الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > بيع الخمر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةبَيعُ الخَمْرِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على أنَّه يَحرُمُ على المُسلِمِ بَيعُ الخَمرِ وأكْلُ ثَمَنِها؛ لقولِ اللَّهِ تَعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، فاللَّهُ تَعالى سَمَّاها رِجسًا، فيَقضي ذلك بنَجاسةِ العَينِ وفَسادِ الماليَّةِ، والتَّقوُّمِ، كما في المَيْتةِ والدَّمِ ولَحمِ الخِنزيرِ، وقد أمَرَ باجتِنابِها، فاقتَضى ذلك ألَّا يَجوزَ لِلمُسلِمِ الِاقتِرابُ مِنها على جِهةِ التَّموُّلِ بحالٍ (١).
ولِحَديثِ جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ عامَ الفَتحِ وهو بمَكَّةَ: «إنَّ اللَّهَ ورَسولَه حرَّم بَيعَ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ والأصنامِ»، فقيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أرَأيتَ شُحومَ المَيْتةِ فإنَّها يُطلَى بها السُّفُنُ ويُدهَنُ بها الجُلودُ ويَستَصبِحُ بها النَّاسُ، فقالَ: «لا، هو حَرامٌ»، ثم قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عندَ ذلك: «قاتَلَ اللَّهُ اليَهودَ، إنَّ اللَّهَ لمَّا حرَّم شُحومَها جَمَلوه ثم باعوه فأكَلوا ثَمَنَه» (٢).
وعن ابنِ وَعلةَ المِصريِّ أنَّه سَألَ عَبدَ اللَّهِ بنَ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما عَمَّا يُعصَرُ مِنْ العِنَبِ، فقالَ ابنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: أهدَى رَجُلٌ لِرَسولِ اللَّهِ ﷺ رَاويةَ خَمْرٍ، فقالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «أما عَلِمتَ أنَّ اللَّهَ حرَّمها؟»، قالَ: لا؛ فسارَّه رَجُلٌ إلى جَنبِه، فقالَ له ﷺ: «بمَ سارَرْتَه؟»،
(١) «المبسوط» (٢٤/ ٢٤).
(٢) رواه البخاري (٢١٢١)، ومسلم (١٥٨١).
فقالَ: أمَرتُه أنْ يَبيعَها، فقالَ له رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «إنَّ الذي حرَّم شُربَها حرَّم بَيعَها»، ففَتَحَ الرَّجُلُ المَزادَتَيْنِ حتى ذهَب ما فيهما (١).
قالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: فأطلَقَ النَّبيُّ ﷺ عن اللَّهِ ﷾ تَحريمَها، ولا خِلافَ بينَ عُلماءِ المُسلِمينَ أنَّ تَحريمَها إنَّما ورَد في سُورةِ المائِدةِ بلَفظِ النَّهيِ، في قَولِه ﷾: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ [المائدة: ٩٠]، وهذه الآيةُ نَسَختْ كُلَّ لَفظٍ ورَد بإباحَتِها نَصًّا أو دَليلًا؛ فنَسَختْ ما جَرى مِنْ ذِكرِها في سُورةِ البَقَرةِ وسُورةِ النِّساءِ وسُورةِ النَّحلِ، وأجمَعَتِ الأُمَّةُ على أنَّ خَمرَ العِنَبِ حَرامٌ في عَينِها، حَرامٌ قَليلُها وكَثيرُها، فأغنَى ذلك عن الإكثارِ فيها (٢).
وقالَ أيضًا: وأمَّا قَولُه ﷺ في الخَمرِ في حَديثِ هذا البابِ: «إنَّ الذي حرَّم شُربَها حرَّم بَيعَها»، هذا إجماعٌ مِنْ المُسلِمينَ كافَّةً عن كافَّةٍ أنَّه لا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ بَيعُ الخَمرِ، ولا التِّجارةُ في الخَمرِ (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على أنَّ بَيعَ الخَمرِ غيرُ جائِزٍ (٤).
(١) رواه مالك في «الموطأ» (١٥٤٣)، والشافعي في «الأم» (٦/ ١٧٩)، وأحمد في «المسند» (٢٠٤١).
(٢) «التمهيد» (٤/ ١٤١، ١٤٢).
(٣) «الإجماع» (٤٧٠).
(٤) رواه البخاري (٤٢٦٨).
وقالَ الإمامُ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: أجمَعَ المُسلِمونَ على تَحريمِ بَيعِ الخَمرِ والدَّمِ (١).
وعن عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: لمَّا أُنْزِلَتِ الآياتُ مِنْ آخِرِ سُورةِ البَقَرةِ قرَأهُنَّ النَّبيُّ -صلى الله عليه رضي الله عنه وسلم- في المَسجِدِ، وحرَّم التِّجارةَ في الخَمرِ (٢).
قالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وحرَّم التِّجارةَ في الخَمرِ وإنْ كانَ إنَّما يَبيعُها مِنْ كافِرٍ يَستحِلُّ شُربَها؛ فإنَّ التِّجارةَ فيها ذَريعةٌ إلى اقتِنائِها وشُربِها، ولِهَذا لمَّا نَزَلتِ الآياتُ في تَحريمِ الرِّبا قَرَأها عليهم رَسولُ اللَّهِ ﷺ وقَرَنَ بها تَحريمَ التِّجارةِ في الخَمرِ؛ فإنَّ الرِّبا ذَريعةٌ إلى إفسادِ الأموالِ، والخَمرَ ذَريعةٌ إلى إفسادِ العُقولِ، فجَمَعَ بينَ تَحريمِ التِّجارةِ في هذا وهذا (٣).
قالَ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: قالَ الطَّبرِيُّ: فإنْ قيلَ: ما وَجْهُ قَولِه في بَيع الخَمرِ: «لعَن اللَّهُ اليَهودَ؛ إنَّ اللَّهَ لمَّا حرَّم شُحومَها جَمَلوه ثم باعوه فأكَلوا ثَمَنَه»، وأنتَ تَعلَمُ أنَّ أشياءَ كَثيرةً حرَّم اللَّهُ ﷾ أكْلَها، ولَم تَحرُمْ أثمانُها، كالحُمُرِ الأهليةِ وسِباعِ الطَّيرِ، كالعِقبانِ والبُزاةِ وشِبهِها؟
قُلتُ: المَعنَى الذي خالَفَ بينَهما مع اشتِباهِهما في الوَجهِ الذي وَصَفتَ بَيِّنٌ، وهو أنَّ اللَّهَ ﷾ جعَل الخَمرَ والخِنزيرَ نَجِسَيْنِ؛ فحُكمُهما في أنَّه لا يَحِلُّ بَيعُهما ولا شِراؤُهما، ولا أكْلُ أثمانِهما حُكمُ سائِرِ النَّجاساتِ
(١) «تفسير القرطبي» (٦/ ٢٨٩).
(٢) «الإجماع» (٤٧٠).
(٣) «إغاثة اللهفان» (١/ ٣٦٤).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب البيع الفاسد
باب البيع الفاسد
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " إِذَا اشْتَرَى جَارِيَةً عَلَى أَنْ لَا يَبِيعَهَا أَوْ عَلَى أَنْ لَا خَسَارَةَ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهَا فَالْبَيْعُ فَاسِدٌ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الشَّرْطَ فِي الْبَيْعِ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ إِذَا اقْتَرَنَ بِالْعَقْدِ فَأَمَّا إِنْ تَقَدَّمَهُ فَلَا تَأْثِيرَ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَكُونُ شَرْطًا وَإِنَّمَا يَكُونُ وَعْدًا أَوْ خَبَرًا. وَالشُّرُوطُ الْمُقْتَرِنَةُ بِالْعَقْدِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا كَانَ مِنْ مُقْتَضَى الْعَقْدِ وَوَاجِبَاتِهِ كَاشْتِرَاطِ تَعْجِيلِ الثَّمَنِ وَسَلَامَةِ الْمَبِيعِ وَضَمَانِ الدَّرْكِ فَهَذِهِ الشُّرُوطُ وَاجِبَةٌ بِالْعَقْدِ وَاشْتِرَاطُهَا تَأْكِيدٌ فِيهِ وَالْعَقْدُ لَازِمٌ بِهَا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ مَصْلَحَةِ الْعَقْدِ وَمُبَاحَاتِهِ كَاشْتِرَاطِ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ وَتَأْجِيلِ الثَّمَنِ وَخِيَارِ الثَّلَاثِ فَهَذَا وَمَا شَاكَلَهُ لَازِمٌ بِالشَّرْطِ دُونَ الْعَقْدِ لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْعَقْدِ لَا يَقْتَضِيهِ وَاشْتِرَاطَهُ فِي الْعَقْدِ لَا يُنَافِيهِ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[باب في بيان حقيقة وأحكام الرهن]
(بَابٌ) الرَّهْنُ بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ، أَوْ غَرَرًا، وَلَوْ اُشْتُرِطَ
ــ
منح الجليل
بَابٌ فِي بَيَان حَقِيقَة وَأَحْكَام الرَّهْن
بَابُ)
ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.