الإسلام > المعاملات المالية > البيوع المنهي عنها > بيع الرطب بالتمر والعنب بالزبيب
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةأعطاه إيَّاها، فكَساها عمرُ أخًا له مُشرِكًا بمَكَّةَ، وهذا كانَ قبلَ الفَتحِ، ولِباسُه ﷺ هَديةَ مَلِكِ أيلةَ كانَ بعدَ ذلك، ونَظيرُ هذا نَهيُه ﷺ عن الصَّلاةِ قبلَ طُلوعِ الشَّمسِ، وبعدَ العَصرِ؛ سَدًّا لِذَريعةِ التَّشبُّهِ بالكُفَّارِ، وأباحَ ما فيه مَصلَحةٌ راجِحةٌ مِنْ قَضاءِ الفَوائِتِ وقَضاءِ السُّنَنِ وصَلاةِ الجِنازةِ وتَحيةِ المَسجِدِ؛ لأنَّ مَصلَحةَ فِعلِها أرجَحُ مِنْ مَفسَدةِ النَّهيِ، واللَّهُ أعلَمُ (١).
بَيعُ الرُّطَبِ بالتَّمرِ والعِنَبِ بالزَّبيبِ:
اختلَف الفُقهاءُ في بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ والعِنَبِ بالزَّبيبِ، هل يَجوزُ أو لا؟ على قَولَيْنِ:
فذهَب الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى جَوازِ بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ مِثْلًا بمِثْلِ، أي: كَيلًا بكَيلِ، وكذا بَيعُ العِنَبِ بالزَّبيبِ مِثْلًا بمِثْلٍ؛ لأنَّ الرُّطَبَ تَمرٌ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ حينَ أُهديَ إليه رُطَبٌ مِنْ خَيبَرَ: «أوَكُلُّ تَمرِ خَيبَرَ هَكَذا؟» (٢) سَمَّاه تَمرًا، وبَيعُ التَّمرِ بمِثلِه مُتَساويًا جائِزٌ؛ لأنَّ التَّمرَ والرُّطَبَ ليسَ يَخلو حالُهما مِنْ أنْ يَكونا جِنسًا واحِدًا، أو جِنسَيْنِ.
فإنْ كانا جِنسًا واحِدًا جازَ بَيعُ بَعضِه ببَعضٍ مُتَساويًا حالَ العَقدِ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «والتَّمرُ بالتَّمرِ مِثْلًا بمِثْلٍ سَواءً بسَواءٍ يَدًا بيَدٍ»، وإنْ كانا جِنسَيْنِ فبَيعُ أحَدِهما بالآخَرِ أجَوَزُ بآخِرِ الحَديثِ، وهو قَولُه ﷺ:
(١) «زاد المعاد» (٣/ ٤٨٨، ٤٨٩).
(٢) رواه البخاري (٢٢٠٢)، ومسلم (١٥٩٣).
«فَإذا اختَلَفتْ هذه الأصنافُ فبِيعوا كيفَ شِئتُم إذا كانَ يَدًا بيَدٍ» (١).
ولأنَّ الرُّطَبَ نَوعٌ مِنْ التَّمرِ يَنقُصُ باليُبسِ وطُولِ المُكثِ، فلَم يَجُزْ أنْ يَكونَ ذلك مانِعًا مِنْ بَيعِه بتَمرٍ مِنْ جِنسِه هو أكثَرُ مِنْ يُبْسِه، كما جازَ بَيعُ التَّمرِ الحَديثِ بالتَّمرِ العَتيقِ، وإنْ كانَ الحَديثُ يَنقُصُ إذا صارَ كالعَتيقِ.
ولأنَّ التَّماثُلَ في الجِنسِ مُعتبَرٌ بحالِ العَقدِ، ولا اعتِبارَ بحُدوثِ التَّفاضُلِ فيما بَعدُ، كالسِّمسِمِ، يَجوزُ بَيعُه بالسِّمسِمِ إذا تَماثَلَا، وإنْ جازَ بعدَ استِخراجِهما دُهنًا أنْ يَتفاضَلَا.
ولأنَّه لمَّا جازَ بَيعُ العَرايا -وهي تَمرٌ برُطَبٍ على رُؤوسِ النَّخلِ، لا يُقدَرُ على تَماثُلِهما كَيلًا إلَّا بالخَرصِ-، كانَ بَيعُ التَّمرِ بالرُّطَبِ المَقدورِ على تَماثُلِهما بالكَيلِ أجْوَزَ، وهو مِنْ الرِّبا أبعَدُ.
وذهَب جُمهورُ العُلماءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والصَّاحِبانِ مِنْ الحَنفيَّةِ أبو يُوسفَ ومُحمَّدٌ إلى عَدَمِ جَوازِ بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ، وعَدَمِ جَوازِ بَيعِ العِنَبِ بالزَّبيبِ؛ لِحَديثِ سَعدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ سُئلَ عن بَيعِ الرُّطَبِ بالتَّمرِ، فقالَ ﷺ: «أيَنقُصُ الرُّطَبُ إذا يَبِسَ؟»، قالوا: نَعَمْ. فنهَى عن ذلك (٢). وهذا السُّؤالُ -وإنْ خرَج مَخرَجَ الِاستِفهامِ- ليسَ المَقصودُ به الِاستِفهامَ، وإنَّما قُصِدَ به
(١) رواه مسلم (١٥٨٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٣٥٩)، والترمذي (١٢٢٥)، والنسائي (٤٥٤٥)، وابن ماجه (٢٢٦٤)، وأحمد (١/ ١٧٥).
التَّقريرُ، كما قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧)﴾ [طه: ١٧]، فلَم يَكُنْ ذلك استِفهامًا مِنْ اللَّهِ تَعالى، وإنَّما كانَ تَقريرًا على موسى ﷺ، كذلك هذا السُّؤالُ مِنْ رَسولِ اللَّهِ ﷺ على وَجْهِ التَّقريرِ؛ لِيُنبِّهَ به على العِلَّةِ، وأنَّ كُلَّ ما يَنقُصُ إنْ يَبِسَ مِنْ سائِرِ الأجناسِ، فلا يَجوزُ بَيعُ بَعضِه ببَعضٍ، ولو أجابَ مِنْ غيرِ تَقريرٍ لَكانَ الجَوابُ مَقصورًا على السُّؤالِ، وسَواءٌ كانَ الرُّطَبُ في النَّخلِ أو في الأرضِ إذا بِيعَ بتَمرٍ مَجهولٍ فإنَّه يَكونُ مُزابَنةً.
ولأنَّه جِنسٌ فيه الرِّبا بِيعَ مِنه ما هو على هَيئةِ الِادِّخارِ، بما هو مِنه على غيرِ هَيئةِ الِادِّخارِ على وَجْهٍ يَتفاضَلانِ فيه في حالِ الِادِّخارِ؛ فوجَب ألَّا يَجوزَ أصْلُه، بَيعُ الحِنطةِ بدَقيقِها، أو بالحِنطةِ المَقليَّةِ.
ومَعنَى: (على وَجْهٍ يَتفاضَلانِ فيه في حالِ الادِّخارِ): احتِرازٌ مِنْ العُريةِ؛ لأنَّهما على صِفةٍ لا يَتفاضَلانِ فيها في حالِ الِادِّخارِ، وذلك أنَّ الرُّطَبَ على النَّخلِ يُخرَصُ؛ فيُنظَرُ: كم هو، ثم يَنقُصُ مِنه ما يَنقُصُ في حالِ الجَفافِ، ثم يُباعُ بمِثلِ ذلك تَمرًا (١).
(١) «الهداية» (٣/ ١٦٤)، و «شرح فتح القدير» (٧/ ٢٧، ٢٨)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ١٢٩)، و «الاختيار» (٢/ ٣٨)، و «اللباب» (٤٠٤)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٧٢)، و «خلاصة الدلائل» (٢/ ٨٧)، و «التمهيد» (١٩/ ١٧٦، ١٨٠)، و «شرح ابن بطال» (٦/ ٣٢٨)، و «البيان والتحصيل» (٧/ ٤٢٩)، و «الأم» (٣/ ٧٩)، و «الحاوي الكبير» (٥/ ١٣٠، ١٣٤)، و «المهذب» (١/ ٢٧٤)، و «الديباج» (٢/ ٣٤، ٣٥)، و «البيان» (٥/ ١٩٩، ٢٠١)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤٥٣)، و «نهاية المحتاج» (٣/ ٥٠١)، و «المغني» (٤/ ٣٢)، و «الكافي» (٢/ ٦٣)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٢٠)، و «المبدع» (٤/ ١٣٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٩٧).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب بيع اللحم باللحم
باب بيع اللحم باللحم
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَاللَّحْمُ كُلُّهُ صِنْفٌ وَحْشِيُّهُ وَإِنْسِيُّهُ وَطَائِرُهُ لَا يَحِلُّ فِيهِ الْبَيْعُ حَتَّى يَكُونَ يَابِسًا وَزْنًا بِوَزْنٍ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فِيهَا قَوْلَانِ فَخَرَّجَهُمَا ثُمَّ قَالَ فِي آخِرِهِ وَمَنْ قَالَ اللُّحْمَانُ صِنْفٌ وَاحِدٌ لَزِمَهُ إِذَا حَدَّهُ بِجَمَاعِ اللَّحْمِ أَنْ يَقُولَهُ فِي جَمَاعِ الثَّمَرِ فَيَجْعَلُ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ وَغَيْرَهُمَا مِنَ الثِّمَارِ صِنْفًا وَاحِدًا وَهَذَا مِمَّا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ (قال المزني) فإذا كان تصيير اللحمان صنفا واحدا قياسا لا يجوز بحال وإن ذلك ليس على الأسماء الجامعة وأنها على الأصناف والأسماء الخاصة فقد قطع بأن اللحمان أصناف (قال المزني) وقد قطع قبل هذا الباب بأن ألبان البقر والغنم والإبل أصناف مختلفة فلحومها التي هي أصل الألبان بالاختلاف أولى وقال في الإملاء على مسائل مالك المجموعة فإذا اختلفت أجناس الحيتان فلا بأس بعضها ببعض متفاضلا وكذلك لحوم الطير إذا اختلفت أجناسها (قال المزني) وفي ذلك كفاية لما وصفنا: وبالله التوفيق " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي اللُّحْمَانِ، هَلْ هِيَ صِنْفٌ وَاحِدٌ أَوْ صِنْفَانِ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَنْصُوصَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ: إِنَّ اللَّحْمَ كُلَّهُ صِنْفٌ وَاحِدٌ؛ لِأَنَّ الِاسْمَ الْخَاصَّ يَجْمَعُهَا عِنْدَ حُدُوثِ الرِّبَا فِيهَا، وَلَا يَكُونُ اخْتِلَافُ أَنْوَاعِهَا دَلِيلًا عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا، كَمَا أَنَّ الثَّمَرَ كُلَّهُ جِنْسٌ، وَلَيْسَ اخْتِلَافُ أَنْوَاعِهِ دَلِيلًا عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل علة طعام الربا]
(فَصْلٌ) عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا. اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ،
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
باب بيع الأصول والثمار
بابُ بَيْعِ الأُصُولِ والثِّمارِ
٧٢٠ - مسألة؛ قال أبو القَاسِمِ، رَحِمَهُ اللهُ: "وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا مُؤَبَّرًا، وَهُوَ مَا قَدْ تَشَقَّقَ طَلْعُه، فالثَّمَرَةُ للبائِعِ مَتْرُوكَةً في النَّحْلِ إلى الجِزَازِ، إلَّا أنْ يَشْتَرِطَها المُبْتَاعُ)
أصْلُ الإِبَارِ عند أهْلِ العِلْمِ: التَّلْقِيحُ. قال ابنُ عبدِ البَرِّ: إلَّا أنَّه لا يكونُ حتى يَتَشَقَّقَ الطَّلْعُ، وتَظْهَرَ الثَّمَرَةُ، فَعُبِّرَ به عن ظُهُورِ الثَّمَرَةِ؛ لِلزُومِه منه. والحُكْمُ مُتَعَلِّقٌ بالظُّهُورِ، دون نَفْسِ التَّلْقِيحِ، بغيرِ اخْتِلافٍ بين العُلَمَاءِ، يُقال: أبرتُ النَّخْلَةَ بالتَّخْفيفِ والتَّشْديدِ، فهى مُؤَبَّرَةٌ ومَأْبُوَرةٌ. ومنه قولُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: "خَيْرُ المالِ سِكَّةٌ مَأْبُورَةٌ" . والسِّكَّةُ: النَّخْلُ المَصْفوفُ. وأَبَرْتُ النَّخْلَةَ، آبُرُها، أَبْرًا، وإِبَارًا، وأَبَّرتُهَا تَأْبيرًا، وتَأَبَّرَتِ النَّخْلَةُ، وائْتَبَرَتْ، ومنه قولُ الشاعرِ:
* تَأَبَّرى يا خَيْرَةَ الفَسِيلِ *
وفَسَّرَ الخِرَقِيُّ المُؤَبَّرَ بما قد تَشَقَّقَ طَلْعُه؛ لِتَعَلُّقِ الحُكْمِ بذلك، دون نَفْسِ التَّأْبيرِ. قال القاضى: وقد يتشَقَّقُ الطَّلْعُ بنفْسِهِ فيظْهَرُ ، وقد يَشُقُّهُ الصَّعَّادُ فيَظْهَرُ. وأيُّهما كانَ فهو التَّأْبيرُ المُرادُ هاهُنا.
وفى هذه المَسْأَلَةِ فُصولٌ ثَلاثَةٌ:
الأول: أنَّ البَيْعَ متى وَقَعَ على نَخْلٍ مُثْمِرٍ، ولم يَشْتَرِطِ الثَّمَرةَ، وكانت
ارجع إلى البيوع المنهي عنها للاطلاع على جميع المسائل.