الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > بيع الخنزير
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءةقالَ الحافِظُ: لَم يُبيَّنِ الحُكمُ؛ لأنَّ المُعتمَدَ فيه التَّفصيلُ؛ فإنْ كانَتِ الأوعيةُ بحيثُ يُراقُ ما فيها، وإذا غُسِلَتْ طَهُرتْ وانتُفِعَ بها، لَم يَجُزْ إتلافُها، وإلَّا جازَ (١).
بَيعَ الخِنزيرِ:
أجمَعَ أهلُ العِلمِ على حُرمةِ بَيعِ الخِنزيرِ؛ لقولِ اللَّهِ ﷾: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣].
ولِحَديثِ جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ رضي الله عنهما أنَّه سَمِعَ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ عامَ الفَتحِ وهو بمَكَّةَ: «إنَّ اللَّهَ ورَسولَه حرَّم بَيعَ الخَمرِ والمَيْتةِ والخِنزيرِ والأصنامِ»، فقيلَ: يا رَسولَ اللَّهِ، أرَأيتَ شُحومَ المَيْتةِ فإنَّها يُطلَى بها السُّفُنُ ويُدهَنُ بها الجُلودُ ويَستَصبِحُ بها النَّاسُ، فقالَ: «لا، هو حَرامٌ»، ثم قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ عندَ ذلك: قاتَلَ اللَّهُ اليَهودَ، إنَّ اللَّهَ لمَّا حرَّم شُحومَها جَمَلوه ثم باعوه فأكَلوا ثَمَنَه» (٢).
قالَ ابنُ المُنذِرِ رحمة الله عليه: وأجمَعوا على تَحريمِ ما حرَّم اللَّهُ مِنْ المَيْتةِ والدَّمِ والخِنزيرِ.
وقالَ: وأجمَعوا على أنَّ بَيعَ الخِنزيرِ وشِراءَه حَرامٌ (٣).
(١) «فتح الباري» (٥/ ١٢٢).
(٢) رواه البخاري (٢١٢١)، ومسلم (١٥٨١).
(٣) «الإجماع» رقم (٤٧١، ٤٧٢).
وقالَ في «الأوسَطِ»: وأجمَعَ أهلُ العِلمِ على تَحريمِ الخِنزيرِ، والخِنزيرُ مُحرَّمٌ بالكِتابِ والسُّنةِ واتِّفاقِ الأُمَّةِ (١).
وقالَ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: أجمَعَ العُلماءُ على أنَّ بَيعَ الخِنزيرِ وشِراءَه حَرامٌ، وأجمَعوا على قَتلِ كلِّ ما يُستضَرُّ به ويُؤذِي ممَّا لا يَبلُغُ أذَى الخِنزيرِ، كالفَواسِقِ التي أمَرَ النَّبيُّ ﷺ المُحرِمَ بقَتلِها؛ فالخِنزيرُ أوْلَى بذلك؛ لِشِدَّةِ أذاه.
ألَا تَرَى أنَّ عيسى ابنَ مَريَمَ يَقتُلُه عندَ نُزولِه؟! فقَتْلُه واجِبٌ، وفيه دَليلٌ على أنَّ الخِنزيرَ حَرامٌ في شَريعةِ عيسى، وأنَّ قَتلَه له تَكذيبٌ لِلنَّصارَى أنَّه حَلالٌ في شَريعَتِهم (٢).
ولأنَّ مِنْ شَرطِ المَعقودِ عليه -سَواءٌ أكانَ ثَمَنًا أو مُثمَّنًا- أنْ يَكونَ طاهِرًا، وأنْ يُنتفَعَ به شَرعًا.
والأصلُ في حِلِّ ما يُباعُ أنْ يَكونَ مُنتفَعًا بهِ؛ لأنَّ بَيعَ غيرِ المُنتفَعِ به شَرعًا لا يَتحقَّقُ به الرِّضا؛ فيَكونُ مِنْ أكلِ المالِ بالباطِلِ، وهو مَنهيٌّ عنه، والخِنزيرُ -إنْ كانَ فيه بَعضُ المَنافِعِ- مَنافِعُه مُحرَّمةٌ شَرعًا، والمَعدومُ شَرعًا كالمَعدومِ حِسًّا.
وكذا يَحرُمُ شَحمُه ولَحمُه وسائِرُ أجزائِه؛ لقولِه ﷾: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، قالَ النَّوويُّ: فذكَر
(١) «الأوسط» (٢/ ٢٨٠).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٣٤٤).
اللَّحمَ لأنَّه أعظَمُ المَقصودِ، وقد أجمَعَ المُسلِمونَ على تَحريمِ شَحمِه ودَمِه وسائِرِ أجزائِه (١).
قالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: وأمَّا تَحريمُ بَيعِ الخِنزيرِ فيَتناوَلُ جُملَتَه وجَميعَ أجزائِه الظَّاهِرةِ والباطِنةِ.
وتَأمَّلْ كَيفَ ذكَر لَحمَه عندَ تَحريمِ الأكلِ، إشارةً إلى تَحريمِ أكلِه، ومُعظَمُه اللَّحمُ؛ فذكَر اللَّحمَ تَنبيهًا على تَحريمِ أكلِه دونَ ما قَبلُه، بخِلافِ الصَّيدِ؛ فإنَّه لَم يَقُلْ فيه: وحرَّم عليكم لَحمَ الصَّيدِ، بَلْ حرَّم الصَّيدَ نَفْسَه؛ لِيَتناوَلَ ذلك أكلَه وقَتلَه، وهَهُنا لمَّا حرَّم البَيعَ ذكَر جُملَتَه، ولَم يَخُصَّ التَّحريمَ بلَحمِه؛ لِيَتناوَلَ بَيعَه حَيًّا ومَيْتًا (٢).
وقالَ ابنُ كَثيرٍ عندَ تَفسيرِ قَولِ اللهِ تَعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ [المائدة: ٣]، قالَ: يَعني إنسيَّه ووَحشيَّه واللَّحمُ يُعمِّمُ جَميعَ أجزائِه، حتى الشَّحمِ، ولا يَحتاجُ إلى تَحَذلُقِ الظَّاهِريَّةِ في جُمودِهم ههُنا وتَعسُّفِهم في الِاحتِجاجِ بقَولِه ﷾: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا﴾، يَعنونَ قَولَه تَعالى: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]، أعادوا الضَّميرَ فيما فَهِموه على الخِنزيرِ، حتى يُعمِّمَ جَميعَ أجزائِه، وهذا بَعيدٌ مِنْ حيثُ اللُّغةُ؛ فإنَّه لا يَعودُ الضَّميرُ إلَّا إلى المُضافِ دونَ المُضافِ إليه، والأظهَرُ أنَّ اللَّحمَ يُعمِّمُ جَميعَ الأجزاءِ، كما هو
(١) «شرح مسلم» (١٣/ ٩٦).
(٢) «زاد المعاد» (٥/ ٧٦١).
المَفهومُ مِنْ لُغةِ العَرَبِ، ومِنَ العُرفِ المُطَّرِدِ، وفي صَحيحِ مُسلِمٍ عن بُريدةَ بن الخَصيبِ الأسلَميِّ قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «مَنْ لَعِبَ بالنَّردَشيرِ فكَأنَّما صَبَغَ يَدَه في لَحمِ الخِنزيرِ ودَمِه» (١)، فإذا كانَ هذا التَّنفيرُ لِمُجرَّدِ اللَّمسِ؛ فكَيفَ يَكونُ التَّهديدُ والوَعيدُ الأكيدُ على أكلِه والتَّغَذِّي به؟
وفيه دِلالةٌ على شُمولِ اللَّحمِ لِجَميعِ الأجزاءِ مِنْ الشَّحمِ وغيرِه (٢).
وفَصَّلَ الحَنفيَّةُ في حُكمِ بَيعِ الخِنزيرِ، فهو عندَهم باطِلٌ إذا بِيعَ بدَراهِمَ أو دَنانيرَ، وفاسِدٌ إذا بِيعَ بعَينٍ، على قَولِهم بالتَّفريقِ بينَ البُطلانِ والفَسادِ، والفَرقُ بينَ بَيعِه بدَراهِمَ أو دَنانيرَ، وبينَ بَيعِه بعَينٍ، أنَّ الشَّرعَ أمَرَ بإهانةِ الخِنزيرِ وتَرْكِ إعزازِه، وفي شِرائِه بدَراهِمَ أو دَنانيرَ إعزازٌ له، لأنَّها غيرُ مَقصودةٍ في العَقدِ؛ لِكَونِها وَسيلةً لِلتَّملُّكِ، وإنَّما المَقصودُ الخِنزيرُ، ولِذا كانَ بَيعُه بهما باطِلًا ويُسقِطُ التَّقوُّمَ.
أمَّا إذا بِيعَ بعَينٍ، كالثِّيابِ؛ فقد وُجِدتْ حَقيقةُ البَيعِ، لأنَّه مُبادَلةٌ مالٍ بمالٍ، والخِنزيرُ يُعتبَرُ مالًا في بَعضِ الأحوالِ، كما هو عندَ أهلِ الكِتابِ، إلَّا أنَّه في هذه الصُّورةِ يُعتبَرُ كُلٌّ مِنهما ثَمَنًا ومَبيعًا، ورُجِّحَ اعتِبارُ الثَّوبِ مَبيعًا تَصحيحًا لِتَصرُّفِ العُقَلاءِ الذي يَقضي بأنْ يَكونَ الإعزازُ لِلثَّوبِ، وهو المَقصودُ بالعَقدِ، لا الخِنزيرُ، فتَكونُ تَسميةُ الخِنزيرِ في العَقدِ مُعتبَرةً في
(١) رواه مسلم (٢٢٦٠).
(٢) «تفسير ابن كثير» (٢/ ٩، ١٠).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل في بيع المرابحة]
(فَصْلٌ) جَازَ مُرَابَحَةً
ــ
منح الجليل
فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْإِقَالَةَ مِنْ الطَّعَامِ وَمِنْ الْعُرُوضِ وَالتَّوْلِيَةِ وَبَيْعِ الدَّيْنِ حُكْمُهَا سَوَاءٌ، لِأَنَّهُ صَرَّحَ بِهِ وَالشَّرِكَةُ حُكْمُهَا حُكْمُ التَّوْلِيَةِ بِلَا إشْكَالٍ وَفَسْخُ الدَّيْنِ فِي الدَّيْنِ هُوَ أَشَدُّ مِنْ بَيْعِ الدَّيْنِ، فَيَكُونُ حُكْمُ الْجَمِيعِ وَاحِدًا عَلَى مَذْهَبِ الْمُدَوَّنَةِ، وَهَذَا فِي الْإِقَالَةِ مِنْ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ وَالْعَرْضِ الْمُسْلَمِ فِيهِ وَأَمَّا فِي الْمَبِيعِ الْمُعَيَّنِ فَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ فِيهَا، قَالَ فِيهَا: وَإِنْ ابْتَعْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً مُعَيَّنَةً وَنَقَدْته ثَمَنَهَا ثُمَّ أَقَلْته وَافْتَرَقْتُمَا عَلَى أَنْ تَقْبِضَ رَأْسَ مَالِكِ وَأَخَّرْته بِهِ إلَى سَنَةٍ جَازَ لِأَنَّهُ بَيْعٌ حَادِثٌ، وَالْإِقَالَةُ تَجْرِي مَجْرَى الْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ اهـ كَلَامُ الْحَطّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ الْبُنَانِيُّ التَّرْتِيبُ هُنَا إنَّمَا هُوَ بَيْنَ الصَّرْفِ وَابْتِدَاءِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ فَشَدَّدُوا فِي الصَّرْفِ وَخَفَّفُوا فِي الْآخَرِ، وَأَمَّا مَا بَيْنَهُمَا فَلَا تَرْتِيبَ بَيْنَهُمَا مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جِهَةِ قُوَّةِ الْخِلَافِ وَضَعْفِهِ اُنْظُرْ الْحَطّ.
فَصْلٌ فِي بَيْع الْمُرَابَحَةِ
ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.