الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > حكم بيع العينة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 30 دقيقة قراءةبَيعُ العِينةِ:
بَيعُ العِينةِ مِنْ البُيوعِ التي يُحتالُ بها على الرِّبا، ولَها أكثَرُ مِنْ صُورةٍ سَأذكُرُ هُنا أشهَرَ هذه الصُّوَرِ ثم أُردِفُها ببَعضِ الصُّوَرِ عندَ المالِكيَّةِ.
صُورةُ بَيعِ العِينةِ: أنْ يَشتَريَ شَيئًا ويَقبِضَه بثَمَنٍ مَعلومٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى ثم يَبيعَه مِنْ البائِعِ بأقَلَّ مِنْ ذلك الثَّمنِ نَقدًا، قبلَ أنْ يَنقُدَ الثَّمنَ؛ لِيَبقَى كَثيرٌ في ذِمَّتِه.
وسُمِّيَتْ عِينةً لِحُصولِ العَينِ، أي: النَّقدِ الحاضِرِ فيها، ولأنَّه يَعودُ إلى البائِعِ عَينُ مالِه.
حُكمُ بَيعِ العِينةِ:
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ بَيعِ هذه الصُّورةِ مِنْ العِينةِ على قَولَيْنِ:
القَولُ الأوَّلُ: هو قَولُ جَماهيرِ أهلِ العِلمِ الحَنفيَّةِ والمالِكيَّةِ والحَنابِلةِ أنَّ هذا البَيعَ حَرامٌ، وهو مِنْ الرِّبا المُحرَّمِ، وقالَ الحَنفيَّةُ: البَيعُ الأوَّلُ صَحيحٌ، والثَّاني فاسِدٌ. وقالَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ: البَيعانِ باطِلانِ.
الدَّليلُ على تَحريمِها مِنْ وُجوهٍ:
أحَدُها: أنَّ اللَّهَ تَعالى حرَّم الرِّبا، وبَيعُ العِينةِ وَسيلةٌ إلى الرِّبا، بَلْ هو مِنْ أقرَبِ وسائِلِه، والوَسيلةُ إلى الحَرامِ حَرامٌ؛ فهُنا مَقامانِ:
أحَدُهما: بَيانُ كَونِه وَسيلةً.
والآخَرُ: بَيانُ أنَّ الوَسيلةَ إلى الحَرامِ حَرامٌ.
فأمَّا الأوَّلُ: فيَشهَدُ له به النَّقلُ والعُرفُ والنِّيَّةُ والقَصدُ، وحالُ المُتعاقدَيْنِ.
فأمَّا النَّقلُ: فبِما ثبَت عن ابنِ عَبَّاسٍ أنَّه سُئلَ عن رَجُلٍ باعَ مِنْ رَجُلٍ حَريرةً بمِئةٍ، ثم اشتَراها بخَمسينَ؛ فقالَ: دَراهِمُ بدَراهِمَ مُتَفاضِلةٌ، دَخَلتْ بينَها حَريرةٌ.
وفي كِتابِ مُحمَّدِ بنِ عَبدِ اللَّهِ الحافِظِ عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: اتَّقُوا هذه العِينةَ، لا تَبيعوا دَراهِمَ بدَراهِمَ بينَهما حَريرةٌ.
وفي كِتابِ أبي مُحمَّدٍ الحافِظِ عن ابنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه أنَّه سُئلَ عن العِينةِ، يَعني بَيعَ الحَريرةِ؟ فقالَ رضي الله عنه: إنَّ اللَّهَ لا يُخدَعُ، هذا ممَّا حرَّم اللَّهُ ورَسولُه.
وفي كِتابِ الحافِظِ مَعينٍ، عن أنَسٍ رضي الله عنه أنَّه سُئلَ عن العِينةِ -يَعني بَيعَ الحَريرةِ- فقالَ: إنَّ اللَّهَ لا يُخدَعُ، هذا ممَّا حرَّم اللَّهُ ورَسولُه.
