الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > بيعتان في بيعة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 25 دقيقة قراءةالشافِعيِّ: وإنْ أعطَى صاحِبَ الفَحلِ هَديَّةً أو كَرامةً مِنْ غيرِ إجارةٍ جازَ.
واحتَجَّ أصحابُنا بحَديثٍ رُويَ عن أنَسٍ رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «إذا كانَ إكرامًا فلا بَأْسَ»، ذكَره صاحِبُ المُغني، ولا أعرِفُ حالَ هذا الحَديثِ ولا مَنْ خرَجه.
وقد نصَّ أحمدُ في رِوايةِ ابنِ القاسِمِ على خِلافِه؛ فقيلَ له: ألَّا يَكونَ مثلَ الحَجَّامِ يُعطَى وإنْ كانَ مَنهيًّا عنه؟ فقالَ: لَم يَبلُغْنا أنَّ النَّبيَّ ﷺ أعطَى في مِثلِ هذا شَيئًا، كما بلَغنا في الحَجَّامِ.
واختلَف أصحابُنا في حَملِ كلامِ أحمدَ رحمة الله عليه على ظاهِرِه، أو تَأويلِه؛ فحَمَلَه القاضي على ظاهِرِه، وقالَ: هذا مُقتَضى النَّظَرِ، لكنَّ تَرْكَ مُقتَضاه في الحَجَّامِ فبَقيَ فيما عَداه على مُقتَضى القِياسِ.
وقالَ أبو مُحمَّدٍ في «المُغنِي»: كَلامُ أحمدَ يُحمَلُ على الوَرَعِ، لا على التَّحريمِ، والجَوازُ أرفَقُ بالنَّاسِ، وأوْفَقُ لِلقياسِ (١).
بَيعَتانِ في بَيعةٍ:
اتَّفق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على الحُرمةِ والفَسادِ لِبيعَتَيْنِ في بَيعةٍ؛ لِمَا رَوى أبو هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: نهَى النَّبيُّ ﷺ عن بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ (٢).
(١) «زاد المعاد» (٥/ ٧٩٥، ٧٩٦).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٣٤٦١)، والترمذي (١٢٣١)، وابن حبان في «صحيحه» (٤٩٧٣).
لكنَّهمُ اختَلَفوا في المُرادِ ببَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ:
فقالَ المالِكيَّةُ: أي: بَيعَتانِ حاصِلَتانِ في بَيعةٍ، أو ناشِئَتانِ بسَبَبِ بَيعةٍ؛ فإنَّه فاسِدٌ؛ لِلنَّهيِ عنه؛ لِلجَهلِ بالثَّمنِ حالَ العَقدِ، بأنْ يَبيعَها المالِكُ بشَرطِ إلزامٍ لِلمُشتَرِي أو لِلبائِعِ بالشِّراءِ، وأنَّه ليسَ له تَرْكُه على وَجْهٍ يَتردَّدُ فيه النَّظَرُ ويَحصُلُ به الغَرَرُ، كبَيعِها بخَمسةٍ مِنْ الدَّراهِمِ مَثَلًا نَقدًا، أو بأكثَرَ مِنها، كعَشَرةٍ لِأجَلٍ، كشَهرٍ، والحالُ أنَّهما دخَلا على أنَّ السِّلعةَ قد لزِمتْه بأحَدِ الثَّمنَيْنِ، فيَرضَى المُشتَرِي ذلك، ويَأخُذُ السِّلعةَ مِنْ سُكوتٍ، ثم يَختارُ بعدَ تَمامِ العَقدِ، فهذا بَيعٌ فاسِدٌ، إنْ أُدرِكَ فُسِخَ، وإنْ قُبِضتِ السِّلعةُ وفاتَتِ رَدَّ قابضُها قِيمَتَها يَومَ قَبضِها؛ بالِغةً ما بَلَغتْ.
