إذا حدث عيب آخر عند المشتري في المبيع قبل علمه بالأول

الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > إذا حدث عيب آخر عند المشتري في المبيع قبل علمه بالأول

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 26 دقيقة قراءة

إذا حدث عيب آخر عند المشتري في المبيع قبل علمه بالأول - الأقوال والأدلة

حُكمِ البَيعِ فيها، بَلْ مُلِكتْ بسَبَبٍ على حِدةٍ، فأمكَنَ إثباتُ حُكمِ الفَسخِ فيه بدونِ الزِّيادةِ، فيُرَدُّ الأصلُ ويَنفسِخُ العَقدُ فيه، وتَبقَى الزِّيادةُ مَملوكةً لِلمُشتَري بوُجودِ سَبَبِ المِلْكِ فيها شَرعًا؛ فتَطيبُ له.

هذا إذا كانَتِ الزِّيادةُ قائِمةً في يَدِ المُشتَري، فأمَّا إذا كانَتْ هالِكةً فهَلاكُها لا يَخلو مِنْ أنْ يَكونَ بآفةٍ سَماويَّةٍ أو بفِعلِ المُشتَري، أو بفِعلِ أجنَبيٍّ، فإنْ كانَ بآفةٍ سَماويَّةٍ فله أنْ يَرُدَّ الأصلَ بالعَيبِ وتُجعَلَ الزِّيادةُ كأنَّها لَم تَكُنْ، وإنْ كانَ بفِعلِ المُشتَري فالبائِعُ بالخِيارِ، إنْ شاءَ قبلَ ورَدَّ جَميعَ الثَّمنِ، وإنْ شاءَ لَم يَقبَلْ ورَدَّ نُقصانَ العَيبِ، سَواءٌ كانَ حُدوثُ ذلك أوجَب نُقصانًا في الأصلِ، أو لَم يُوجِبْ نُقصانًا فيه؛ لأنَّ إتلافَ الزِّيادةِ بمَنزِلةِ إتلافِ جُزءٍ مُتَّصِلٍ بالأصلِ؛ لِكَونِها مُتولَّدةٌ مِنْ الأصلِ، وذا يُوجِبُ الخيارَ لِلبائِعِ، وإنْ كانَ بفِعلِ أجنَبيٍّ ليسَ له أنْ يَرُدَّ؛ لأنَّه يَجِبُ ضَمانُ الزِّيادةِ على الأجنَبيِّ، فيَقومُ الضَّمانُ مَقامَ العَينِ، فكَأنَّ عَينَه قائِمةٌ، فيَمتَنِعُ الرَّدُّ ويَرجِعُ بنُقصانِ العَيبِ (١).

إذا حدَث عَيبٌ آخَرُ عندَ المُشتَري في المَبيعِ قبلَ عِلمِه بالأوَّلِ:

اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ اشتَرَى شَيئًا مَعيبًا لَم يَعلَم به، ثم حدَث به عَيبٌ آخَرُ عندَه بآفةٍ سَماويَّةٍ أو غيرِها قبلَ عِلمِه بالعَيبِ الأوَّلِ، هل له أنْ يُمسِكَه ويَأخُذَ الأرشَ أو أنْ يَأخُذَ الأرشَ ويَتعذَّرَ الرَّدُّ؟

فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المُشتَريَ لا

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٨٦)، و «مجمع الضمانات» (٤٧٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٧/ ١٨٧) مَطلَب في أَنواعِ زِيادَةِ المَبيعِ.

يَملِكُ الرَّدَّ قَهرًا على البائِعِ، وله أرشُ العَيبِ القَديمِ؛ لأنَّ الرَّدَّ ثبَت لِإزالةِ الضَّررِ، وفي الرَّدِّ على البائِعِ إضرارٌ به، ولا يُزالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ؛ لأنَّه خرَج عن مِلكِه سالِمًا، ويَعودُ مَعيبًا، فامتُنِعَ، ولا بدَّ مِنْ دَفعِ الضَّرَرِ عنه، فتَعيَّنَ الرُّجوعُ بالنُّقصانِ.

قالَ الحَنفيَّةُ: إلَّا أنْ يَرضَى البائِعُ أنْ يَأخُذَه مِنه بعَيبِه فله ذلك؛ لأنَّه رَضيَ بإسقاطِ حَقِّه، والتِزامِ الضَّررِ؛ فإنْ رَضيَ البائِعُ بذلك وأرادَ المُشتَري حَبسَ المَبيعِ والرُّجوعَ بحِصَّةِ العَيبِ فليسَ له ذلك، بَلْ إنْ شاءَ المُشتَري أمسَكَه ولا يَرجِعُ بحِصَّةِ العَيبِ، وإنْ شاءَ رَدَّه.

وصورةُ الرُّجوعِ بالنُّقصانِ: أنْ يُقوَّمَ المَبيعُ وليسَ به العَيبُ القَديمُ، ويُقوَّمَ وبه ذلك العَيبُ؛ فيُنظَرُ إلى ما نقَص مِنْ قيمَتِه لِأجْلِ العَيبِ، ويُنسَبُ مِنْ القيمةِ السَّليمةِ؛ فإنْ كانَتِ النِّسبةُ العُشرَ رجَع بعُشرِ الثَّمنِ، وإنْ كانَتِ النِّصفَ فبِنِصفِه، بَيانُه إذا اشتَرَى ثَوبًا بعَشَرةِ دَراهِمَ وقيمَتُه مِئة دِرهَمٍ، واطَّلَعَ على عَيبٍ يَنقُصُه عَشَرةَ دَراهِمَ وقد حدَث به عَيبٌ آخَرُ فإنَّه يَرجِعُ على البائِعِ بعُشرِ الثَّمنِ، وذلك دِرهَمٌ، وإنْ كانَ يُنْقَصُ مِنْ قيمَتِه لِأجْلِ العَيبِ عِشرونَ رجَع بخُمسِ الثَّمنِ، وهو دِرهَمانِ، ولو اشتَراه بمِئتَيْنِ وقيمَتُه مِئةٌ ويَنقُصُ مِنْ قيمَتِه لِأجْلِ العَيبِ عَشَرةٌ فإنَّه يَرجِعُ بعُشرِ الثَّمنِ، وذلك عِشرونَ، ولو كانَ العَيبُ يُنقِصُه عِشرينَ رجَع بخُمسِ الثَّمنِ، وذلك أربَعونَ (١).

(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٦٣، ٦٤)، و «اللباب» (١/ ٣٧٣)، و «الهداية» (٣/ ٣٧)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٣٦٥)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٣٤)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ٨٣).

وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا حدَث بالمَبيعِ عَيبٌ في يَدِ المُشتَري بجِنايةٍ أو بآفةٍ، ثم اطَّلَعَ على عَيبٍ قَديمٍ، لَم يَملِكِ الرَّدَّ قَهرًا؛ لِمَا فيه مِنْ الإضرارِ بالبائِعِ، ولا يُكلَّفُ المُشتَري الرِّضا به، بَلْ يُعلَمُ البائِعُ به؛ فإنْ رَضيَ به مَعيبًا قيلَ لِلمُشتَري: إمَّا أنْ تَرُدَّه، وإمَّا أنْ تَقنَعَ به ولا شَيءَ لَكَ. وإنْ لَم يَرضَ به؛ فلا بدَّ مِنْ أنْ يَضُمَّ المُشتَري أرشَ العَيبِ الحادِثِ إلى المَبيعِ لِيَرُدَّه، أو يُغرَّمَ البائِعُ لِلمُشتَري أرشَ العَيبِ القَديمِ لِيُمسِكَه، فإنِ اتَّفَقا على أحَدِ هذَيْنِ المَسلكَيْنِ فذاكَ، وإنِ اختَلَفا فدَعا أحَدُهما إلى الرَّدِّ مع أرشِ العَيبِ الحادِثِ، ودَعا الآخَرُ إلى الإمساكِ وغَرامةِ أرشِ العَيبِ القَديمِ؛ ففيه أوْجُهٌ:

أحَدُها: المُتَّبَعُ قَولُ المُشتَري.

والثاني: رَأيُ البائِعِ.

والثالِثُ -قالَ النَّوويُّ: وهو أصَحُّها-: المُتَّبعُ رَأيُ مَنْ يَدعو إلى الإمساكِ والرُّجوعِ بأرشِ العَيبِ، سَواءٌ كانَ البائِعَ أو المُشتَريَ.

وما ذَكَرناه مِنْ إعلامِ المُشتَري البائِعَ يَكونُ على الفَورِ؛ فإنْ أخَّرَه بلا عُذرٍ بطَل حَقُّه مِنْ الرَّدِّ والأرشِ، إلَّا أنْ يَكونَ العَيبُ الحادِثُ قَريبَ الزَّوالِ في الأغلَبِ، كالرَّمَدِ والحُمَّى؛ فلا يُعتبَرُ الفَورُ على أحَدِ القَولَيْنِ، بَلْ له انتِظارُ زَوالِه لِيَرُدَّه سَليمًا عن العَيبِ الحادِثِ.

ومَهما زالَ العَيبُ الحادِثُ بعدَما أخَذ المُشتَري أرشَ العَيبِ القَديمِ، أو قَضى به القاضي ولَم يَأخُذْه، فهل له الفَسخُ ورَدُّ الأرشِ؟ وَجهانِ:

أصَحُّهما: لا، ولو تَراضَيا، ولا قَضاءَ؛ فالأصَحُّ أنَّ له الفَسخَ (١).

وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ في أصَحِّ الرِّوايتَيْنِ إلى أنَّ المُشتَريَ مُخيَّرٌ، إنْ شاءَ أمسَكَه وله الأرشُ، وإنْ شاءَ رَدَّه ويَرُدُّ أرشَ العَيبِ الحادِثِ عندَه ويَأخُذُ الثَّمنَ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: لَنا: حَديثُ المُصَرَّاةِ؛ فإنَّ النَّبيَّ أمَرَ برَدِّها بعدَ حَلبِها، ورَدِّ عِوَضِ لَبَنِها، واحتَجَّ أحمدُ بأنَّ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ قَضى في الثَّوبِ إذا كانَ به عَوارٌ برَدِّه، وإنْ كانَ قد لَبِسَه، ولأنَّه عَيبٌ حدَث عندَ المُشتَري؛ فكانَ له الخيارُ بينَ رَدِّ المَبيعِ وأرشِه، وبينَ أخْذِ أرشِ العَيبِ القَديمِ، كما لو كانَ حُدوثُه لِاستِعلامِ المَبيعِ، ولأنَّ العَيبَيْنِ قد استَوَيا والبائِعَ قد دلَّس به، والمُشتَريَ لَم يُدلِّسْ، فكانَتْ رِعايةُ جانِبِه أوْلَى، ولأنَّ الرَّدَّ كانَ جائِزًا قبلَ حُدوثِ العَيبِ الثاني فلا يَزولُ إلَّا بدَليلٍ، وليسَ في المَسألةِ إجماعٌ ولا نَصٌّ، والقياسُ إنَّما يَكونُ على أصلٍ، وليسَ لِمَا ذَكَروه أصلٌ، فيَبقَى الجَوازُ بحالِه.

إذا ثبَت هذا فإنَّه يَرُدُّ أرشَ العَيبِ الحادِثِ عندَهُ؛ لأنَّ المَبيعَ بجُملَتِه مَضمونٌ عليه؛ فكذلك أجزاؤُه، وإنْ زالَ العَيبُ الحادِثُ عندَ المُشتَري رَدَّه ولا أرشَ مَعَه على كِلتا الرِّوايتَيْنِ، وبِه قالَ الشافِعيُّ؛ لأنَّه زالَ المانِعُ مع قيامِ السَّببِ المُقتَضي لِلرَّدِّ، فثبَت حُكمُه (٢).

(١) «روضة الطالبين» (٣/ ١٣٢، ١٣٣)، و «الإقناع» (٢/ ٢٨٨).
(٢) «المغني» (٤/ ١١١).

وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: مَنْ حدَث عندَه عَيبٌ بما اشتَراه ثم عَلِمَ بعَيبٍ كانَ به عندَ البائِعِ فإنْ كانَ العَيبُ الذي حدَث عندَ المُشتَري خَفيفًا لا يَنقُصُ مِنْ الثَّمنِ إلَّا ما لا قَدْرَ له، مثلَ الحُمَّى الخَفيفةِ في الرَّقيقِ، والصُّداعِ والرَّمَدِ الخَفيفِ، أو صَدْعِ جِسمٍ، أو كَيٍّ خَفيفٍ، أو وَجَعٍ ليسَ بمَخوفٍ، رَدَّه على البائِعِ بالعَيبِ الذي كانَ به بما يَنقُصُ مِنْ الثَّمنِ ولا شَيءَ عليه، وإنْ كانَ العَيبُ الذي حدَث عندَه يَنقُصُ مِنْ الثَّمنِ ولَم يَكُنْ عَيبًا مُفسِدًا رَدَّه أيضًا، ورَدَّ ما نقَصه العَيبُ الحادِثُ عندَه.

وإنْ كانَ عَيبًا مُفسِدًا رجَع بأرشِ العَيبِ الذي وُجدَ به ممَّا كانَ عندَ البائِعِ، وحَبَسَ العَبدَ، وقد قيلَ: إنَّ له الخيارَ في العَيبِ المُفسِدِ إنْ حدَث عندَه بينَ أنْ يَرُدَّ المَبيعَ وما نقَصه العَيبُ الحادِثُ عندَه، وبينَ أنْ يُمسِكَه ويَرجِعَ بأرشِ العَيبِ الذي وُجدَ به، وسَواءٌ كانَ البائِعُ دلَّس أو لَم يُدلِّسْ في الرَّقيقِ خاصَّةً، وليسَ الرَّقيقُ في ذلك كغيرِهم عندَهم (١).

هَذا إذا لَم يَكُنِ البائِعُ دلَّس العَيبَ؛ فالمُدلِّسُ الآثِمُ يَتحمَّلُ تَبِعةً تَدليسِه، ولِذلك قالَ المالِكيَّةُ: لُزومُ أرشِ العَيبِ الحادِثِ عندَ المُبتاعِ إذا اختارَ الرَّدَّ؛ هو حَقُّ غيرِ المُدلِّسِ.

أمَّا إذا كانَ البائِعُ مُدلِّسًا بالعَيبِ، فإنَّ المُبتاعَ يَرُدُّ المَبيعَ مِنْ غيرِ أرشٍ

(١) «الكافي» (٣٥٠، ٣٥١)، ويُنظر: «الموطأ» (٢/ ٦١٣)، و «الاستذكار» (٦/ ٢٨٥)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٣٦، ١٣٧)، و «القوانين الفقهية» (١٧٦)، و «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٧١٣)، و «حاشية الصاوي» (٦/ ٤٨٢)، و «منح الجليل» (٥/ ١٨٥)، و «شرح الزرقاني» (٣/ ٣٣٠).

لِلعَيبِ الحادِثِ عندَه، إلَّا أنْ يَفوتَ فَواتًا يَمنَعُ مِنْ الرَّدِّ؛ كهَلاكِه، أو فَواتِ أكثَرِ مَنافِعِه، فيَتعيَّنُ أخذُ أرشِ العَيبِ القَديمِ (١).