وقَولُ الصَّحابيِّ: «حرَّم رَسولُ اللَّهِ كذا، أو أمَرَ بكذا، وقَضى بكذا، وأوجَبَ كذا»، في حُكمِ المَرفوعِ، اتِّفاقًا عندَ أهلِ العِلمِ، إلَّا خِلافًا شاذًّا لا يُعتَدُّ به ولا يُؤبَهُ له.
وأمَّا شَهادةُ العُرفِ بذلك: فأظهَرُ مِنْ أنْ تَحتاجَ إلى تَقريرٍ، بَلْ قد عَلِمَ اللَّهُ ﷾ وعِبادُه مِنْ المُتبايِعَيْنِ ذلك، قَصدَهما أنَّهما لَم يَعقِدا على السِّلعةِ عَقدًا يَقصِدانِ به تَمَلُّكها، ولا غَرَضَ لَهما فيها بحالٍ، وإنَّما الغَرَضُ والمَقصودُ بالقَصدِ الأوَّلِ مِئةٌ بمِئةٍ وعِشرينَ، وإدخالُ تلك السِّلعةِ في الوَسَطِ تَلبيسٌ وعَبَثٌ، وهي بمَنزِلةِ الحَرفِ الذي لا مَعنَى له في نَفْسِه، بَلْ جيءَ به لِمَعنًى في غيرِه، حتى لو كانَتْ تلك السِّلعةُ تُساوي أضعافَ ذلك
الثَّمنِ، أو تُساوي أقَلَّ جُزءٍ مِنْ أجزائِه لَم يُبالوا بجَعلِها مَورِدًا لِلعَقدِ؛ لأنَّهم لا غَرَضَ لَهم فيها، وأهلُ العُرفِ لا يُكابِرونَ أنْفُسَهم في هذا.
وأمَّا النِّيَّةُ والقَصدُ: فالأجنَبيُّ المُشاهِدُ لَهما يَقطَعُ بأنَّه لا غَرَضَ لَهما في السِّلعةِ، وإنَّما القَصدُ الأوَّلُ مِئةٌ بمِئةٍ وعِشرينَ؛ فَضلًا على عِلمِ المُتعاقدَيْنِ ونِيَّتِهما، ولِهذا يَتواطأُ كَثيرٌ مِنهم على ذلك قبلَ العَقدِ، ثم يُحضِرانِ تلك السِّلعةَ، مُحَلِّلينَ لِمَا حرَّم اللَّهُ ﷾ ورَسولُه ﷺ.
وأمَّا المَقامُ الثَّاني -وهو أنَّ الوَسيلةَ إلى الحَرامِ حَرامٌ- فبانَتْ بالكِتابِ والسُّنةِ والفِطرةِ والمَعقولِ.
فإنَّ اللَّهَ سُبحانَه مَسَخَ اليَهودَ قِرَدةً وخَنازيرَ، لمَّا تَوَسَّلوا إلى الصَّيدِ الحَرامِ بالوَسيلةِ التي ظَنُّوها مُباحةً، وسَمَّى أصحابُ رَسولِ اللَّهِ ﷺ والتَّابِعونَ مثلَ ذلك مُخادَعةً، كما تَقدَّمَ.
وقالَ أيُّوبُ السَّختيانيُّ: يُخادِعونَ اللَّهَ ﷾ كما يُخادِعونَ الصِّبيانَ، لو أتَوُا الأمْرَ على وَجهِه كانَ أسهَلَ.
والرُّجوعُ إلى الصَّحابةِ في مَعاني الألفاظِ مُتعَيَّنٌ، سَواءٌ كانَتْ لُغَويَّةً، أو شَرعيَّةً، والخِداعُ حَرامٌ.
وأيضًا: فإنَّ هذا العَقدَ يَتضمَّنُ إظهارَ صُورةٍ مُباحةٍ، وإضمارَ ما هو مِنْ أكبَرِ الكَبائِرِ؛ فلا تَنقلِبُ الكَبيرةُ مُباحةً بإخراجِها في صُورةِ البَيعِ الذي لَم يُقصَدْ نَقلُ المِلْكِ فيه أصْلًا، وإنَّما قَصدُه حَقيقةُ الرِّبا.
وأيضًا: فإنَّ الطَّريقَ مَتَى أفضَتْ إلى الحَرامِ؛ فإنَّ الشَّريعةَ لا تَأتي
بإباحَتِها أصْلًا؛ لأنَّ إباحَتَها وتَحريمَ الغايةِ جَمعٌ بينَ النَّقيضَيْنِ؛ فلا يُتصوَّرُ أنْ يُباحَ شَيءٌ ويُحرَّمَ ما يُفضي إلَيه، بَلْ لا بدَّ مِنْ تَحريمِهما أو إباحَتِهما، والثَّاني باطِلٌ قَطعًا، فيَتعيَّنُ الأوَّلُ.
وأيضًا: فإنَّ الشارِعَ إنَّما حرَّم الرِّبا، وجعَله مِنْ الكَبائِرِ، وتَوعَّدَ آكِلَه بمُحارَبةِ اللَّهِ ﷾ ورَسولِه ﷺ، لِمَا فيه مِنْ أعظَمِ الفَسادِ والضَّرَرِ؛ فكَيفَ يُتصوَّرُ -مع هذا- أنْ يُبيحَ هذا الفَسادَ العَظيمَ بأيسَرِ شَيءٍ يَكونُ مِنْ الحِيَلِ؟ فيالَلعَجَبِ، أتُرَى هذه الحِيلةَ أزالَتْ تلك المَفسَدةَ العَظيمةَ، وقَلَبَتْها مَصلَحةً بعدَ أنْ كانَتْ مَفسَدةً؟!
وأيضًا: فإنَّ اللَّهَ ﷾ عاقَبَ أهلَ الجَنَّةِ الذين أقسَموا لَيَصرِمُنَّها مُصبِحينَ، وكانَ مَقصودُهم مَنعَ حَقِّ الفُقَراءِ مِنْ التَّمرِ المُتَساقِطِ وَقتَ الحَصادِ؛ فلمَّا قَصَدوا مَنعَ حَقِّهم منَعهم اللَّهُ ﷾ الثَّمرةَ جُملةً.
وأيضًا: فإنَّ المُتَوَسِّلَ بالوَسيلةِ التي صُورتُها مُباحةٌ إلى المُحرَّمِ إنَّما نِيَّتُه المُحرَّمُ، ونِيَّتُه أوْلَى به مِنْ ظاهِرِ عَمَلِه.
وأيضًا: فقد رَوى ابنُ بَطَّةَ وغيرُه بإسنادٍ حَسَنٍ عن أبي هُرَيرةَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لا تَرتَكِبوا ما ارتَكَبَ اليَهودُ، فتَستَحِلُّوا مَحارِمَ اللَّهِ بأدنَى الحِيَلِ» وإسنادُه ممَّا يُصحِّحُه التِّرمِذيُّ.
وأيضًا: فإنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «لعَن اللَّهُ اليَهودَ، حُرِّمتْ عليهم الشُّحومُ فجَمَلوها وباعوها وأكَلوا أثمانَها»، و «جَمَلوها» يَعني: أذابوها وخَلَطوها، وإنَّما فَعَلوا ذلك لِيَزولَ عنها اسمُ الشَّحمِ، ويَحدُثَ لَها اسمٌ
آخَرُ، وهو الوَدَكُ، وذلك لا يُفيدُ الحِلَّ؛ فإنَّ التَّحريمَ تابِعٌ لِلحَقيقةِ، وهي لَم تَتبَدَّلْ بتبَدُّلِ الِاسمِ.
وهذا الرِّبا تَحريمُه تابِعٌ لِمَعناه وحَقيقَتِه، فلا يَزولُ بتبَدُّلِ الِاسمِ بصُورةِ البَيعِ، كما لَم يَزُلْ تَحريمُ الشَّحمِ بتَبديلِ الِاسمِ بصُورةِ الجَمْلِ والإذابةِ وهذا واضِحٌ بحَمدِ اللَّهِ ﷾.
وأيضًا: فإنَّ اليَهودَ لَم يَنتَفِعوا بعَين الشَّحمِ، إنَّما انتَفَعوا بثَمَنِه؛ فيَلزَمُ مِنْ وَقَفَ مع صُوَرِ العُقودِ والألفاظِ دونَ مَقاصِدِها وحَقائِقِها أنْ يُحرِّمَ ذلك؛ لأنَّ اللَّهَ ﷾ لَم يَنُصَّ على تَحريمِ الثَّمنِ، وإنَّما حرَّم عليهم الشَّحمَ نَفسَه، ولمَّا لعَنهم على استِحلالِهمُ الثَّمنَ وإنْ لَم يَنُصَّ على تَحريمِه، دَلَّ على أنَّ الواجِبَ النَّظَرُ إلى المَقصودِ، وإنِ اختَلَفتِ الوَسائِلُ إليه، وأنَّ ذلك يُوجِبُ ألَّا يُقصَدَ الِانتِفاعُ بالعَينِ ولا ببَدَلِها.
ونَظيرُ هذا أنْ يُقالَ لَكَ: لا تَقرَبْ مالَ اليَتيمِ، فتَبيعُه وتَأكُلُ عِوَضَه، وأنْ يُقالَ لَكَ: لا تَشرَبِ الخَمرَ، فتُغيِّرُ اسمَها وتَشرَبَها، وأنْ يُقالَ لَكَ: لا تَزْنِ بهذه المَرأةِ، فتَعقِدُ عليها عَقدَ إجارةٍ وتَقولُ: إنَّما أستَوفي مَنافِعَها، وأمثالُ ذلك.
قالوا: ولِهَذا الأصلِ -وهو تَحريمُ الحِيَلِ المُتضمِّنةِ إباحةَ ما حرَّم اللَّهُ، أو إسقاطَ ما أوجَبَه اللَّهُ ﷾ عليه- أكثَرُ مِنْ مِئةِ دَليلٍ، وقد ثبَت أنَّ النَّبيَّ ﷺ لعَن المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ له، مع أنَّه أتَى بصُورةِ عَقدِ النِّكاحِ الصَّحيحِ، لمَّا كانَ مَقصودُه التَّحليلَ، لا حَقيقةَ النِّكاحِ.
وقد ثبَت عن الصَّحابةِ أنَّهم سَمَّوْه زانيًا، ولَم يَنظُروا إلى صُورةِ العَقدِ.
الدَّليلُ الثَّاني على تَحريمِ العِينةِ: ما رَواه ابنُ عمرَ رضي الله عنه قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ: «إذا تَبايَعتُم بالعِينةِ وأخَذتُم أذنابَ البَقَرِ ورَضيتُم بالزَّرعِ وتَرَكتُم الجِهادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عليكم ذُلًّا لا يَنزِعُه حتى تَرجِعوا إلى دِينِكم» (١).
والدَّليلُ الثَّالثُ: حَديثُ أبي إسحاقَ عن العاليةِ (زَوجَتِه) قالَتْ: خَرَجتُ أنا وأُمُّ مُحِبَّةَ إلى مَكَّةَ فدَخَلْنا على عائِشةَ رضي الله عنها فسَلَمنا عليها، فقالَتْ لَنا رضي الله عنها: مِمَّنْ أنتُنَّ؟ قُلْنا: مِنْ أهلِ الكُوفةِ، فكَأنَّها أعرَضَتْ عَنَّا. فقالَتْ لَها أُمُّ مُحِبَّةَ: يا أُمَّ المُؤمِنينَ، كانَتْ لي جاريةٌ وإنِّي بِعتُها مِنْ زَيدِ بنِ أرقَمَ الأنصاريِّ بثَمانِمِئةِ دِرهَمٍ إلى عَطائِه، وأنَّه أرادَ بَيعَها فابتَعتُها مِنه بسِتِّمِئةٍ نَقدًا. قالَتْ: فأقبَلَتْ علينا فقالَتْ رضي الله عنها: بئسَما شَرَيتِ، وما اشتَرَيتِ، فأبلِغي زَيدًا أنَّه قد أبطَلَ جِهادَه مع رَسولِ اللَّهِ ﷺ، إلَّا أنْ يَتوبَ. فقالَتْ لَها: أرَأيتِ إنْ لَم آخُذْ مِنه إلَّا رَأْسَ مالي؟ قالَتْ رضي الله عنها: فمَن جاءَه مَوعِظةٌ مِنْ رَبِّه فانتَهَى فلَه ما سَلَفَ (٢).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٤٦٢)، وغيره.
(٢) رواه الدارقطني (٣٠٤٤)، والبيهقي في «الكبرى» (١١١١٣)، قال الدَّارقُطنيُّ: أمُّ مُحبَّةَ والعالِيةُ مَجهولَتانِ لا يُحتجُّ بهما وقال ابنُ عبدِ البرِّ في «الاستذكار» (٦/ ٢٧٢): والحَديثُ مُنكرُ اللَّفظِ لا أصلَ له؛ لأنَّ الأعمالَ الصالِحةَ لا يُحبطُها الاجتهادُ، وإنَّما يُحبطُها الارتِدادُ ومُحالٌ أن تُلزمَ عائِشةُ زَيدًا التَّوبةَ بِرأيِها ويُكفِّرُه اجتهادُها، فهذا ما لا يَنبغي أن يُظنَّ بها ولا يُقبلُ عليها.
قالَ ابنُ القيِّمِ رحمة الله عليه: فلَولا أنَّ عندَ أُمِّ المُؤمِنينَ عِلمًا لا تَستَريبُ فيه أنَّ هذا مُحرَّمٌ لَم تَستَجِزْ أنْ تَقولَ مثلَ هذا بالِاجتِهادِ، ولا سيَّما إنْ كانَتْ قد قَصَدتْ أنَّ العَمَلَ يُحبَطُ بالرِّدَّةِ، وأنَّ استِحلالَ الرِّبا أكفَرُ، وهذا مِنه، ولكنَّ زَيدًا مَعذورٌ؛ لأنَّه لَم يَعلَم أنَّ هذا مُحرَّمٌ، ولِهَذا قالَتْ رضي الله عنها: أبلِغيه.
ويُحتمَلُ أنْ تَكونَ قد قَصَدتْ أنَّ هذا مِنْ الكَبائِرِ التي يُقاوِمُ إثمُها ثَوابَ الجِهادِ، فيَصيرُ بمَنزِلةِ مَنْ عَمِلَ حَسَنةً وسَيِّئةً بقَدْرِها، فكَأنَّه لَم يَعمَلْ شَيئًا.
وعلى التَّقديرَيْنِ: جَزمُ أُمِّ المُؤمِنينَ رضي الله عنها بهذا دَليلٌ على أنَّه لا يَسوغُ فيه الِاجتِهادُ، ولو كانَتْ هذه مِنْ مَسائِلِ الِاجتِهادِ والنِّزاعِ بينَ الصَّحابةِ لَم تُطلِقْ عائِشةُ رضي الله عنها ذلك على زَيدٍ؛ فإنَّ الحَسَناتِ لا تُبطَلُ بمَسائِلِ الِاجتِهادِ (١).
وقالَ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: وأُمُّنا عائِشةُ رضي الله عنها لَم تَقُلْ لَها: إنَّه أبطَلَ صَلاتَه ولا صيامَه ولا حَجَّه؛ فمَعنَى ذلك أنَّ مَنْ جاهَدَ في سَبيلِ اللَّهِ فقد حارَبَ عنِ اللَّهِ ﷾، ومَن فعَل ذلك ثم استَباحَ الرِّبا؛ فقد استَحقَّ مُحارَبةَ اللَّه ﷾، ومَن أربَى فقد أبطَلَ حَربَه عنِ اللَّهِ ﷾؛ فكانَتْ عُقوبَتُه مِنْ جِنسِ ذَنبِه (٢).
وقالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: ووَجْهُ الِاستِدلالِ به -أي: بحَديثِ عائِشةَ- مِنْ وَجهَيْنِ:
(١) «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (٩/ ٢٤٦).
(٢) «شرح صحيح البخاري» (٦/ ٢١٩، ٢٢٠).
أحَدُهما: أنَّها ألحَقَتْ بزَيدٍ وَعيدًا لا يُوقَفُ عليه بالرَّأْيِ، وهو بُطلانُ الطَّاعةِ بما سِوَى الرِّدَّةِ؛ فالظَّاهِرُ أنَّها قالَتْه سَماعًا مِنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ، ولا يَلتحِقُ الوَعيدُ إلَّا بمُباشَرةِ المَعصيةِ، فدَلَّ على فَسادِ البَيعِ؛ لأنَّ البَيعَ الفاسِدَ مَعصيةٌ.
والآخَرُ: أنَّها سَمَّتْ ذلك بَيعَ سُوءٍ وشِراءَ سُوءٍ، والفاسِدُ هو الذي يُوصَفُ بذلك، لا الصَّحيحُ، ولأنَّ في هذا البَيعِ شُبهةَ الرِّبا؛ لأنَّ الثَّمنَ الثَّانيَ يَصيرُ قِصاصًا بالثَّمنِ الأوَّلِ، فبَقيَ مِنْ الثَّمنِ الأوَّلِ زِيادةٌ لا يُقابِلُها عِوَضٌ في عَقدِ المُعاوَضةِ، وهو تَفسيرُ الرِّبا، إلَّا أنَّ الزِّيادةَ ثَبَتتْ بمَجموعِ العَقدَيْنِ، فكانَ الثَّابِتُ بأحَدِهما شُبهةُ الرِّبا، والشُّبهةُ في هذا البابِ مُلحَقةٌ بالحَقيقةِ (١).
وممَّا يَدلُّ على تَحريمِ العِينةِ أيضًا حَديثُ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه يَرفَعُه: «لعَن اللَّهُ آكِلَ الرِّبا ومُوكِلَه وشاهِدَيْه وكاتِبَه والمُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ له» (٢).
ومَعلومٌ أنَّ الشاهِدَيْنِ يَشهَدانِ والكاتِبَ إنَّما يَكتُبُ على عَقدٍ صُورَتُه جائِزةُ الكِتابةِ والشَّهادةِ، لا يَشهَدانِ بمُجرَّدِ الرِّبا ولا يَكتُبُه، ولِهَذا قَرَنَه بالمُحَلِّلِ والمُحَلَّلِ له، حيثُ أظهَرا صُورةَ النِّكاحِ، ولا نِكاحَ، كما أظهَرَ الكاتِبُ والشاهِدانِ صُورةَ البَيعِ، ولا بَيعَ.
وتَأمَّلْ كيفَ لعَن ﷺ في الحَديثِ الشاهِدَيْنِ والكاتِبَ والآكِلَ
(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ١٩٩).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه النسائي (٣٤١٦)، والبيهقي في «الكبرى» (٥٦٠٩)، والطبراني في «المعجم الكبير» (٩٨٧٨)
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل في بيان أحكام مسائل بيع العينة]
(فَصْلٌ)
ــ
منح الجليل
إنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ) لِلْمَبِيعِ الَّتِي تَلْزَمُ الْبَائِعَ الْأَوَّلَ يَوْمَ قَبْضِهِ (أَقَلَّ) مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ كَانَتْ مِثْلَهُ أَوْ أَكْثَرَ مِنْهُ فَلَا يُفْسَخُ الْأَوَّلُ فِي الْجَوَابِ (خِلَافٌ) الْأَوَّلُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَشَهَرَهُ ابْنُ شَاسٍ وَالثَّانِي لِسَحْنُونٍ، وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِالْأَصَحِّ وَبَعْضُهُمْ بِالْمَشْهُورِ فَإِنْ فَاتَتْ بِيَدِ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلِ فُسِخَ الثَّانِي فَقَطْ وَلَا يُفْسَخُ الْأَوَّلُ بِاتِّفَاقِ الْقَوْلَيْنِ، وَإِنْ كَانَتْ الْقِيمَةُ أَقَلَّ مِنْ الثَّمَنِ الْأَوَّلِ فُسِخَا بِاتِّفَاقِ الْقَوْلَيْنِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ. .
فَصْلٌ فِي بَيَان أَحْكَام مَسَائِل بَيْع العينة
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في حكم البيع
إلَيْهِ يُكْرَهُ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْطِبَهَا لِمَا رَوَيْنَا وَإِنْ لَمْ يَرْكُنْ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
(وَمِنْهَا) بَيْعُ السِّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْفِتْنَةِ وَفِي عَسَاكِرِهِمْ؛ لِأَنَّ بَيْعَهُ مِنْهُمْ مِنْ بَابِ الْإِعَانَةِ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَنَّهُ مَنْهِيٌّ، وَلَا يُكْرَهُ بَيْعُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُ السِّلَاحُ مِنْهُمْ كَالْحَدِيدِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُعَدًّا لِلْقِتَالِ فَلَا يَتَحَقَّقُ مَعْنَى الْإِعَانَةِ، وَنَظِيرُهُ بَيْعُ الْخَشَبِ الَّذِي يَصْلُحُ لِاِتِّخَاذِ الْمِزْمَارِ فَإِنَّهُ لَا يُكْرَهُ وَإِنْ كُرِهَ بَيْعُ الْمَزَامِيرِ.
(وَأَمَّا) مَا يُكْرَهُ مِمَّا يَتَّصِلُ بِالْبُيُوعِ.
(فَمِنْهَا) الِاحْتِكَارُ وَقَدْ ذَكَرْنَا جُمْلَةَ الْكَلَامِ فِيهِ فِي بَابِ الْكَرَاهِيَةِ وَإِلْحَاقُهُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَوْلَى.
(وَمِنْهَا) النَّجْشُ وَهُوَ أَنْ يَمْدَحَ السِّلْعَةَ وَيَطْلُبَهَا بِثَمَنٍ ثُمَّ لَا يَشْتَرِيهِ بِنَفْسِهِ وَلَكِنْ لِيُسْمِعَ غَيْرَهُ فَيَزِيدَ فِي ثَمَنِهِ وَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ لِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ «نَهَى عَنْ النَّجْشِ» ؛ وَلِأَنَّهُ احْتِيَالٌ لِلْإِضْرَارِ بِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُشْتَرِي يَطْلُبُ السِّلْعَةَ مِنْ صَاحِبِهَا بِمِثْلِ ثَمَنِهَا، فَأَمَّا إذَا كَانَ يَطْلُبُهَا بِأَقَلَّ مِنْ ثَمَنِهَا فَنَجَشَ رَجُلٌ سِلْعَةً حَتَّى تَبْلُغَ إلَى ثَمَنِهَا فَهَذَا لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ وَإِنْ كَانَ النَّاجِشُ لَا يُرِيدُ شِرَاءَهَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
فَصْلٌ فِي حُكْم الْبَيْعِ
(فَصْلٌ) :
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب البيع مرابحة
باب البيع مرابحة
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِذَا بَاعَهُ مُرَابَحَةً عَلَى الْعَشَرَةِ وَاحِدٌ وَقَالَ قَامَتْ عَلَيَّ بِمَائَةِ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ أَخْطَأْتُ وَلَكِنَّهَا قَامَتْ عَلَيَّ بِتِسْعِينَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ لِلْمُشْتَرِي بِرَأْسِ مَالِهَا وَبِحِصَّتِهِ مِنَ الرِّبْحِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ. وَجُمْلَةُ الْبُيُوعِ ثَلَاثَةٌ: بَيْعُ مُسَاوَمَةٍ، وَبَيْعُ مُرَابَحَةٍ، وَبَيْعُ مُخَاسَرَةٍ. فَأَمَّا بَيْعُ الْمُسَاوَمَةِ فَمُتَّفَقٌ عَلَى جَوَازِهِ. وَهُوَ أَنْ يَسْتَامَ الْبَائِعُ سِلْعَتَهُ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ وَيَطْلُبَهَا الْمُشْتَرِي بِثَمَانِينَ دِرْهَمًا ثُمَّ يَتَقَرَّرُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْمُمَاكَسَةِ عَلَى تِسْعِينَ دِرْهَمًا. وَأَمَّا بَيْعُ الْمُرَابَحَةِ فَصُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ أَبِيعُكَ هَذَا الثَّوْبَ مُرَابَحَةً عَلَى أَنَّ الشِّرَاءَ مِائَةُ دِرْهَمٍ وَأَرْبَحُ فِي كُلِّ عَشْرَةٍ واحد فَهَذَا بَيْعٌ جَائِزٌ لَا يُكْرَهُ. وَحُكِيَ عَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا كَرِهَا ذَلِكَ مَعَ جَوَازِهِ.
ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.