الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > تلف بعض المبيع قبل القبض
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 10 دقيقة قراءةتَلَفُ بَعضِ المَبيعِ قبلَ القَبضِ:
إذا تلِف بَعضُ المَبيعِ قبلَ القَبضِ بآفةٍ سَماويَّةٍ؛ فالمُشتَرِي بالخِيارِ بينَ فَسخِ العَقدِ والرُّجوعِ بالثَّمنِ، وبينَ قَبولِه ناقِصًا ولا شَيءَ له؛ لِقُدرَتِه على الفَسخِ، هذا مَذهبُ الشافِعيَّةِ، وهو مَذهبُ الحَنابِلةِ إذا كانَ المَبيعُ مَكيلًا أو نَحوَه، أمَّا غيرُ المَكيلِ ونَحوُه فتَلَفُ بَعضِه وتَعَيُّبُه يَكونُ على حِسابِ المُشتَرِي، ولا فَسخَ (١).
وفرَّق الحَنفيَّةُ بينَ التَّلَفِ الذي يَنشَأُ عنه نُقصانُ قَدْرٍ، والتَّلَفِ الذي يَنشَأُ عنه نُقصانُ وَصفٍ، ونُقصانُ الوَصفِ هو كلُّ ما يَدخُلُ في البَيعِ مِنْ غيرِ تَسميةٍ، كالشَّجَرِ والبِناءِ في الأرضِ وأطرافِ الحَيَوانِ والجَودةِ في المَكيلِ والمَوزونِ؛ فلا يَنفَسِخُ البَيعُ أصْلًا ولا يَسقُطُ عن المُشتَرِي شَيءٌ مِنْ الثَّمنِ؛ لأنَّ الأوصافَ لا حِصَّةَ لَها مِنْ الثَّمنِ، إلَّا إذا ورَد عليها القَبضُ أو الجِنايةُ؛ لأنَّها تَصيرُ مَقصودةً بالقَبضِ والجِنايةِ، فالمُشتَرِي بالخِيارِ، إنْ شاءَ أخَذه بجَميعِ الثَّمنِ، وإنْ شاءَ ترَك؛ لِتَعَيُّبِ المَبيعِ قبلَ القَبضِ.
وأمَّا إذا كانَ التَّلَفُ قد نَشَأ عنه نُقصانُ قَدْرٍ -بأنْ كانَ مَكيلًا أو مَوزونًا أو مَعدودًا- فالعَقدُ يَنفَسِخُ بقَدرِ الهالِكِ، وتَسقُطُ حِصَّتُه مِنْ الثَّمنِ؛ لأنَّ كُلَّ قَدْرٍ مِنْ المُقَدَّراتِ مَعقودٌ عليه؛ فيُقابِلُه شَيءٌ مِنْ الثَّمنِ، وهَلاكُ كلِّ المَعقودِ عليه يُوجِبُ انفِساخَ البَيعِ في الكُلِّ وسُقوطَ الثَّمنِ؛ فهَلاكُ
(١) «مغني المحتاج» (٢/ ٦٨)، و «حواشي التحفة» (٤/ ٤٠٠)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٨٢، ٢٤٣)، و «المغني» (٦/ ١٨١، ١٨٢) وما بعدها.
بَعضِه يُوجِبُ انفِساخَ البَيعِ وسُقوطَ الثَّمنِ بقَدْرِه، والمُشتَرِي بالخِيارِ في البَقيَّةِ، إنْ شاءَ أخَذه بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ، وإنْ شاءَ ترَك؛ لأنَّ الصَّفقةَ قد تَفرَّقتْ عليه (١).
وذهَب المالِكيَّةُ إلى أنَّه إنْ كانَتِ البَقيَّةُ بعدَ التَّلَفِ النِّصفَ فأكثَرَ لزِم المُشتَريَ البَقيَّةُ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ، ويَرجِعُ بحِصَّةِ ما تلِف، وذلك لأنَّ بَقاءَ النِّصفِ كبَقاءِ الجُلِّ (الأكثَرِ)، فيَلزَمُه، وهذا في المَبيعِ المُتعَدِّدِ.
فإنْ كانَ المَبيعُ مُتَّحِدًا (٢) كفَرَسٍ مَثَلًا، وبَقيَ بعدَ التَّلَفِ النِّصفُ فأكثَرُ، فالمُشتَرِي بالخِيارِ بينَ رَدِّ المَبيعِ وأخْذِ ثَمَنِه، وبينَ التَّمسُّكِ بالبَقيَّةِ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ.
وإنْ كانَتِ البَقيَّةُ بعدَ التَّلَفِ أقَلَّ مِنْ النِّصفِ حرُم التَّمسُّكُ بها، ووجَب رَدُّ المَبيعِ، وأخْذُ جَميعِ ثَمَنِه؛ لِاختِلالِ البَيعِ بتَلَفِ جُلِّ المَبيعِ؛ فتَمَسُّكُ المُشتَرِي ببَقيَّتِه كإنشاءِ عَقدٍ بثَمَنٍ مَجهولٍ؛ إذْ لا يُعلَمُ ما يَخُصُّ البَقيَّةَ إلَّا بعدَ تَقويمِ الجَميعِ، ثم النَّظَرُ فيما يَخُصُّ كُلَّ جُزءٍ على انفِرادِه، إلَّا المِثليَّ، فلا يَحرُمُ التَّمسُّكُ بالأقَلِّ، بَلِ المُشتَرِي بالخِيارِ بينَ فَسخِ البَيعِ وبينَ التَّمسُّكِ بالبَقيَّةِ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ، وذلك لأنَّ المِثليَّ مَنابُه (مُقابِلُه) مِنْ الثَّمنِ المَعلومِ؛ فليسَ التَّمسُّكُ بالبَقيَّةِ القَليلةِ كإنشاءِ عَقدٍ بثَمَنٍ مَجهولٍ، وإنَّما يَأتي هذا في المُقوَّمِ (٣).
(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٣٩ - ٢٤٠)، و «ابن عابدين» (٣/ ٤٦).
(٢) أي: لا يقبل التجزئة.
(٣) «حاشية الدسوقي» (٣/ ٢٤٣، ٢٥٢)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٦٤٨، ٦٥٠)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٣٣٦، ٣٣٧).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب البيع قبل القبض
باب البيع قبل القبض
مَسْأَلَةٌ:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " مَنِ ابْتَاعَ طَعَامًا فَلَا يَبِعْهُ حَتَّى يَسْتَوْفِيَهُ " وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَّا الَّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَهُوَ الطَّعَامُ أَنْ يُبَاعَ حَتَّى يُكْتَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرَأْيِهِ وَلَا أَحْسَبُ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا مِثْلَهُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَإِذَا نَهَى - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ بَيْعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُقْبَضَ لِأَنَّ ضَمَانَهُ مِنَ الْبَائِعِ وَلَمْ يَتَكَامَلْ لِلْمُشْتَرِيَ فِيهِ تَمَامُ مِلْكٍ فَيَجُوزُ بِهِ الْبَيْعُ كَذَلِكَ قِسْنَا عَلَيْهِ بَيْعَ الْعُرُوضِ قَبْلَ الْقَبْضِ لِأَنَّهُ بَيْعُ مَا لَمْ يُقْبَضْ وَرِبْحُ مَا لَمْ يُضْمَنْ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: كُلُّ مَنْ ابْتَاعَ شَيْئًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ غَيْرِهِ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَيْسَ بِطَعَامٍ مَأْكُولٍ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا يُكَالُ وَيُوزَنُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا يُكَالُ وَلَا يُوزَنُ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَبِهِ قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ بَيْعُ مَا يُنْقَلُ وَيُحَوَّلُ قَبْلَ قَبْضِهِ وَيَجُوزُ بَيْعُ مَا لَا يُنْقَلُ وَلَا يُحَوَّلُ قَبْلَ قَبْضِهِ.
ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.