وضع الجوائح

الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > وضع الجوائح

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

وضع الجوائح - الأقوال والأدلة

وَضْعُ الجَوائِحِ:

اختلَف العُلماءُ في الثَّمرةِ إذا بِيعَتْ بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، وسلَّمها البائِعُ إلى المُشتَرِي بالتَّخليةِ بينَه وبينَها، ثم تَلِفتْ قبلَ أوانِ الجِذاذِ بآفةٍ سَماويَّةٍ، هل تَكونُ مِنْ ضَمانِ البائِعِ أو مِنْ ضَمانِ المُشتَرِي؟ على قَولَيْنِ:

القَولُ الأوَّلُ: أنَّ ما تُهلِكُه الجائِحةُ مِنْ الثِّمارِ مِنْ ضَمانِ البائِعِ، وبِهذا قالَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ والشافِعيُّ في القَديمِ، إلَّا أنَّ المالِكيَّةَ والحَنابِلةَ في قَولٍ اشتَرَطوا لِوَضعِ الجَوائِحِ أنْ تُصيبَ الجائِحةُ ثُلُثَ الثِّمارِ فأكثَرَ؛ فإنْ أصابَتْ أقَلَّ مِنْ الثُّلُثِ لَم يُوضَعْ عن المُشتَرِي شَيءٌ، وإذا أصابَتِ الثُّلُثَ فأكثَرَ لزِم المُشتَرِيَ قِيمَتُها بعدَ حَطِّ ما أصابَتْه الجائِحةُ، واستَثنَوْا مِنْ ذلك الجائِحةَ مِنْ العَطَشِ، فيُوضَعُ قَليلُها وكَثيرُها، سَواءٌ بَلَغتِ الثُّلُثَ أو لا.

واستَدَلُّوا على ذلك بما رَواه مُسلِمٌ في صَحيحِه عن جابرٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ أمَرَ بوَضعِ الجَوائِحِ (١) وعَنه قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ : «إنْ بِعتَ مِنْ أخيكَ ثَمَرًا فأصابَتْه جائِحةٌ فلا يَحِلُّ لَكَ أنْ تَأخُذَ مِنه شَيئًا، بِمَ تَأخُذُ مالَ أخيكَ بغيرِ حَقٍّ؟» (٢)، وفي لَفظِ أبي داوُدَ: «مَنْ

(١) أخرجه مسلم (١١٩١/ ١٥٥٤) في: باب وضع الجوائح، من كتاب المساقاة.
(٢) أخرجه مسلم (١١٩٠/ ٥٥٤) في: باب وضع الجوائح، من كتاب المساقاة، وأبو داود (٣٤٧٠) في باب وضع الجائحة من كتاب البيوع.

باعَ ثَمَرًا فأصابَتْه جائِحةٌ فلا يَأخُذْ مِنْ مالِ أخيه شَيئًا، عَلَامَ يَأخُذُ أحَدُكم مالَ أخيه المُسلِمِ؟» (١)، وهذا صَريحٌ في الحُكمِ، فلا يُعدَلُ عنه.

ولأنَّه مَبيعٌ بَقيَ على البائِعِ فيه حَقُّ تَوفيةٍ، بدَليلٍ ما عليه مِنْ سَقيِه إلى أنْ يَكمُلَ، فكَأنَّها تَلِفتْ قبلَ القَبضِ؛ فكانَتْ مِنْ ضَمانِ البائِعِ، أصْلُه سائِرُ المَبيعاتِ التي بَقيَ لَها حَقُّ تَوفيةٍ.

والفَرقُ بينَ هذا المَبيعِ وبينَ سائِرِ البُيوعِ أنَّ هذا بَيعٌ وقَع في الشَّرعِ، والمَبيعُ لَم يَكمُلْ بَعدُ؛ فكَأنَّه مُستَثنًى مِنْ النَّهيِ عن بَيعِ ما لَم يُخلَقْ؛ فوجَب أنْ يَكونَ في ضَمانِه مُخالِفًا لِسائِرِ المَبيعاتِ.

القَولُ الثَّاني: أنَّ الجائِحةَ تَكونُ مِنْ ضَمانِ المُشتَرِي، وهو قَولُ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ في المَذهبِ؛ لِمَا رَوَتْ عَمْرةُ بنتُ عَبدِ الرَّحمَنِ قالَتْ: سَمِعتُ عائِشةَ رضي الله عنها تَقولُ: سَمِعَ رَسولُ اللَّهِ صَوتَ خُصومٍ بالبابِ عاليةٍ أصواتُهما، وإذا أحَدُهما يَستَوضِعُ الآخَرَ ويَستَرفِقُه في شَيءٍ، وهو يَقولُ: واللَّهِ لا أفعَلُ؛ فخرَج عليهما رَسولُ اللَّهِ فقالَ: «أينَ المُتَألِّي على اللَّهِ لا يَفعَلُ المَعروفَ؟»، فقالَ: أنا يا رَسولَ اللَّهِ، ولَه أيُّ ذلك أحَبَّ (٢)، فالنَّبيُّ أخرَجَ الحَطَّ عن المُشتَرِي مَخرَجَ الخَيرِ والفَضلِ، لا مَخرَجَ الوُجوبِ والحَتمِ.

(١) أخرجه مسلم (١١٩٠/ ٥٥٤) في: باب وضع الجوائح، من كتاب المساقاة، وأبو داود (٣٤٧٠) في باب وضع الجائحة من كتاب البيوع.
(٢) أخرجه البخاري (٢٧٠٥) باب: هل يشير الإمام بالصلح، ومسلم (١١٩٢/ ١٥٥٧) باب استحباب الوضع من الدين.

ولأنَّه لَم يُجبِرِ البائِعَ على الحَطِّ عن المُشتَرِي حتى بلَغ البائِعُ ذلك، فتَطوَّعَ بحَطِّه عنه، ولو كانَ واجِبًا لَأجبَرَه عليه، ولأنَّ التَّخليةَ كافيةٌ في جَوازِ التَّصرُّفِ، فكانَتْ كافيةً في جَوازِ نَقلِ الضَّمانِ، قياسًا على العَقارِ؛ لأنَّ التَّخليةَ في هذا المَبيعِ هي القَبضُ، وضَمانُ المَبيعاتِ بعدَ القَبضِ مِنْ المُشتَرِي؛ ولأنَّه لا يَضمَنُه إذا أتلَفَه آدَميٌّ كذلك لا يَضمَنُه بإتلافِ غيرِه.

وعَن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه قالَ: أُصيبَ رَجُلٌ في عَهدِ رَسولِ اللَّهِ في ثِمارٍ ابتاعَها، فكَثُرَ دَيْنُه؛ فقالَ رَسولُ اللَّهِ : «تَصَدَّقوا عليه». فتَصدَّقَ النَّاسُ عليه، فلَم يَبلُغْ ذلك وَفاءَ دَيْنِه، فقالَ رَسولُ اللَّهِ لِغُرَمائِه: «خُذوا ما وَجَدتُم، وليسَ لَكم إلَّا ذلك» (١)، فلَم يَحكُمِ النَّبيُّ بوَضعِ الجائِحةِ، فلَو كانَتْ تُوضَعُ لَم يَفتقِرْ إلى ذلك.

وأمَّا الأمرُ بوَضعِ الجَوائِحِ فهو على الِاستِحبابِ، أو فيما بِيعَ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ.

لأنَّه أمرٌ حدَث بعدَ استِقرارِ مِلكِ المُشتَرِي عليها؛ فلو أرادَ أنْ يَبيعَها أو يَهَبَها لَصَحَّ ذلك مِنه فيها، وقد نهَى رَسولُ اللَّهِ عن بَيعِ الثَّمرةِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِها؛ فلو كانَتِ الجائِحةُ بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ مِنْ مالِ البائِعِ لَم يَكُنْ لِهذا النَّهيِ فائِدةٌ.

(١) رواه مسلم (١٥٥٦).

قالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه -بعدَ أنْ ذكَر هذه الأحاديثَ-: والجَوابُ أنَّ وَضعَ الجَوائِحِ لا يُخالِفُ شَيئًا مِنْ الأُصولِ الصَّحيحةِ، بَلْ هو مُقتَضى أُصولِ الشَّريعةِ، ونحن بحَمدِ اللَّهِ نُبيِّنُ هذا بمَقامَيْنِ:

أمَّا الأوَّلُ: فحَديثُ وَضعِ الجَوائِحِ لا يُخالِفُ كِتابًا ولا سُنَّةً ولا إجماعًا، وهو أصْلٌ بنَفْسِه، فيَجِبُ قَبولُه، وأمَّا ما ذَكَرتُم مِنْ القياسِ فيَكفي في فسادِه شَهادةُ النَّصِّ له بالإهدارِ، فكيفَ وهو فاسِدٌ في نَفًسِه؟!

وهذا يَتبيَّنُ بالمَقامِ الثَّاني: وهو أنَّ وَضعَ الجَوائِحِ كما هو مُوافِقٌ لِلسُّنَّةِ الصَّحيحةِ الصَّريحةِ هو مُقتَضى القياسِ الصَّحيحِ، فإنَّ المُشتَريَ لَم يَتسلَّمِ الثَّمرةَ، ولَم يَقبِضْها القَبضَ التَّامَّ الذي يُوجِبُ نَقلَ الضَّمانِ إليه؛ فإنَّ قَبضَ كلِّ شَيءٍ بحَسَبِه، وإنَّ قَبضَ الثِّمارِ إنَّما يَكونُ عندَ كَمالِ إدراكِها شَيئًا فشَيئًا، فهو كقَبضِ المَنافِعِ في الإجارةِ، وتَسليمِ الشَّجَرةِ إليه كتَسليمِ العَينِ المُؤجَّرةِ مِنْ الأرضِ والعَقارِ والحَيَوانِ، وعُلَقُ البائِعِ لَم تَنقطِعْ عن المَبيعِ؛ فإنَّ له سَقيَ الأصْلِ وتَعاهُدَه، كما لَم تَنقطِعْ عُلَقُ المُؤجِّرِ عن العَينِ المُستَأجَرةِ، والمُشتَرِي لَم يَتسلَّمِ التَّسليمَ التَّامَّ، كما لَم يَتسلَّمِ المُستأجِرُ التَّسليمَ التَّامَّ؛ فإذا جاءَ أمرٌ غالِبٌ اجتاحَ الثَّمرةَ مِنْ غيرِ تَفريطٍ مِنْ المُشتَرِي لَم يَحِلَّ لِلبائِعِ إلزامُه بثَمَنِ ما أتلَفَه اللَّهُ مِنها قبلَ تَمكُّنِه مِنْ قَبضِها القَبضَ المُعتادَ.

وهذا مَعنَى قَولِ النَّبيِّ : «أرأيتَ إنْ منَع اللَّهُ الثَّمرةَ، فبِمَ يَأخُذُ أحَدُكم مالَ أخيه بغيرِ حَقٍّ»، فذكَر الحُكمَ، وهو قَولُه :

«فلا يَحِلُّ له أنْ يَأخُذَ مِنه شيئًا»، وذكَر عِلَّةَ الحُكمِ، وهي قَولُه : «أرأيتَ إنْ مَنعَ اللَّهُ الثَّمرةً … » إلى آخِرِه، وهذا الحُكمُ نَصٌّ لا يَحتَمِلُ التَّأويلَ، والتَّعليلُ وَصفٌ مُناسِبٌ لا يَقبَلُ الإلغاءَ ولا المُعارَضةَ، وقِياسُ الأُصولِ لا يَقتَضي غيرَ ذلك، ولِهَذا لو تَمكَّنَ مِنْ القَبضِ المُعتادِ في وَقتِه ثم أخَّرَه؛ لِتَفريطٍ منه، أو لِانتِظارِ غَلاءِ السِّعرِ، كانَ التَّلَفُ مِنْ ضَمانِه، ولَم تُوضَعْ عنه الجائِحةُ.

وأمَّا مُعارَضةُ هذه السُّنةِ بحَديثِ الذي أُصيبَ في ثِمارٍ ابتاعَها فمِن بابِ رَدِّ المُحكَمِ بالمُتَشابِه؛ فإنَّه ليسَ فيه أنَّه أُصيبَ فيها بجائِحةٍ، فليسَ في الحَديثِ أنَّها كانَتْ جائِحةً عامَّةً، بَلْ لَعَلَّه أُصيبَ فيها بانحِطاطِ سِعرِها، وإنْ قُدِّرَ أنَّ المُصيبةَ كانَتْ جائِحةً فليسَ في الحَديثِ أنَّها كانَتْ جائِحةً عامَّةً، بَلْ لَعَلَّها جائِحةٌ خاصَّةٌ، كسَرِقةِ اللُّصوصِ التي يُمكِنُ الِاحتِرازُ مِنها، ومِثلُ هذا لا يَكونُ جائِحةً تُسقِطُ الثَّمنَ عن المُشتَرِي، بخِلافِ نَهبِ الجُيوشِ والتَّلَفِ بآفةٍ سَماويَّةٍ، وإنْ قُدِّرَ أنَّ الجائِحةَ عامَّةٌ، فليسَ في الحَديثِ ما يُبيِّنُ أنَّ التَّلَفَ لَم يَكُنْ بتَفريطِه في التَّأخيرِ، ولو قُدِّرَ أنَّ التَّلَفَ لَم يَكُنْ بتَفريطِه فليسَ فيه أنَّه طَلَبُ الفَسخِ، وأنْ تُوضَعَ عنه الجائِحةُ، بَلْ لَعَلَّه رَضيَ بالمَبيعِ ولَم يَطلُبِ الوَضعَ، والحَقُّ في ذلك له إنْ شاءَ طَلَبَه، وإنْ شاءَ ترَكه، فأينَ في الحَديثِ أنَّه طَلَبَ ذلك، وأنَّ النَّبيَّ منَع مِنه؟ ولا يَتمُّ الدَّليلُ إلَّا بثُبوتِ المُقدِّمَتَيْنِ، فكَيفَ يُعارَضُ نَصُّ قَولِه الصَّحيحِ الصَّريحِ المُحكَمِ الذي لا يَحتمِلُ غيرَ مَعنًى واحِدٍ، وهو نَصٌّ فيه بهذا

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 320 - 324

ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله