوا على ذلك بقَولِه : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه»، قالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: وأحسَبُ كُلَّ شَيءٍ مثلَه (١).

فقالوا: فهذا ابنُ عَبَّاسٍ لَم يَمنَعْه قَصدُ النَّبيِّ بالنَّهيِ إلى الطَّعامِ أنْ يُدخِلَ في ذلك النَّهيِ غيرَ الطَّعامِ.

وعن عَبدِ اللَّهِ بنِ عِصمةَ أنَّ حَكيمَ بنَ حِزامٍ رضي الله عنه قالَ: يا رَسولَ اللَّهِ، إنِّي أبيعُ بُيوعًا كَثيرةً، فما يَحِلُّ لي مِنها ممَّا يَحرُمُ عَلَيَّ؟ فقالَ : «لا تَبيعَنَّ ما لَم تَقبِضْ» (٢).

وعن ابنِ عمرَ رضي الله عنه قالَ: ابتَعتُ زَيتًا في السُّوقِ، فلمَّا استَوجَبتُه

(١) رواه مسلم (١٥٢٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد في «المسند» (١٥٣٥١)، والطبراني في «الكبير» (٣١٠١).

لِنَفْسي لَقِيَني رَجُلٌ، فأعطاني به رِبحًا حَسَنًا، فأرَدتُ أنْ أضرِبَ على يَدِه، فأخَذ رَجُلٌ مِنْ خَلفي بذِراعي، فالتَفَتُّ فإذا زَيدُ بنُ ثابِتٍ رضي الله عنه، فقالَ: لا تَبِعْه حيثُ ابتَعتَه حتى تَحوزَه إلى رَحلِكَ؛ فإنَّ رَسولَ اللَّهِ نهَى أنْ تُباعَ السِّلَعُ حيثُ تُبتاعُ حتى يَحوزَها التُّجَّارُ إلى رِحالِهم (١).

وعن ابنِ عمرَ رضي الله عنه قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ يَنهَى أنْ تُباعَ السِّلَعُ حيثُ تُشتَرَى حتى يَحوزَها الذي اشتَراها إلى رَحلِه، وإنْ كانَ لِيَبعَثُ رِجالًا فيَضرِبونَنا على ذلك (٢).

فهذه الأحاديثُ تَشمَلُ الطَّعامَ وغيرَه، وقد ورَد النَّهيُ عن بَيعِها قبلَ قَبضِها.

ولأنَّ فيه غَرَرَ انفِساخِ العَقدِ الأوَّلِ على اعتِبارِ هَلاكِ المَبيعِ قبلَ القَبضِ، فيَتبيَّنُ حينَئذٍ أنَّه باعَ مِلكَ الغيرِ بغيرِ إذْنِه، وذلك مُفسِدٌ لِلعَقدِ، وفي الصِّحاحِ أنَّه نهَى عن بَيعِ الغَرَرِ، والغَرَرُ ما طُوِيَ عَنْكَ عِلمُه.

ولِأبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ في جَوازِ بَيعِ العَقارِ أنَّ رُكنَ البَيعِ صدَر مِنْ

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٣٤٩٩)، والدارقطني (٣/ ١٣)، والحاكم في «المستدرك» (٢٢٧١)، وقال ابنُ القيِّمِ في «إعلام الموقعين» (٣/ ١٤٩): نهَى أن تُباعَ السِّلعُ حيثُ تُباعُ حتى تُنقلَ عن مَكانِها وما ذاكَ إلا أنَّه ذَريعةٌ إلى جَحدِ البائعِ البيعَ وعَدمُ إتمامِه إذا رأى المُشترِيَ قد ربِح فيها فيغُرُّه الطَّمعُ وتشحُّ نفسُه بالتَّسليمِ كما هو الواقِعُ، وأكدَّ هذا المَعنى بالنَّهيِ عن رِبحِ مَا لَم يضمَنْ، وهذا من مَحاسنِ الشَّريعةِ وألطفُ بابٍ لسدِّ الذَّرائعِ.
(٢) رواه الطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٨/ ١٨٨)، والحاكم في «المستدرك» (٢٢٧٠).

أهلِه في مَحَلِّه، وأنَّ المانِعَ المُثيرَ لِلنَّهيِ -وهو غَرَرُ الِانفِساخِ بالهَلاكِ- مُنتَفٍ؛ فإنَّ هَلاكَ العَقارِ نادِرٌ، والنَّادِرُ لا عِبرةَ به، ولا يُبنَى الفِقهُ باعتِبارِه، فلا يُمنَعُ الجَوازُ، وهذا لأنَّه لا يُتصوَّرُ هَلاكُه إلَّا إذا صارَ بَحرًا ونَحوَه، حتى لو كانَ على شَطِّ البَحرِ، أو كانَ المَبيعُ عُلُوًّا لا يَجوزُ بَيعُه قبلَ القَبضِ (١).

وقالَ المالِكيَّةُ: كلُّ مَبيعٍ مُتعيَّنٌ لا يَتعلَّقُ به حَقُّ تَوفيةِ كَيلٍ ووَزنٍ فبَيعُه قبلَ قَبضِه جائِزٌ مِنْ أيِّ الأصنافِ كانَ مِنْ العُروضِ أو مِنْ الحَيَوانِ والمَكيلِ والمَوزونِ سِوَى طَعامِ المُعاوَضةِ؛ فإنِ امتَنَعَ المُبتاعُ مِنْ القَبضِ مع قُدرَتِه على القَبضِ فهو مِنْ ضَمانِه، وإنْ تلِف قبلَ ذلك فهو مِنْ ضَمانِ المُشتَرِي؛ لقولِ النَّبيِّ : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَقبِضَهُ» (٢)؛ فالنَّبيُّ نهَى عن بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه خاصَّةً؛ فدَلَّ على أنَّ غيرَ الطَّعامِ ليسَ كالطَّعامِ، ولو لَم يَكُنْ كذلك ما كانَ في تَخصيصِ الطَّعامِ فائِدةٌ.

وقد أجمَعوا أنَّ مَنْ اشتَرَى جاريةً وأعتَقَها في تلك الحالةِ قبلَ قَبضِها، أنَّ عِتقَه جائِزٌ، وكذلك يَجوزُ له بَيعُها قبلَ قَبضِها (٣).

وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: إنَّ كُلَّ ما بِيعَ على الكَيلِ أو الوَزنِ أو العَدِّ

(١) ينظر: «المبسوط» (١٣/ ٨)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٣٨)، و «شرح مشكل الآثار» (٤/ ٣٩، ٤٠)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٥١٠، ٥١٣)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ١٠٩، ١١١)، و «اللباب» (١/ ٣٩٥، ٣٩٦)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٤٢).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: تقدم.
(٣) «التمهيد» (١٣/ ٣٣٢)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٠٨)، و «حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٣، ٢٥٢)، و «المجموع» (٩/ ٢١٥، ٢٥٨)، و «شرح مسلم» (١٠/ ١٦٩، ١٧٠)، و «طرح التثريب» (٦/ ٩٧، ١٠٠).

أو الذَّرعِ لا يَجوزُ التَّصرُّفُ فيه ببَيعٍ أو هِبةٍ أو إجارةٍ أو رَهنٍ أو حَوالةٍ حتى يَستَوفيَه؛ لقولِ النَّبيِّ : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه» (١).

فإنْ تلِف المَبيعُ قبلَ نَقلِه، فمِن ضَمانِ البائِعِ، ويَرجِعُ المُشتَرِي عليه.

وما ليسَ بمَكيلٍ ولا مَوزونٍ يَجوزُ بَيعُه قبلَ قَبضِه، وإنْ تلِف قبلَ قَبضِه فمِن ضَمانِ المُشتَرِي، لقولِه : «الخَراجُ بالضَّمانِ» (٢)، وهذا نَماؤُه لِلمُشتَرِي، فضَمانُه عليه، وهذا ما لَم يَمنَعْه البائِعُ مِنْ قَبضِه؛ فإنْ مَنعَه حتى تلِف ضمِنه ضَمانَ غَصبٍ (٣).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإذا وقَع البَيعُ على مَكِيلٍ أو على مَوزونٍ أو مَعدودٍ فتلِف قبلَ قَبضِه فهو مِنْ مالِ البائِعِ.

ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ أنَّ المَكيلَ والمَوزونَ والمَعدودَ لا تَدخُلُ في ضَمانِ المُشتَرِي إلَّا بقَبضِه، سَواءٌ كانَ مُتعيَّنًا، كالصُّبرةِ، أو غيرَ مُتعيَّنٍ، كقَفيزٍ مِنها، وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، ونَحوُه قَولُ إسحاقَ.

ورُويَ عن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ وسَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ والحَسَنِ والحَكَمِ

(١) رواه البخاري (٢١٢٦)، ومسلم (١٥٢٦).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٣٥٠٨)، والترمذي (١٢٨٥)، والنسائي (٤٤٩٠)، وابن ماجه (٢٢٤٢).
(٣) «المغني» (٤/ ٩١)، و «الكافي» (٢/ ٢٧)، و «المبدع» (٤/ ١١٨)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ١٤٣)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٥٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٢٣٠، ٢٣٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٨٠، ٢٨٥)، ويُنظر: و «شرح مسلم» (١٠/ ١٦٩، ١٧٠)، و «طرح التثريب» (٦/ ٩٧، ١٠٠)، وباقي المصادر السابقة.

وحَمَّادِ بنِ أبي سُلَيمانَ أنَّ كُلَّ ما بِيعَ على الكَيلِ والوَزنِ لا يَجوزُ بَيعُه قبلَ قَبضِه، وما ليسَ بمَكيلٍ ولا مَوزونٍ يَجوزُ بَيعُه قبلَ قَبضِه.

وقالَ القاضي وأصحابُه: المُرادُ بالمَكيلِ والمَوزونِ والمَعدودِ ما ليسَ بمُتعيَّنٍ مِنه، كالقَفيزِ مِنْ صُبرةٍ، والرِّطْلِ مِنْ زُبرةٍ، ومَكيلةِ زَيتٍ مِنْ دَنٍّ؛ فأمَّا المُتعيَّنُ فيَدخُلُ في ضَمانِ المُشتَرِي، كالصُّبرةِ يَبيعُها مِنْ غيرِ تَسميةِ كَيلٍ، وقد نُقِلَ عن أحمدَ ما يَدلُّ على قَولِهم؛ فإنَّه قالَ في رِوايةِ أبي الحارِثِ في رَجُلٍ اشتَرَى طَعامًا فطَلَبَ مَنْ يَحمِلُه، فرجَع وقد احتَرَقَ الطَّعامُ، فهو مِنْ مالِ المُشتَرِي، واستَدلَّ بحَديثِ ابنِ عمرَ رضي الله عنه: ما أدرَكَتِ الصَّفقةُ حَيًّا مَجموعًا فهو مِنْ مالِ المُشتَرِي، وذكَر الجوزَجانيُّ عنه فيمَنِ اشتَرَى ما في السَّفينةِ صُبرةً، ولَم يُسَمِّ كَيلًا، فلا بَأْسَ أنْ يُشرِكَ فيها ويَبيعَ ما شاءَ، إلَّا أنْ يَكونَ بينَهما كَيلٌ، فلا يُولِّي حتى يُكالَ عليه، ونَحوَ هذا قالَ مالِكٌ؛ فإنَّه قالَ: ما بِيعَ مِنْ الطَّعامِ مُكايَلةً أو مُوازَنةً لَم يَجُزْ بَيعُه قبلَ قَبضِه، وما بِيعَ مُجازَفةً أو بِيعَ مِنْ غيرِ الطَّعامِ مُكايَلةً أو مُوازَنةً جازَ بَيعُه قبلَ قَبضِه.

ووَجْهُ ذلك: ما رَوى الأوزاعيُّ عن الزُّهريِّ عن حَمزةَ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ أنَّه سَمِعَ عَبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ رضي الله عنه يَقولُ: مَضَتِ السُّنةُ أنَّ ما أدرَكَتْه الصَّفقةُ حَيًّا مَجموعًا فهو مِنْ مالِ المُبتاعِ، رَواه البُخاريُّ عنِ ابنِ عمرَ رضي الله عنه مِنْ قَولِه، تَعليقًا، وقَولُ الصَّحابيِّ: مَضَتِ السُّنةُ، يَقتَضي سُنَّةَ النَّبيِّ ، ولأنَّ المَبيعَ المُعيَّنَ لا يَتعلَّقُ به حَقُّ تَوفِيَتِه، فكانَ مِنْ مالِ المُشتَرِي، كغيرِ المَكيلِ والمَوزونِ.

ونُقِلَ عن أحمدَ أنَّ المَطعومَ لا يَجوزُ بَيعُه قبلَ قَبضِه، سَواءٌ كانَ مَكيلًا أو مَوزونًا أو لَم يَكُنْ، وهذا يَقتَضي أنَّ الطَّعامَ خاصَّةً لا يَدخُلُ في ضَمانِ المُشتَرِي حتى يَقبِضَه؛ فإنَّ التِّرمِذيَّ رَوى عن أحمدَ أنَّه أرخَصَ في بَيعِ ما لا يُكالُ ولا يُوزَنُ ممَّا لا يُؤكَلُ ولا يُشرَبُ قبلَ قَبضِه.

وقالَ الأثرَمُ: سَألتُ أبا عَبدِ اللَّهِ عن قَولِه: «نهَى عن رِبحِ ما لَم يُضمَنْ»، قالَ: هذا في الطَّعامِ وما أشبَهَه مِنْ مَأكولٍ أو مَشروبٍ، فلا يَبيعُه حتى يَقبِضَه.

قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: الأصَحُّ عن أحمدَ بنِ حَنبَلٍ رحمة الله عليه أنَّ الذي يُمنَعُ مِنْ بَيعِه قبلَ قَبضِه هو الطَّعامُ، وذلك لأنَّ النَّبيَّ نهَى عن بَيعِ الطَّعامِ قبلَ قَبضِه؛ فمَفهومُه إباحةُ بَيعِ ما سِواه قبلَ قَبضِه، ورَوى ابنُ عمرَ رضي الله عنه قالَ: رَأيتُ الذين يَشتَرونَ الطَّعامَ مُجازَفةً يُضرِبونَ على عَهدِ رَسولِ اللَّهِ أنْ يَبيعوه حتى يُؤووه إلى رِحالِهم، وهذا نَصٌّ في بَيعِ المُعيَّنِ، وعُمومُ قَولِه : «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه» مُتَّفقٌ عليه.

ولِمُسلِمٍ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنه قالَ: كُنا نَشتَري الطَّعامَ مِنْ الرُّكبانِ جُزافًا، فنَهانا رَسولُ اللَّهِ أنْ نَبيعَه حتى نَنقُلَه مِنْ مَكانِه.

وقالَ ابنُ المُنذِرِ: أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّ مَنْ اشتَرَى طَعامًا فليسَ له أنْ يَبيعَه حتى يَستَوفيَه.

ولو دخَل في ضَمانِ المُشتَرِي جازَ له بَيعُه والتَّصرُّفُ فيه، كما بعدَ القَبضِ، وهذا يَدلُّ على تَعميمِ المَنعِ في كلِّ طَعامٍ، مع تَنصيصِه على المَبيعِ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل علة طعام الربا]

(فَصْلٌ) عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا. اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ،

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب البيع قبل القبض

باب البيع قبل القبض

مَسْأَلَةٌ:

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ " وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُكْتَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرَأْيِهِ وَلَا أَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَإِذَا نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُقْبَضَ لِأَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْبَائِعِ وَلَمْ يَتَكَامَلْ لِلْمُشْتَرِيَ فِيهِ تَمَامُ مِلْكٍ فَيَجُوزُ بِهِ الْبَيْعُ كَذَلِكَ قِسْنَا عَلَيْهِ بَيْعَ الْعُرُوضِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَرِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: كُلُّ مَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.

وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِطَعَامٍ مَأْكُولٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَبِهِ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ قَبْلَ قَبْضِهِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
باب بيع الأصول والثمار

بابُ بَيْعِ الأُصُولِ والثِّمارِ

٧٢٠ - مسألة؛ قال أبو القَاسِمِ، رَحِمَهُ اللهُ: "وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا، وَهُوَ مَا قَدْ تَشَقَّقَ طَلْعُه، فالثَّمَرَةُ للبائِعِ مَتْرُوكَةً في النَّحْلِ إلى الجِزَازِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَها المُبْتَاعُ)

أصْلُ الإِبَارِ عند أهْلِ العِلْمِ: التَّلْقِيحُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: إلَّا أنَّه لا يكونُ حتى يَتَشَقَّقَ الطَّلْعُ، وتَظْهَرَ الثَّمَرَةُ، فَعُبِّرَ به عن ظُهُورِ الثَّمَرَةِ؛ لِلزُومِه منه. والحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بالظُّهُورِ، دون نَفْسِ التَّلْقِيحِ، بغيرِ اخْتِلافٍ بين العُلَمَاءِ، يُقال: أبرتُ النَّخْلَةَ بالتَّخْفيفِ والتَّشْديدِ، فهى مُؤَبَّرَةٌ ومَأْبُوَرةٌ. ومنه قولُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ" . والسِّكَّةُ: النَّخْلُ المَصْفوفُ. وأَبَرْتُ النَّخْلَةَ، آبُرُها، أَبْرًا، وإِبَارًا، وأَبَّرتُهَا تَأْبيرًا، وتَأَبَّرَتِ النَّخْلَةُ، وائْتَبَرَتْ، ومنه قولُ الشاعرِ:

* تَأَبَّرى يا خَيْرَةَ الفَسِيلِ *

وفَسَّرَ الخِرَقِيُّ المُؤَبَّرَ بما قد تَشَقَّقَ طَلْعُه؛ لِتَعَلُّقِ الحُكْمِ بذلك، دون نَفْسِ التَّأْبيرِ. قال القاضى: وقد يتشَقَّقُ الطَّلْعُ بنفْسِهِ فيظْهَرُ ، وقد يَشُقُّهُ الصَّعَّادُ فيَظْهَرُ. وأيُّهما كانَ فهو التَّأْبيرُ المُرادُ هاهُنا.

وفى هذه المَسْأَلَةِ فُصولٌ ثَلاثَةٌ:

الأول: أنَّ البَيْعَ متى وَقَعَ على نَخْلٍ مُثْمِرٍ، ولم يَشْتَرِطِ الثَّمَرةَ، وكانت

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 335 - 345

ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله