بيع ضراب الفحل

الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > بيع ضراب الفحل

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 28 دقيقة قراءة

بيع ضراب الفحل - الأقوال والأدلة

بَيعُ ضِرابِ الفَحلِ:

اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ ضِرابِ الفَحلِ على قَولَيْنِ:

القَولُ الأوَّلُ: قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ أنَّه لا يَصحُّ استِئجارُ الفَحلِ لِذلك، وهو باطِلٌ وحَرامٌ، ولا يُستحَقُّ فيه عِوَضٌ، ولو أنزاه المُستأجِرُ لا يَلزَمُه المُسَمَّى مِنْ أجْرِه ولا أُجرةِ مِثلٍ، ولا شَيءٍ مِنْ الأموالِ؛ لأنَّه غَرَرٌ مَجهولٌ وغيرُ مَقدورٍ على تَسليمِه، ولِما رَوى مُسلِمٌ عن أبي الزُّبَيرِ أنَّه سَمِعَ جابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ رضي الله عنه يَقولُ: «نهَى رَسولُ اللَّهِ عن بَيعِ ضِرابِ الجَمَلِ» (١).

وعن ابنِ عُمرَ رضي الله عنه قالَ: «نهَى النَّبيُّ عن عَسبِ الفَحلِ» (٢). ولأنَّه لا يَتحقَّقُ تَسليمُ ذلك؛ لأنَّه مُعلَّقٌ باختيارِ الفَحلِ وشَهوَتِه، ولأنَّ المَقصودَ مِنْ طُرُقِ الفَحلِ إنزالُ مائِه، وإنزالَ الماءِ غيرُ مُتحقَّقٍ، والعُلوقَ مِنه غيرُ مُتيقَّنٌ.

والعَسبُ: هو الكِراءُ الذي يُؤخَذُ في ضِرابِ الفَحلِ.

وقيلَ: عَسبُ الفَحلِ هو ماؤُه الذي يَطرُقُ به الإناثَ ويَنزُو عليها به (٣).

(١) رواه مسلم (١٥٦٥).
(٢) رواه البخاري (٢٢٨٤).
(٣) «تهذيب اللغة» (٢/ ٦٨).

والفَحلُ لُغةً: الذَّكَرُ مِنْ كلِّ حَيَوانٍ (١).

قالَ الإمامُ البَغَويُّ رحمة الله عليه: والمُرادُ مِنْ النَّهيِ هو الكِراءُ الذي يُؤخَذُ على ضِرابِه، كما صرَّح في حَديثِ جابرٍ رضي الله عنه أنَّه نهَى عن بَيعِ ضِرابِ الجَمَلِ؛ فعَبَّرَ بالعَسبِ عن الكِراءِ، لأنَّه سَبَبٌ فيه؛ إذ الضِّرابُ والإنزاءُ نَفْساهما غيرُ حَرامٍ؛ لأنَّ بَقاءَ النَّسلِ فيهما، وقيلَ: العَسبُ هو الكِراءُ الذي يُؤخَذُ على الضِّرابِ، يُقالُ: عَسَبتُ الرَّجُلَ أعسَبُه عَسْبًا: إذا أعطَيتُه الكِراءَ على ذلك، وأرادَ به أنَّه لو استَأجَرَ فَحلًا لِلإنزاءِ لا يَجوزُ؛ لِما فيه مِنْ الغَرَرِ؛ لأنَّ الفَحلَ قد يَضرِبُ وقد لا يَضرِبُ، وقد تُلقَّحُ الأُنثَى وقد لا تُلقَّحُ، وقد ذهَب إلى تَحريمِه أكثَرُ الصَّحابةِ والفُقهاءِ … أمَّا إعارةُ الفَحلِ لِلإنزاءِ وإطراقِه؛ فلا بَأْسَ بها، ثم لو أكرَمَه المُستَعيرُ بشَيءٍ يَجوزُ له قَبولُ كَرامَتِه (٢).

وقالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: ولا يَجوزُ استِئجارُ الفَحلِ لِلضِّرابِ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنه النَّسلُ، وذلك بإنزالِ الماءِ، وهو عَينٌ، وقد رُويَ عن رَسولِ اللَّهِ أنَّه نهَى عن عَسبِ الفَحلِ، أي: كِرائِه؛ لأنَّ العَسبَ في اللُّغةِ -وإنْ كانَ اسمًا لِلضِّرابِ- لا يُمكِنُ حَملُه عليه؛ لأنَّ ذلك ليسَ بمَنهيٍّ عنه؛ لِما في النَّهيِ عنه مِنْ قَطعِ النَّسلِ، فكانَ المُرادُ مِنه كِراءَ عَسبِ الفَحلِ، إلَّا أنَّه حَذَفَ الكِراءَ وأقامَ العَسبَ مَقامَه، كما في قَولِ اللهِ : ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]، ونَحوِ ذلك (٣).

(١) «لسان العرب» (١١/ ٥١٦).
(٢) «شرح السنة» (٨/ ١٣٨).
(٣) «بدائع الصنائع» (٤/ ١٧٥).

قالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وسَمَّى أُجرةَ ضِرابِه بَيعًا، إمَّا لِكَونِ المَقصودِ هو الماءَ الذي له؛ فالثَّمنُ مَبذولٌ في مُقابَلةِ عَينِ مائِه، وهو حَقيقةُ البَيعِ، وإمَّا أنَّه سَمَّى إجارَتَه لِذلك بَيعًا؛ إذ هي عَقدُ مُعاوَضةٍ، وهي بَيعُ المَنافِعِ، والعادةُ أنَّهم يَستأجِرونَ الفَحلَ لِلضِّرابِ، وهذا هو الذي نُهيَ عنه، والعَقدُ الوارِدُ عليه باطِلٌ، سَواءٌ كانَ بَيعًا أو إجارةً، وهذا قَولُ جُمهورِ العُلماءِ، مِنهم أحمدُ والشافِعيُّ وأبو حَنيفةَ وأصحابُهم (١).

ثُمَّ قالَ جُمهورُ الفُقهاءِ -إلَّا أحمدَ في رِوايةٍ عنه- الَّذينَ مَنَعوا أخْذَ الأُجرةِ على ضِرابِ الفَحلِ: إذا أهدَى صاحِبُ الأُنثَى إلى صاحِبِ الفَحلِ هَديةً أو ساقَ إليه كَرامةً جازَ له أخْذُها؛ لأنَّه سَبَبٌ مُباحٌ، فجازَ أخْذُ الهَديةِ عليه، كالحِجامةِ.

وأمَّا إنْ كانَ ذلك على وَجْهِ المُعاوَضةِ والِاشتِراطِ في الباطِنِ، فقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: لَم يَحِلَّ له أخْذُه وسَيَأتي، وإنِ احتاجَ إنسانٌ إلى ذلك ولَم يَجِدْ مَنْ يَطرُقُ له دابَّتَه مَجَّانًا، جازَ لِرَبِّ الدَّابَّةِ أنْ يَبذُلَ الكِراءَ؛ لأنَّه بَذْلٌ لِتَحصيلِ مَنفَعةٍ مُباحةٍ لِحاجةٍ؛ فجازَ بَذْلُ عِوَضٍ دَفعًا لِلحاجةِ، وحرُم على رَبِّ الفَحلِ أخْذُه العِوَضَ؛ لِلنَّهيِ السَّابِقِ.

قالَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: إذا أنزَى على بَهائِمِه فَحلَ غيرِه، فالنِّتاجُ له، ولكنْ إذا كانَ ظالِمًا في الإنزاءِ بحيثُ يَضُرُّ بالفَحلِ المُنزِي فعليه ضَمانُ ما نقَص لِصاحِبِه؛ فإنْ لَم يَعرِفْ صاحِبَه تَصدَّقَ بقِيمةِ نَقصِه، وأمَّا إنْ

(١) «زاد المعاد» (٥/ ٧٩٤).

كانَ لا يَضُرُّه فلا قِيمةَ له؛ فإنَّ النَّبيَّ نهَى عن عَسبِ الفَحلِ (١).

القَولُ الثَّاني: وهو قَولُ المالِكيَّةِ وابنِ عَقيلٍ مِنْ الحَنابِلةِ أنَّه يَجوزُ استِئجارُ الفَحلِ لِذلك، إذا كانَ على دُفعاتٍ مَعلومةٍ؛ لأنَّه عَقدٌ على مَنافِعِ الفَحلِ ونَزْوِه على الأُنثَى، وهي مَنفَعةٌ مَقصودةٌ، وماءُ الفَحلِ يَدخُلُ تَبَعًا، والأغلَبُ حُصولُه عُقَيبَ نَزْوِه، فيَكونُ كالعَقدِ على الظِّئرِ؛ لِيَحصُلَ اللَّبَنُ في بَطنِ الصَّبيِّ، وكما لوِ استَأجَرَ أرضًا وفيها بِئرُ ماءٍ، فإنَّ الماءَ يَدخُلُ تَبَعًا، وقد يُغتفَرُ في الأتباعِ ما لا يُغتفَرُ في المَتبوعاتِ.

والنَّهيُ الوارِدُ مَحمولٌ على التَّنزيهِ والحَثِّ على مَكارِمِ الأخلاقِ، وليسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ أنْ يُؤخَذَ على ذلك أجْرٌ؛ فإنْ فعَل لَم تُفسَخِ الإجارةُ، وإنْ أخَذها لَم تُرَدَّ منه.

قالَ الإمامُ القَرافيُّ رحمة الله عليه: تَجوزُ إجارةُ الفَحلِ لِلإنزاءِ أكوامًا مَعروفةً أو شَهرًا بكَذا؛ لأنَّها مَنفَعةٌ مَقصودةٌ مَضبوطةٌ، وتُمتنَعُ على نَزْوِه حتى يَكِلَّ الإنزاءَ؛ لِلغَرَرِ، ومنَعه الأئِمَّةُ مُطلَقًا؛ لِنَهيِه عن عَسبِ الفَحلِ،

(١) «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٣٢٠)، ويُنظر: «العناية شرح الهداية» (١٢/ ٣٩٢)، و «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٤/ ١٠٢)، و «الإفصاح» (١/ ٣٩٥، ٣٩٦)، و «الحاوي الكبير» (٥/ ٣٢٤، ٣٢٥)، و «شرح السنة» (٨/ ١٣٨)، و «الشرح الكبير» للرافعي (٤/ ١٠١)، و «شرح مسلم» (١٠/ ٢٣٠)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٦٠)، و «المغني» (٤/ ١٤٨)، و «الكافي» (٢/ ٣٠٢)، و «المبدع» (٤/ ٢٩)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٦٠٦)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٨٦)، و «زاد المعاد» (٥/ ٧٩٤)، و «نيل الأوطار» (٦/ ٢٣).

أو لأنَّه يُعجَزُ عن تَسليمِه؛ لأنَّه باختيارِ الفَحلِ، أو لأنَّه تافِهٌ لا يُقابَلُ بالأعواضِ، أو لأنَّ فيه استِيفاءَ عَينٍ، وكُلُّها مُبطِلاتٌ.

والجَوابُ عن الأوَّلِ أنَّ النَّهيَ مَحمولٌ على ما فيه غَرَرٌ مِنْ اشتِراطِ الحَملِ؛ جَمعًا بينَ الأدِلَّةِ.

وعن الثَّاني بأنَّ تَنهيضَ الفَحلِ لِذلك مَعلومٌ عادةً مِنْ طَبعِه، فهو مَقدورٌ على تَسليمِه.

وعن الثَّالثِ بأنَّ حَرَكةَ الفَحلِ مَقصودةٌ عادةً عندَ جَميعِ العُقَلاءِ، ولَولا ذلك لَبطَل النَّسلُ.

وعن الرَّابِعِ بأنَّ تلك العَينَ كاللَّبَنِ في الرَّضاعِ لِلضَّرورةِ.

قالَ ابنُ يُونُسَ رحمة الله عليه: قالَ ابنُ حَبيبٍ رحمة الله عليه: تُعِيقُ -بضَمِّ التَّاءِ وكَسرِ العَينِ- الرَّمَكةَ، أي: أنْ تَحَمِلَ، والأكوامُ جَمعُ كَومٍ، وهو الضِّرابُ والنَّزْو، ويُقالُ: كامَهَا يَكومُها، إذا فعَل ذلك، وإذا سَمَّى شَهرًا امتَنَعَ تَسميةُ المَرَّاتِ.

قالَ اللَّخميُّ رحمة الله عليه: وعَن مالِكٍ: كَراهةُ بَيعِ عَسبِ الفَحلِ؛ لأنَّه ليسَ مِنْ مَكارِمِ الأخلاقِ، قالَ سَحنونٌ: إذا استَأجَرَ الفَحلَ مَرَّتَيْنِ فعَطِبتِ الدَّابَّةُ بعدَ مَرَّةٍ انفَسَختِ الإجارةُ، كالصَّبيِّ في الرَّضاعِ (١).

وقالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وأمَّا مالِكٌ فحُكيَ عنه جَوازُه، والَّذي ذكَره أصحابُه التَّفصيلُ؛ فقالَ صاحِبُ الجَواهِرِ في بابِ فَسادِ العَقدِ مِنْ جِهةِ نَهيِ

(١) «الذخيرة» (٥/ ٤١٣، ٤١٤)، و «التبصرة» (١٠/ ٤٩٧١)، و «عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة» (٢/ ٦٧٢)، و «شرح ابن بطال» (٦/ ٤١٢).

الشارِعِ، ومِنها بَيعُ عَسبِ الفَحلِ، ويُحمَلُ النَّهيُ فيه على استِئجارِ الفَحلِ على لِقاحِ الأُنثَى، وهو فاسِدٌ؛ لأنَّه غيرُ مَقدورٍ على تَسليمِه؛ فأمَّا أنْ يَستَأجِرَه على أنْ يَنزُوَ عليه دُفعاتٍ مَعلومةً فذلك جائِزٌ؛ إذ هو أمَدٌ مَعلومٌ في نَفْسِه، ومَقدورٌ على تَسليمِه.

والصَّحيحُ تَحريمُه مُطلَقًا، وفَسادُ العَقدِ به على كلِّ حالٍ، ويَحرُمُ على الآخَرِ أخْذُ أُجرةِ ضِرابِه، ولا يَحرُمُ على المُعطي؛ لأنَّه بَذَلَ مالَه في تَحصيلِ مُباحٍ يَحتاجُ إليه، ولا يُمنَعُ مِنْ هذا، كما في كَسبِ الحَجَّامِ وأُجرةِ الكَسَّاحِ.

والنَّبيُّ نهَى عَمَّا يَعتادونَه مِنْ استِئجارِ الفَحلِ لِلضِّرابِ، وسَمَّى ذلك بَيعَ عَسبِه؛ فلا يَجوزُ حَملُ كَلامِه على غيرِ الواقِعِ والمُعتادِ، وإخلاءُ الواقِعِ مِنْ البَيانِ، مع أنَّه الذي قُصِدَ بالنَّهيِ، ومِنَ المَعلومِ أنَّه ليسَ لِلمُستأجِرِ غَرَضٌ صَحيحٌ في نَزْوِ الفَحلِ على الأُنثَى الذي له دُفعاتٌ مَعلومةٌ، وإنَّما غَرَضُه نَتيجةُ ذلك وثَمرَتُه، ولِأجلِه بَذَلَ مالَه.

وقد عُلِّلَ التَّحريمُ بعِدَّةِ عِلَلٍ:

إحداها: أنَّه لا يُقدَرُ على تَسليمِ المَعقودِ عليه، فأشبَهَ إجارةَ الآبِقِ؛ فإنَّ ذلك مُتعلِّقٌ باختِيارِ الفَحلِ وشَهوَتِه.

الثَّانيةُ: أنَّ المَقصودَ هو الماءُ، وهو ممَّا لا يَجوزُ إفرادُه بالعَقدِ؛ فإنَّه مَجهولُ القَدْرِ والعَينِ، وهذا بخِلافِ إجارةِ الظِّئرِ؛ فإنَّها احتَمَلتْ مَصلَحةَ الآدَميِّ، فلا يُقاسُ عليها غيرُها.

وقد يُقالُ -واللَّهُ أعلَمُ-: إنَّ النَّهيَ عن ذلك مِنْ مَحاسِنِ

الشَّريعةِ وكَمالِها؛ فإنَّ مُقابَلةَ ماءِ الفَحلِ بالأثمانِ وجَعلَه مَحَلًّا لِعُقودِ المُعاوَضاتِ ممَّا هو مُستقبَحٌ ومُستهجَنٌ عندَ العُقَلاءِ، وفاعِلُ ذلك عندَهم ساقِطٌ مِنْ أعيُنِهم في أنْفُسِهم، وقد جعَل اللَّهُ فِطَرَ عِبادِه لا سيَّما المُسلِمينَ مِيزانًا لِلحَسَنِ والقَبيحِ، فما رَآه المُسلِمونَ حَسَنًا فهو عندَ اللَّهِ حَسَنٌ، وما رَآه المُسلِمونَ قَبيحًا فهو عندَ اللَّهِ قَبيحٌ.

ويَزيدُ هذا بَيانًا أنَّ ماءَ الفَحلِ لا قِيمةَ له، ولا هو ممَّا يُعاوَضُ عليه، ولِهَذا لو نَزا فَحلُ الرَّجُلِ على رَمَكةِ غيرِه فأوْلَدَها فالوَلَدُ لِصاحِبِ الرَّمَكةِ اتِّفاقًا؛ لأنَّه لَم يَنفصِلْ عن الفَحلِ إلَّا مُجرَّدُ الماءِ، وهو لا قِيمةَ له؛ فحَرَّمتْ هذه الشَّريعةُ الكامِلةُ المُعاوَضةَ على ضِرابِه؛ لِيَتناوَلَه النَّاسُ بينَهم مَجَّانًا؛ لِمَا فيه مِنْ تَكثيرِ النَّسلِ المُحتاجِ إليه مِنْ غيرِ إضرارٍ بصاحِبِ الفَحلِ ولا نُقصانٍ مِنْ مالِه.

فمِن مَحاسِنِ الشَّريعةِ إيجابُ بَذلِ هذا مَجَّانًا، كما قالَ النَّبيُّ : «إنَّ مِنْ حَقِّها إطراقَ فَحلِها وإعارةَ دَلوِها» (١)، فهذه حُقوقٌ يَضرُّ بالنَّاسِ مَنعُها، إلَّا بالمُعاوَضةِ، فأوجَبَتِ الشَّريعةُ بَذلَها مَجَّانًا.

فإنْ قيلَ: فإذا أهدَى صاحِبُ الأُنثَى إلى صاحِبِ الفَحلِ هَديَّةً، أو ساقَ إلَيه كَرامةً فهل له أخْذُها؟

قيلَ: إنْ كانَ ذلك على وَجْهِ المُعاوَضةِ والِاشتِراطِ في الباطِنِ لَم يَحِلَّ له أخْذُه، وإنْ لَم يَكُنْ كذلك فلا بَأْسَ به، قالَ أصحابُ أحمدَ وأصحابُ

(١) رواه مسلم (٩٨٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب بيع الغرر

باب بيع الغرر

مَسْأَلَةٌ:

قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ أَبِي حَازِمِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الْغَرَرِ قَالَ وَنَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - عَنْ ثَمَنِ عَسْبِ الْفَحْلِ وَلَا يَجُوزُ بِحَالٍ " . أما بيع الفرد فنذكره من بعد.

قال الماوردي: وَأَمَّا عَسْبُ الْفَحْلِ الَّذِي تَوَجَّهَ النَّهْيُ إِلَيْهِ: هُوَ أُجْرَةُ طَرْقِ الْفَحْلِ وَنَزْوِهِ، فَجَعَلُوا الْأُجْرَةَ هِيَ الْعَسْبُ، وَقَالَ آخَرُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ عَسْبَ الْفَحْلِ هُوَ مَاؤُهُ الَّذِي يَطْرُقُ بِهِ الْإِنَاثَ وَيَنْزُو عَلَيْهَا.

فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْعَسْبُ هُوَ الْأُجْرَةُ فَلَا يُوَضَّحُ ذَلِكَ لِأَنَّ نَهْيَ النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - تَوَجَّهَ إِلَى ثَمَنِ عَسْبِ الْفَحْلِ. فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَعُودَ النَّهْيُ إِلَى الْأُجْرَةِ لِأَنَّ الْأُجْرَةَ هِيَ ثَمَنٌ أَيْضًا. وَقَدْ قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى فِي شِعْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ قَوْلُهُ:

(وَلَوْلَا عَسْبُهُ لَرَدَدْتُمُوهُ ... وشر منيحة أيْر معار)

فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ حُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُمَا جَوَّزَا أَخْذَ الْعِوَضِ عَلَى ضِرَابِ الْفَحْلِ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الضَّرُورَةَ تَدْعُو إِلَيْهِ وَالْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِهِ.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل في بيع المرابحة]

(فَصْلٌ) جَازَ مُرَابَحَةً

ــ

منح الجليل

فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقَالَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَمِنْ الْعُرُوضِ وَالتَّوْلِيَةِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ حُكْمُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ وَالشَّرِكَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ التَّوْلِيَةِ بِلَا إشْكَالٍ وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ هُوَ أَشَدُّ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا فِي الْإِقَالَةِ مِنْ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالْعَرْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَأَمَّا فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِيهَا، قَالَ فِيهَا: وَإِنْ ابْتَعْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً وَنَقَدْته ثَمَنَهَا ثُمَّ أَقَلْته وَافْتَرَقْتُمَا عَلَى أَنْ تَقْبِضَ رَأْسَ مَالِكِ وَأَخَّرْته بِهِ إلَى سَنَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَادِثٌ، وَالْإِقَالَةُ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ اهـ كَلَامُ الْحَطّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ الْبُنَانِيُّ التَّرْتِيبُ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الصَّرْفِ وَابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَشَدَّدُوا فِي الصَّرْفِ وَخَفَّفُوا فِي الْآخَرِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَهُمَا فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْخِلَافِ وَضَعْفِهِ اُنْظُرْ الْحَطّ.

فَصْلٌ فِي بَيْع الْمُرَابَحَةِ

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في حكم البيع

إلَيْهِ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطِبَهَا لِمَا رَوَيْنَا وَإِنْ لَمْ يَرْكُنْ فَلَا بَأْسَ بِهِ.

(وَمِنْهَا) بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ وَفِي عَسَاكِرِهِمْ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ مِنْهُمْ مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ، وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّلَاحُ مِنْهُمْ كَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلْقِتَالِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْإِعَانَةِ، وَنَظِيرُهُ بَيْعُ الْخَشَبِ الَّذِي يَصْلُحُ لِاِتِّخَاذِ الْمِزْمَارِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَإِنْ كُرِهَ بَيْعُ الْمَزَامِيرِ.

(وَأَمَّا) مَا يُكْرَهُ مِمَّا يَتَّصِلُ بِالْبُيُوعِ.

(فَمِنْهَا) الِاحْتِكَارُ وَقَدْ ذَكَرْنَا جُمْلَةَ الْكَلَامِ فِيهِ فِي بَابِ الْكَرَاهِيَةِ وَإِلْحَاقُهُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَوْلَى.

(وَمِنْهَا) النَّجْشُ وَهُوَ أَنْ يَمْدَحَ السِّلْعَةَ وَيَطْلُبَهَا بِثَمَنٍ ثُمَّ لَا يَشْتَرِيهِ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهِ وَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ النَّجْشِ» ؛ وَلِأَنَّهُ احْتِيَالٌ لِلْإِضْرَارِ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي يَطْلُبُ السِّلْعَةَ مِنْ صَاحِبِهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَطْلُبُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا فَنَجَشَ رَجُلٌ سِلْعَةً حَتَّى تَبْلُغَ إلَى ثَمَنِهَا فَهَذَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَإِنْ كَانَ النَّاجِشُ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.

فَصْلٌ فِي حُكْم الْبَيْعِ

(فَصْلٌ) :

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 292 - 298

ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله