الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > بيع الأصنام والأوثان والصليب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 18 دقيقة قراءةوقالَ ابنُ حَجَرٍ الهَيثَميُّ رحمة الله عليه: والدَّمُ وسَبَبُ تَحريمِه نَجاسَتُه أيضًا، وكانوا يَملَؤونَ المِعَى أو المَباعِرَ مِنْ الدَّمِ ويَشوُونَه ويُطعِمونَه الضَّيفَ، فحرَّم اللَّهُ ﷾ عليهم ذلك، واتَّفق العُلماءُ على تَحريمِه ونَجاسَتِه، نَعَمْ يُعفَى عَمَّا يَبقَى في العُروقِ واللَّحمِ على أنَّه خرَج بالمَسفوحِ في الآيةِ الأُخرَى المُقيِّدةِ لِإطلاقِه في هذه الآيةِ، ويُستَثنَى مِنه الكَبِدُ والطِّحالُ؛ لِلحَديثِ الصَّحيحِ بهما على أنَّهما خَرَجا بالمَسفوحِ أيضًا، فلا استِثناءَ، ونَقلَ بَعضُهم عن الجُمهورِ أنَّ الدَّمَ حَرامٌ، ولو غيرَ مَسفوحٍ.
ورُدَّ قَولُ أبي حَنيفةَ بحِلِّ غيرِ المَسفوحِ، وليسَ كما زَعَمَ (١).
وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: يَحِلُّ أكْلُ الكَبِدِ والطِّحالِ بلا خِلافٍ؛ لِلحَديثِ الصَّحيحِ السَّابِقِ: «أُحِلَّ لَنا مَيتَتانِ ودَمانِ؛ فأمَّا المَيتَتانِ: فالحُوتُ والجَرادُ، وأمَّا الدَّمانِ: فالكَبِدُ والطِّحالُ (٢)» (٣).
بَيعَ الأصنامِ والأوثانِ والصَّليبِ:
قالَ ابنُ الآثيرِ: الفَرقُ بينَ الوَثَنِ والصَّنَمِ أنَّ الوَثَنَ كلُّ ما له جُثَّةٌ مَعمولةٌ مِنْ جَواهِرِ الأرضِ، أو مِنْ الخَشَبِ والحِجارةِ، كصُورةِ الآدَميِّ، تُعمَلُ وتُنصَبُ فتُعبَدُ، والصَّنَمُ الصُّورةُ بلا جُثَّةٍ، ومِنهم مَنْ لَم يُفرِّقْ بينَهما، وأطلَقَها على المَعنيَيْنِ، وقد يُطلَقُ الوَثَنُ على غيرِ الصُّورةِ، ومِنه حَديثُ عِدِيِّ بنِ حاتِمٍ رضي الله عنه: قَدِمتُ على النَّبيِّ ﷺ وفي عُنُقي صَليبٌ
(١) «الزواجر» (١/ ٤٢٣).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد (٥٧٢٣)، وابن ماجه (٣٣١٤).
(٣) «المجموع» (٩/ ٩٧).
مِنْ ذَهَبٍ، فقالَ لي ﷺ: «ألْقِ هذا الوَثَنَ عَنْكَ» (١).
وقالَ ابنُ مَنظورٍ الأزهَريُّ: قالَ شِمْرٌ فيما قَرَأتُ بخَطِّه: أصْلُ الأوثانِ عندَ العَرَبِ كلُّ تِمثالٍ مِنْ خَشَبٍ أو حِجارةٍ أو ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ أو نُحاسٍ أو نَحوِها، وكانَتِ العَرَبُ تَنصِبُها وتَعبُدُها، وكانَتِ النَّصارَى نَصَبتِ الصَّليبَ، وهو كالتِّمثالِ، تُعظِّمُه وتَعبُدُه، ولِذلك سَمَّاه الأعشَى وَثَنًا، وقالَ:
تَطوفُ العُفاةُ بأبوابِه كطَوفِ النَّصارى ببَيتِ الوَثَنْ
أرادَ بالوَثَنِ الصَّليبَ.
قالَ: وقالَ عَدِيُّ بنُ حاتِمٍ رضي الله عنه: قَدِمتُ على النَّبيِّ ﷺ وفي عُنُقي صَليبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فقالَ لي: «ألْقِ هذا الوَثَنَ عَنْكَ»، أرادَ به الصَّليبَ، كما سَمَّاه الأعشَى وَثَنًا (٢).
وقد اتَّفق أهلُ العِلمِ على حُرمةِ بَيعِ الأصنامِ بكُلِّ أنواعِها وأشكالِها وصُوَرِها؛ لِحَديثِ جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ رضي الله عنه أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ عامَ الفَتحِ وهو بمَكَّةَ: «إنَّ اللَّهَ ورَسولَه حرَّم بَيعَ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ والأصنامِ … » (٣).
قالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: أجمَعَتِ الأُمَّةُ على أنَّه لا يَجوزُ بَيعُ المَيْتةِ والأصنامِ؛ لأنَّه لا يَحِلُّ الِانتِفاعُ بهما؛ فوَضْعُ الثَّمنِ فيهما إضاعةٌ
(١) «النهاية» (٥/ ١٥٠).
(٢) «لسان العرب» (١٣/ ٤٤٣).
(٣) رواه البخاري (٢١٢١)، ومسلم (١٥٨١).
لِلمالِ، وقد نهَى النَّبيُّ ﷺ عن إضاعةِ المالِ (١).
وقالَ ابنُ بطَّالٍ: وقالَ ابنُ المُنذِرِ: في مَعنَى الأصنامِ: الصُّورُ المُتَّخَذةُ مِنْ المَدَرِ والخَشَبِ وشِبْهِهما، وكُلُّ ما يَتَّخِذُ النَّاسَ ممَّا لا مَنفَعةَ فيه إلَّا لِلَّهوِ المَنهيِّ عنه، فلا يَجوزُ بَيعُ شَيءٍ مِنه إلَّا الأصنامَ التي تَكونُ مِنْ الذَّهبِ والفِضَّةِ والحَديدِ والرَّصاصِ، إذا غُيِّرتْ عَمَّا هي عليه وصارَت نُقَرًا، أو قِطَعًا؛ فيَجوزُ بَيعُها والشِّراءُ بها (٢).
قالَ الإمامُ البَغَويُّ رحمة الله عليه: وفي تَحريمِ بَيعِ الأصنامِ دَليلٌ على تَحريمِ بَيعِ جَميعِ الصُّورِ المُتَّخَذةِ مِنْ الخَشَبِ والحَديدِ والذَّهبِ والفِضَّةِ وغيرِها، وعلى تَحريمِ بَيعِ جَميعِ آلاتِ اللَّهوِ والباطِلِ، مثلَ الطُّنبورِ والمِزمارِ والمَعازِفِ كُلِّها؛ فإذا طُمِسَتِ الصُّوَرُ، وغُيِّرتْ آلاتُ اللَّهوِ عن حالَتِها يَجوزُ بَيعُ جَواهِرِها، وأُصولِها؛ فِضَّةً كانَتْ أو حَديدًا أو خَشَبًا أو غيرَها (٣).
وقالَ الإمامُ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وأمَّا تَحريمُ بَيعِ الأصنامِ فيُستَفادُ مِنه تَحريمُ بَيعِ كلِّ آلةٍ مُتَّخَذةٍ لِلشِّركِ على أيِّ وَجْهٍ كانَتْ، ومِن أيِّ نَوعٍ كانَتْ، صَنَمًا أو وَثَنًا أو صَليبًا، وكذلك الكُتُبُ المُشتَمِلةُ على الشِّركِ وعِبادةِ غيرِ اللَّهِ ﷾؛ فهذه كُلُّها يَجِبُ إزالَتُها وإعدامُها، وبَيعُها يَكونُ ذَريعةً إلى اقتِنائِها واتِّخاذِها، فهو أوْلَى بتَحريمِ البَيعِ مِنْ كلِّ ما عَداها؛ فإنَّ مَفسَدةَ بَيعِها
(١) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٣٦٠).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٦٠٧).
(٣) «شرح السنة» (٨/ ٢٨).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل في بيع المرابحة]
(فَصْلٌ) جَازَ مُرَابَحَةً
ــ
منح الجليل
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقَالَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَمِنْ الْعُرُوضِ وَالتَّوْلِيَةِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ حُكْمُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ وَالشَّرِكَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ التَّوْلِيَةِ بِلَا إشْكَالٍ وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ هُوَ أَشَدُّ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا فِي الْإِقَالَةِ مِنْ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالْعَرْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَأَمَّا فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِيهَا، قَالَ فِيهَا: وَإِنْ ابْتَعْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً وَنَقَدْته ثَمَنَهَا ثُمَّ أَقَلْته وَافْتَرَقْتُمَا عَلَى أَنْ تَقْبِضَ رَأْسَ مَالِكِ وَأَخَّرْته بِهِ إلَى سَنَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَادِثٌ، وَالْإِقَالَةُ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ اهـ كَلَامُ الْحَطّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ الْبُنَانِيُّ التَّرْتِيبُ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الصَّرْفِ وَابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَشَدَّدُوا فِي الصَّرْفِ وَخَفَّفُوا فِي الْآخَرِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَهُمَا فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْخِلَافِ وَضَعْفِهِ اُنْظُرْ الْحَطّ.
فَصْلٌ فِي بَيْع الْمُرَابَحَةِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في حكم البيع
إلَيْهِ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطِبَهَا لِمَا رَوَيْنَا وَإِنْ لَمْ يَرْكُنْ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(وَمِنْهَا) بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ وَفِي عَسَاكِرِهِمْ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ مِنْهُمْ مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ، وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّلَاحُ مِنْهُمْ كَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلْقِتَالِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْإِعَانَةِ، وَنَظِيرُهُ بَيْعُ الْخَشَبِ الَّذِي يَصْلُحُ لِاِتِّخَاذِ الْمِزْمَارِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَإِنْ كُرِهَ بَيْعُ الْمَزَامِيرِ.
(وَأَمَّا) مَا يُكْرَهُ مِمَّا يَتَّصِلُ بِالْبُيُوعِ.
(فَمِنْهَا) الِاحْتِكَارُ وَقَدْ ذَكَرْنَا جُمْلَةَ الْكَلَامِ فِيهِ فِي بَابِ الْكَرَاهِيَةِ وَإِلْحَاقُهُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَوْلَى.
(وَمِنْهَا) النَّجْشُ وَهُوَ أَنْ يَمْدَحَ السِّلْعَةَ وَيَطْلُبَهَا بِثَمَنٍ ثُمَّ لَا يَشْتَرِيهِ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهِ وَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ النَّجْشِ» ؛ وَلِأَنَّهُ احْتِيَالٌ لِلْإِضْرَارِ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي يَطْلُبُ السِّلْعَةَ مِنْ صَاحِبِهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَطْلُبُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا فَنَجَشَ رَجُلٌ سِلْعَةً حَتَّى تَبْلُغَ إلَى ثَمَنِهَا فَهَذَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَإِنْ كَانَ النَّاجِشُ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي حُكْم الْبَيْعِ
(فَصْلٌ) :
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب بيع اللحم باللحم
باب بيع اللحم باللحم
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَاللَّحْمُ كُلُّهُ صِنْفٌ وَحْشِيُّهُ وَإِنْسِيُّهُ وَطَائِرُهُ لَا يَحِلُّ فِيهِ الْبَيْعُ حَتَّى يَكُونَ يَابِسًا وَزْنًا بِوَزْنٍ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِيهَا قَوْلَانِ فَخَرَّجَهُمَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ وَمَنْ قَالَ اللُّحْمَانُ صِنْفٌ وَاحِدٌ لَزِمَهُ إِذَا حَدَّهُ بِجَمَاعِ اللَّحْمِ أَنْ يَقُولَهُ فِي جَمَاعِ الثَّمَرِ فَيَجْعَلُ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الثِّمَارِ صِنْفًا وَاحِدًا وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ (قال المزني) فإذا كان تصيير اللحمان صنفا واحدا قياسا لا يجوز بحال وإن ذلك ليس على الأسماء الجامعة وأنها على الأصناف والأسماء الخاصة فقد قطع بأن اللحمان أصناف (قال المزني) وقد قطع قبل هذا الباب بأن ألبان البقر والغنم والإبل أصناف مختلفة فلحومها التي هي أصل الألبان بالاختلاف أولى وقال في الإملاء على مسائل مالك المجموعة فإذا اختلفت أجناس الحيتان فلا بأس بعضها ببعض متفاضلا وكذلك لحوم الطير إذا اختلفت أجناسها (قال المزني) وفي ذلك كفاية لما وصفنا: وبالله التوفيق " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي اللُّحْمَانِ، هَلْ هِيَ صِنْفٌ وَاحِدٌ أَوْ صِنْفَانِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَنْصُوصَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ: إِنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الْخَاصَّ يَجْمَعُهَا عِنْدَ حُدُوثِ الرِّبَا فِيهَا، وَلَا يَكُونُ اخْتِلَافُ أَنْوَاعِهَا دَلِيلًا عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا، كَمَا أَنَّ الثَّمَرَ كُلَّهُ جِنْسٌ، وَلَيْسَ اخْتِلَافُ أَنْوَاعِهِ دَلِيلًا عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِ.
ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.