وإنَّما مُنِعَ ذلك لِلغَرَرِ؛ لأنَّ البائِعَ لا يَدْري بِمَ باعَ، والمُشتَرِيَ لا يَدْري ما اشتَرَى، ولِذلك لو عُكِسَ التَّصويرُ كانَ يَبيعُها بعَشَرةٍ نَقدًا، أو بخَمسةٍ لِأجَلٍ، لَجازَ؛ لعَدمِ التَّرَدُّدِ حينَئذٍ؛ لأنَّ العاقِلَ إنَّما يَختارُ البَيعَ إلى أجَلٍ بالثَّمنِ القَليلِ، وتَسميةُ ذلك العَقدِ بَيعَتَيْنِ باعتِبارِ تَعدُّدِ الثَّمنِ؛ فإنْ كانَ البَيعُ على أنَّ المُشتَريَ بالخيارِ فيهما جَميعًا بينَ أنْ يَأخُذَ بأيَّتِهما شاءَ، وبينَ أنْ يَرُدَّهما جَميعًا، كأنْ قالَ له: بِعتُكَ هذه السِّلعةَ بخَمسةٍ حالَّةٍ، وبعَشَرةٍ مُؤجَّلةٍ، على أنْ يَكونَ لَكَ الخِيارُ، فذلك جائِزٌ، وليسَ مِنْ بابِ بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ؛ لأنَّ البَيعَ هَهُنا نافِذٌ، وقَع على شَيءٍ بعَينِه يَختارُه مِنْ شَيئَيْنِ مَعلومَيْنِ له الخِيارُ في أحَدِهما، والسِّلعةُ الأُولَى لَم يَقَعْ شِراؤُها على شَيءٍ بعَينِه بقَطعٍ أو خِيارٍ.
قالَ في «المُدوَّنةِ»: لا يَجوزُ بَيعُ سِلعةٍ على أنَّها بالنَّقدِ بدِينارٍ، أو إلى شَهرٍ بدِينارَيْنِ، وكذلك على أنَّها إلى شَهرٍ بدِينارٍ، أو إلى شَهرَيْنِ بدِينارَيْنِ، على الإلزامِ لَهما أو لِأحَدِهما، وليسَ لِلمُبتاعِ تَعجيلُ النَّقدِ؛ لِإجازةِ البَيعِ؛ لأنَّه عَقدٌ فاسِدٌ، وإنْ كانَ على غيرِ الإلزامِ جازَ.
ومِثلُ ذلك ما إذا باعَ واحِدةً مِنْ سِلعَتَيْنِ مُختلِفَتَيْنِ في الجِنسِ أو الوَصفِ.
مِثالُ مُختَلِفي الجِنسِ: أنْ يَقولَ: بِعتُكَ أحَدَ هَذيْنِ الأمرَيْنِ «الثَّوبَ أو الدابَّةَ» بعِشرينَ، ثم يَختارَ المُشتَري مِنهما بعدَ تَمامِ البَيعِ ما يُحِبُّ، وهذا البَيعُ فاسِدٌ بدُونِ شَرطِ الخِيارِ، أمَّا إذا شرَط الخِيارَ فإنَّه يَصحُّ.
ومِثالُ مُختَلِفي الوَصفِ: أنْ يَبيعَه واحِدًا غيرَ مُعيَّنٍ مِنْ رِداءٍ وكِساءٍ؛ فإنَّه لا يَصحُّ؛ لأنَّ المَبيعَ في الأمرَيْنِ غيرُ مُعيَّنٍ، ولا يَصحُّ بَيعُ المَجهولِ، وإذا اشتَراه بثَمَنِ مُختلِفٍ كانَ الفَسادُ أظهَرَ؛ لأنَّ الجَهالةَ تَكونُ في المَبيعِ وفي الثَّمنِ.
أمَّا إذا كانا مُختلِفَيْنِ جَودةً ورَداءةً فَقط، كما إذا باعَه إحدَى صُبرَتَيْنِ مِنْ قَمحٍ، إحداهما جَيِّدةٌ والأُخرَى رَديئةٌ، بثَمَنٍ واحِدٍ، على أنْ يَختارَ مِنهما ما يُعجِبُه، فإنَّه يَصحُّ؛ لأنَّ المُعتادَ في مِثلِ ذلك شِراءُ الجَيِّدِ، لا الرَّديءِ (١).
(١) «الكافي» (١/ ٣٦٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ٩٢، ٩٣)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٩٥)، و «حاشية العدوي» (٢/ ٢٢٢)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ٣٩٥، ٣٩٧)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٥٣٩، ٥٤٠)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٣٧٦، ٣٧٨)، و «مواهب الجليل» (٦/ ١٩٣)، و «منح الجليل» (٥/ ٣٧).
وقالَ الشافِعيَّةُ: بَيعَتانِ في بَيعةٍ؛ فيه تَأويلانِ:
أحَدُهما: أنْ يَقولَ: بِعتُكَ هذا بألْفٍ، على أنْ تَبيعَني دارَكَ بكذا، أو تَشتَريَ مِنِّي داري بكَذا، وهو باطِلٌ لِلتَّعليقِ على الشَّرطِ في هذه الصُّورةِ؛ لأنَّه شَرطٌ لا يَلزَمُ، ويَتفاوَتُ بعَدَمِه مَقصودُ العَقدِ.
والآخَرُ: أنْ يَقولَ: بِعتُكَه بألْفٍ نَقدًا، أو بألفَيْنِ نَسيئةً (تَقسيطًا)؛ فخُذْه بأيِّهما شِئتَ، أو شِئتُ أنا؛ فيَقبَلَ المُشتَري البَيعَ بالنَّقدِ أو بالتَّقسيطِ، فباطِلٌ أيضًا؛ لِلجَهلِ بالثَّمنِ.
أمَّا لو قالَ: بِعتُكَ بألْفٍ نَقدًا، وبِألفَيْنِ نَسيئةً، أو قالَ: بِعتُكَ نِصفَه بألْفٍ، ونِصفَه بألفَيْنِ؛ فيَصحُّ العَقدُ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: بَيعَتانِ في بَيعةٍ تَكونُ مثلَ أنْ يَقولَ: بِعتُكَ داري هذه على أنْ أبيعَكَ داري الأُخرَى بكَذا، أو على أنْ تَبيعَني دارَكَ أو على أنْ أُؤجِّرَكَ أو على أنْ تُؤجِّرَني كذا، أو على أنْ تُزوِّجَني ابنَتَكَ، أو على أنْ أُزوِّجَكَ ابنَتي، ونَحوِ هذا؛ فهذا كُلُّه لا يَصحُّ.
وكذا إنْ باعَه بعَشَرةٍ نَقدًا، أو بخَمسَةَ عشَرَ نَسيئةً، أو بعَشَرةٍ صِحاحًا، أو بعِشرينَ مُكسَّرةً، لَم يَصحَّ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ، وهو هذا، ولأنَّه لَم يَجزِمْ له ببَيعٍ واحِدٍ، أشبَهَ ما لو قالَ: بِعتُكَ أحَدَ هَذيْنِ،
(١) «المهذب» (١/ ٢٦٧)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٦١)، و «منهاج الطالبين» (١/ ٤٦)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤٦٣)، و «نهاية المحتاج» (٣/ ٥١٧)، و «الديباج» (٢/ ٤٢)، و «حاشية البجيرمي» (٢/ ٢٧٦).
ولِجَهالةِ الثَّمنِ، إلَّا أنْ يَتفرَّقَ المُتعاقِدانِ على أحَدِهما، أي: أحَدِ الثَّمنَيْنِ، في الكُلِّ، فيَصحَّ؛ لِزَوالِ المانِعِ؛ لأنَّه عِوَضٌ؛ فتَعيَّنَ بالتَّعيينِ، كالمَبيعِ (١).
وأمَّا الحَنفيَّةُ فقالَ الحَدَّادُ رحمة الله عليه: وأمَّا نَهيُه عن شَرطَينِ في بَيعٍ فهو أنْ يَبيعَ عَبدًا بألْفٍ إلى سَنةٍ، أو بألْفٍ وخَمسِمِئةٍ إلى سَنَتَيْنِ، ولَم يَثبُتِ العَقدُ على أحَدِهما، أو يَقولَ: على إنْ أعطَيتَني الثَّمنَ حالًّا فبِألْفٍ، وإنْ أخَّرتَه إلى شَهرٍ فبِألفَيْنِ، أو يَقولَ: أبيعُكَ بقَفيزِ حِنطةٍ، أو بقَفيزَيْ شَعيرٍ، فهذا لا يَجوزُ؛ لأنَّ الثَّمنَ مَجهولٌ عندَ العَقدِ، ولا يَدري البائِعُ أيُّ الثَّمنَيْنِ يَلزَمُ المُشتَريَ (٢).
وقد ذكَر ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه المَسألةَ وبيَّن المُرادَ مِنها عندَ جُمهورِ العُلماءِ، فقالَ -بعدَ أنْ ذكَر حَديثَ أبي هُريرةَ رضي الله عنه المُتقدِّمَ -أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ-: فاتَّفق الفُقهاءُ على القَولِ بمُوجِبِ هذا الحَديثِ عُمومًا، واختَلَفوا في التَّفصيلِ، أعني في الصُّورةِ التي يُطلَقُ عليها هذا الِاسمُ مِنْ التي لا يُطلَقُ عليها.
واتَّفَقوا أيضًا على بَعضِها، وذلك يُتصوَّرُ على وُجوهٍ ثَلاثةٍ:
أحدُها: إمَّا في مَثمونَيْنِ بثَمَنَيْنِ، أو مَثمونٍ واحِدٍ بثَمَنَيْنِ، أو مَثمونَيْنِ بثَمَنٍ واحِدٍ، على أنَّ أحَدَ البَيعَيْنِ قد لزِم.
(١) «المغني» (٤/ ١٦١)، و «الكافي» (٢/ ١٧)، و «المبدع» (٤/ ٣٥)، و «الإنصاف» (٤/ ٣٥٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ١٥٠)، و «الروض المربع» (١/ ٥٥٧)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤١).
(٢) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٨٣)، وكتاب: «الخلاصة الفقهية على مذهب السادة الحنفية» (٢/ ٥٣).
أمَّا في مَثمونَيْنِ بثَمَنَيْنِ فإنَّ ذلك يُتصوَّرُ على وَجهَيْنِ:
أحَدُهما: أنْ يَقولَ له: أبيعُكَ هذه السِّلعةَ بثَمَنِ كذا، على أنْ تَبيعَني هذه الدَّارَ بثَمَنِ كذا.
والآخَرُ: أنْ يَقولَ له: أبيعُكَ هذه السِّلعةَ بدِينارٍ، أو هذه الأُخرَى بدِينارَيْنِ.
وأمَّا بَيعُ مَثمونٍ واحِدٍ بثَمَنَيْنِ فإنَّ ذلك يُتصوَّرُ أيضًا على وَجهَيْنِ:
أحَدُهما: أنْ يَكونَ أحَدَ الثَّمنَيْنِ نَقدًا والآخَرُ نَسيئةً، مثلَ أنْ يَقولَ لَهُ: أبيعُكَ هذا الثَّوبَ نَقدًا بثَمَنِ كذا، على أنْ أشتَريَه مِنْكَ إلى أجَلِ كذا بثَمَنِ كذا.
وأمَّا مَثمونانِ بثَمَنٍ واحِدٍ فيَكونُ مثلَ أنْ يَقولَ له: أبيعُكَ أحَدَ هَذَيْنِ بثَمَنِ كذا.
أمَّا الوَجْهُ الأوَّلُ: وهو أنْ يَقولَ له: أبيعُكَ هذه الدَّارَ بكذا، على أنْ تَبيعَني هذا الغُلامَ بكذا، فنَصَّ الشافِعيُّ على أنَّه لا يَجوزُ؛ لأنَّ الثَّمنَ في كِلَيْهما يَكونُ مَجهولًا؛ لأنَّه لو أفرَدَ المَبيعَيْنِ لَم يَتَّفقا في كلِّ واحِدٍ مِنهما على الثَّمنِ الذي اتَّفَقا عليه في المَبيعَيْنِ في عَقدٍ واحِدٍ، وأصْلُ الشافِعيِّ في رَدِّ بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ إنَّما هو جَهلُ الثَّمنِ أو المَثمونِ.
وأمَّا الوَجْهُ الثَّاني: وهو أنْ يَقولَ: أبيعُكَ هذه السِّلعةَ بدِينارٍ، أو هذه الأُخرى بدِينارَيْنِ على أنَّ البَيعَ قد لزِم في أحَدِهما، فلا يَجوزُ عندَ الجَميعِ، وسَواءٌ أكانَ النَّقدُ واحِدًا أو مُختَلِفًا، وخالَفَ عَبدُ العَزيزِ بنُ أبي سَلَمةَ في
ذلك، فأجازَه إذا كانَ النَّقدُ واحِدًا أو مُختلِفًا، وعِلَّةُ مَنعِه عندَ الجَميعِ الجَهلُ، وعندَ مالِكٍ مِنْ بابِ سَدِّ الذَّرائِعِ؛ لأنَّه مُمكِنٌ أنْ يَختارَ في نَفْسِه أحَدَ الثَّوبَيْنِ، فيَكونَ قد باعَ ثَوبًا ودِينارًا بثَوبٍ ودِينارٍ، وذلك لا يَجوزُ على أصْلِ مالِكٍ.
وأمَّا الوَجْهُ الثَّالثُ: وهو أنْ يَقولَ له: أبيعُكَ هذا الثَّوبَ نَقدًا بكَذا، أو نَسيئةً بكَذا، فهذا إذا كانَ البَيعُ فيه واجِبًا فلا خِلافَ في أنَّه لا يَجوزُ، وأمَّا إذا لَم يَكُنِ البَيعُ لازِمًا في أحَدِهما فقد أجازَه مالِكٌ، ومنَعه أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ؛ لأنَّهما افتَرَقا على ثَمَنٍ غيرِ مَعلومٍ، وجعَله مالِكٌ مِنْ بابِ الخِيارِ؛ لأنَّه إذا كانَ عندَه على الخِيارِ لَم يُتصوَّرْ فيه نَدَمٌ يُوجِبُ تَحويلَ أحَدِ الثَّمنَيْنِ في الآخَرِ، وهذا عندَ مالِكٍ هو المانِعُ.
فعِلَّةُ امتِناعِ هذا الوَجْهِ الثَّالثِ عندَ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ مِنْ جِهةِ جَهلِ الثَّمنِ فهو عندَهما مِنْ بُيوعِ الغَرَرِ التي نُهيَ عنها، وعِلَّةُ امتِناعِه عندَ مالِكٍ سَدُّ الذَّريعةِ المُوجِبةِ لِلرِّبا؛ لِإمكانِ أنْ يَكونَ الذي له الخِيارُ قد اختارَ أوَّلًا إنفاذَ العَقدِ بأحَدِ الثَّمنَيْنِ، المُؤجَّلِ أو المُعجَّلِ، ثم بَدا له ولَم يَظهَرْ ذلك؛ فيَكونَ قد ترَك أحَدَ الثَّمنَيْنِ لِلثَّمَنِ الثَّاني، فكَأنَّه باعَ أحَدَ الثَّمنَيْنِ بالثَّاني، فيَدخُلَه ثَمَنٌ بثَمَنٍ نَسيئةً، أو نَسيئةً ومُتفاضِلًا، وهذا كُلُّه إذا كانَ الثَّمنُ نَقدًا، وإنْ كانَ الثَّمنُ غيرَ نَقدٍ، بَلْ طَعامًا دخَله وَجْهٌ آخَرُ، وهو بَيعُ الطَّعامِ بالطَّعامِ مُتفاضِلًا.
وأمَّا إذا قالَ: أشتَري مِنْكَ هذا الثَّوبَ نَقدًا بكذا على أنْ تَبيعَه مِنِّي إلى أجَلٍ، فهو عندَهم لا يَجوزُ بإجماعٍ؛ لأنَّه مِنْ بابِ العَيِّنةِ، وهو بَيعُ الرَّجُلِ ما ليسَ عندَه، ويَدخُلُه أيضًا عِلَّةُ جَهلِ الثَّمنِ.
وأمَّا إذا قالَ له: أبيعُكَ أحَدَ هَذيْنِ الثَّوبَيْنِ بدِينارٍ، وقد لزِمه أحَدُهما أيَّهما يَختارُ، وافتَرَقا قبلَ الخِيارِ؛ فإذا كانَ الثَّوبانِ مِنْ صِنفَيْنِ وهُما ممَّا يَجوزُ أنْ يُسلَّمَ أحَدُهما في الثَّاني؛ فإنَّه لا خِلافَ بينَ مالِكٍ والشافِعيِّ في أنَّه لا يَجوزُ، وقالَ عَبدُ العزيزِ بنُ أبي سَلَمةَ: إنَّه يَجوزُ، وعِلَّةُ المَنعِ الجَهلُ والغَرَرُ.
وأمَّا إنْ كانا مِنْ صِنفٍ واحِدٍ فيَجوزُ عندَ مالِكٍ، ولا يَجوزُ عندَ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ، وأمَّا مالِكٌ فإنَّه أجازَه؛ لأنَّه يُجيزُ الخِيارَ بعدَ عَقدِ البَيعِ في الأصنافِ المُستَويةِ لِقِلَّةِ الغَرَرِ عندَه في ذلك.
وأمَّا مَنْ لا يُجيزُه فيَعتبِرُه بالغَرَرِ الذي لا يَجوزُ؛ لأنَّهما افتَرَقا على بَيعٍ غيرِ مَعلومٍ.
وبِالجُملةِ الفُقهاءُ مُتَّفِقونَ على أنَّ الغَرَرَ الكَثيرَ في المَبيعاتِ لا يَجوزُ، وأنَّ القَليلَ يَجوزُ، ويَختلِفونَ في أشياءَ مِنْ أنواعِ الغَرَرِ، فبَعضُهم يُلحِقُها بالغَرَرِ الكَثيرِ، وبَعضُهم يُلحِقُها بالغَرَرِ القَليلِ المُباحِ؛ لِتَردُّدِها بينَ القَليلِ والكَثيرِ (١).
أمَّا الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: فقد فسَّر البَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ بأنَّهما الشَّرطانِ في البَيعِ، قالَ: الوَجْهُ الثَّاني والسِّتُّونَ أنَّه ﷺ نهَى عن بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ، وهو الشَّرطانِ في البَيعِ في الحَديثِ الآخَرِ، وهو الذي لِعاقِدِه أوكَسُ البَيعَتَيْنِ أو الرِّبا في الحَديثِ الثَّالثِ، وذلك سَدٌّ لِذَريعةِ الرِّبا؛ فإنَّه إذا باعَه السِّلعةَ بمِئةٍ مُؤجَّلةٍ ثم اشتَراها مِنه بمِئَتَيْنِ حالَّةٍ فقد باعَ بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ؛ فإنْ
(١) «بداية المجتهد» (٢/ ١٥، ١٦)، ويُنظر: «الإفصاح» (١/ ٤٠٧).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب بيع ما يجوز بيعه وما لا يجوز
بَابُ بَيْعِ مَا يَجُوزُ بَيْعُهُ وَمَا لَا يجوز
مَسْأَلَةٌ:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَمَهْرِ الْبَغِيِّ وَحُلْوَانِ الكاهن (قال الشافعي) وقال - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا إِلَّا كَلْبَ مَاشِيَةٍ أَوْ ضَارِيًا نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ " قَالَ وَلَا يَحِلُّ لِلْكَلْبِ ثَمَنٌ بِحَالٍ وَلَوْ جَازَ ثَمَنُهُ جَازَ حُلْوَانُ الْكَاهِنِ وَمَهْرُ الْبَغِيِّ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ. بَيْعُ الْكَلْبِ باطل وثمنه حرام ولا قيمة على متلفه بِحَالٍ سَوَاءً كَانَ مُنْتَفِعًا بِهِ أَوْ غَيْرَ مُنْتَفِعٍ بِهِ.
وَقَالَ أبو حنيفة: بَيْعُ الْكَلْبِ جَائِزٌ وَثَمَنُهُ حَلَالٌ وَالْقِيمَةُ عَلَى مُتْلِفِهِ وَاجِبَةٌ سَوَاءً كَانَ مُنْتَفِعًا بِهِ أَوْ غَيْرَ مُنْتَفِعٍ بِهِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: بَيْعُهُ لَا يَجُوزُ وَثَمَنُهُ لَا يَحِلُّ لَكِنْ عَلَى قَاتِلِهِ الْقِيمَةُ.
وَاسْتَدَلُّوا على ذلك برواية الْحَسَنِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ وَالْهِرِّ إِلَّا الْكَلْبَ الْمُعَلَّمَ. فَجَوَّزَ ثَمَنَ الْكَلْبِ إِذَا كَانَ مُعَلَّمًا، وَالْخِلَافُ فِيهِمَا وَاحِدٌ.
ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.