وقالَ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: ومَن باعَ ثَوبًا فقطَعه المُشتَري وخاطَه ثم ظهَر مِنه على عَيبٍ كانَ عندَ البائِعِ؛ فإنْ كانَ البائِعُ كتَمه العَيبَ رَدَّه ورجَع عليه بقيمةِ الخياطةِ، وأخَذ الثَّمنَ مُوفَّرًا، ولا شَيءَ عليه، ممَّا نقَصه القَطعُ؛ لأنَّ البائِعَ سَلَّطَه على ذلك وأذِنَ له فيه إذا دلَّس له بالعَيبِ وكتَمه ذلك، هذا إذا قطَعه المُشتَري قَطْعَ مِثلِه، وكانَ قَطعُه فسادًا، ثم رَدَّه بالعَيبِ الذي دلَّس به البائِعُ، رَدَّ قيمةَ ما نقَصه القَطعُ، وإنْ كانَ البائِع لَم يَعلَم بالعَيبِ، فالمُشتَري بالخيارِ بينَ أنْ يَرُدَّه ويَرُدَّ ما نقَصه القَطعُ -وقيمةُ الخياطةِ داخِلةٌ في قيمَتِه- وبينَ أنْ يُمسِكَه ويَأخُذَ أرشَ العَيبِ، ولِلبائِعِ أنْ يَحلِفَ المُشتَري ما عَلِمَ بالعَيبِ قبلَ القَطعِ، ولا لَبِسَه بعدَ العِلمِ، وإنْ ظهَر المُشتَري على العَيبِ قبلَ القَطعِ كانَ مُخيَّرًا بينَ أنْ يُمسِكَه ولا شَيءَ له، وبينَ أنْ يَرُدَّه ويَأخُذَ الثَّمنَ، سَواءٌ كانَ البائِعُ عَلِمَ بالعَيبِ أو لَم يَعلَم، ولو وجَد المُشتَري عَيبًا بالثَّوبِ كانَ عندَ البائِعِ وهو قد صَبَغَ الثَّوبَ صَبغًا زاد في ثَمَنِه، أو عَمِلَ فيه عَمَلًا يَزيدُ في قيمَتِه، كانَ بالخيارِ، إنْ شاءَ أخَذ مِنْ البائِعِ قيمةَ العَيبِ ولَبِسَ الثَّوبَ، وإنْ شاءَ رَدَّه، وكانَ شَريكًا لِلبائِعِ بما زادَ فيه عَمَلُه، وهذا مَعنَى قَولِ مالِكٍ في المُوطَّأِ (٢).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إلَّا أنْ يَكونَ البائِعُ دلَّس العَيبَ، فيَلزَمَه رَدُّ الثَّمنِ كامِلًا، وكذلك سائِرُ المَبيعِ، ومَعنَى دلَّس العَيبَ: كتَمه عن المُشتَري مع عِلمِه

(١) «عقد الجواهر الثمينة» (٢/ ٧١٣).
(٢) «الكافي» (٣٥٠، ٣٥١).

به، أو غَطَّاه عنه بما يُوهِم المُشتَري بعَدَمِه، مُشتَقٌّ مِنْ الدُّلسةِ، وهي الظُّلمةُ؛ فكَأنَّ البائِعَ يَستُرُ العَيبَ، وكِتمانُه جَعْلُه في ظُلمةٍ، فخَفِيَ على المُشتَري، فلَم يَرَه، ولَم يَعلَم به، وسَواء في هذا ما عَلِمَ به فكتَمه، وما سَتَرَه، فكِلاهما تَدليسٌ حَرامٌ على ما بيَّناه؛ فإذا فعَله البائِعُ فلَم يَعلَم به المُشتَري حتى تَعيَّبَ المَبيعُ في يَدِه فله رَدُّ المَبيعِ وأخْذُ ثَمَنِه كامِلًا، ولا أرشَ عليه، سَواءٌ كانَ الحادِثُ بفِعلِ المُشتَري، كوَطْءِ البِكرِ، وقَطعِ الثَّوبِ، أو بفِعلِ آدَميٍّ آخَرَ، مثلَ أنْ يَجنيَ عليه جانٍ، أو بفِعلِ العَبدِ، كالسَّرقةِ والإباقِ، أو بفِعلِ اللَّهِ ، بالمَرَضِ ونَحوِه، سَواءٌ كانَ نَقصًا لِلمَبيعِ أو مُذهِبًا لِجَميعِه.

قالَ أحمدُ في رَجُلٍ اشتَرَى عَبدًا فأبَقَ مِنْ يَدِه وأقامَ البَيِّنةَ على أنَّ إباقَه كانَ مَوجودًا في يَدِ البائِعِ، يَرجِعُ به على البائِعِ بجَميعِ الثَّمنِ الذي أخَذه منه؛ لأنَّه غَرَّ المُشتَريَ، ويَتبَعُ البائِعُ عَبدَه حيثُ كانَ، وهذا يُحكَى عن الحَكَمِ ومالِكٍ؛ لأنَّه غَرَّه فيَرجِعُ عليه، كما لو غَرَّه بحُرِّيَّةِ أَمَةٍ، وظاهِرُ حَديثِ المُصَرَّاةِ يَدُلَّ على أنَّ ما حدَث في يَدِ المُشتَري مَضمونٌ عليه، سَواءٌ دلَّس البائِعُ العَيبَ أو لَم يُدلِّسْه؛ فإنَّ التَّصريةَ تَدليسٌ، ولَم يَسقُطْ عنِ المُشتَري ضَمانُ اللَّبَنِ، بَلْ ضمِنه بصاعٍ مِنْ التَّمرِ مع كَونِه قد نُهِيَ عن التَّصريةِ.

وقالَ : «بَيعُ المُحَفَّلاتِ خِلابةٌ، ولا تَحِلُّ الخِلابةُ لِمُسلِمٍ» (١).

(١) رواه ابن ماجه (٢٣٤١)، وأحمد في «المسند» (١/ ٤٣٣) عن ابن مسعود رضي الله عنه قال الحافظ في «الفتح» (٤/ ٣٦٧): وفي إسنادِه ضعفٌ قد رَواهُ ابنُ أبي شَيبةَ وعبدُ الرَّزاقِ مَوقوفًا بإسنادٍ صَحيحٍ.

وقَولُ النَّبيِّ : «الخَراجُ بالضَّمانِ»، يَدلُّ على أنَّ مَنْ له الخَراجُ عليه الضَّمانُ؛ لِكَونِه جعَل الضَّمانَ عِلَّةً لِوُجوبِ الخَراجِ له؛ فلو كانَ ضَمانُه على البائِعِ لَكانَ الخَراجُ له لِوُجودِ عِلَّتِه، ولأنَّ وُجوبَ الضَّمانِ على البائِعِ لا يثبُتُ إلَّا بنَصٍّ أو إجماعٍ أو قياسٍ، ولا نَعلَمُ في هذا نَصًّا ولا إجماعًا.

والقياسُ إنَّما يَكونُ على أصلٍ، ولا نَعلَمُ لِهَذا أصلًا ولا يُشبِهُ هذا التَّغريرَ بحُرِّيَّةِ الأَمَةِ في النِّكاحِ؛ لأنَّه يَرجِعُ على مَنْ غَرَّه، وإنْ لَم يَكُنْ سَيِّدَ الأَمَةِ، وهَهُنا لو كانَ التَّدليسُ مِنْ وَكيلِ البائِعِ لَم يَرجِعْ عليه بشَيءٍ (١).

وقالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا حُجَّةُ مَنْ قالَ: إنَّه ليسَ لِلمُشتَري إلَّا أنْ يَرُدَّ ويَرُدَّ قيمةَ العَيبِ أو يُمسِكَ؛ فلأنَّهم قد أجمَعوا على أنَّه إذا لَم يَحدُثُ بالمَبيعِ عَيبٌ عندَ المُشتَري فليسَ هناك إلَّا الرَّدُّ؛ فوجَب استِصحابُ حالِ هذا الحُكمِ، وإنْ حدَث عندَ المُشتَري عَيبٌ مع إعطائِه قيمةَ العَيبِ الذي حدَث عندَه.

وأمَّا مالِكٌ فلمَّا تَعارَضَ عندَه حَقُّ البائِعِ وحَقُّ المُشتَري، غلَب المُشتَري، وجعَل له الخيارَ؛ لأنَّ البائِعَ لا يَخلو مِنْ أحَدِ أمرَيْنِ، إمَّا أنْ يَكونَ مُفرِّطًا في أنَّه لَم يَستَعلِمِ العَيبَ ويَعلَم به المُشتَري، أو يَكونَ عَلِمَه فدلَّس به على المُشتَري.

(١) «المغني» (٤/ ١١٣)، ويُنظر: «شرح الزركشي» (٢/ ٦٨)، و «الإنصاف» (٤/ ٤١٦، ٤١٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب البيوع
القسم الثالث في الأحكام العامة للبيوع الصحيحة

وَعُمْدَةُ الشَّافِعِيِّ: النَّهْيُ الْوَارِدُ عَنْ بَيْعِ الرَّجُلِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ، وَالْمَالِكِيَّةُ تَحْمِلُهُ عَلَى بَيْعِهِ لِنَفْسِهِ لَا لِغَيْرِهِ، قَالُوا: وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ النَّهْيَ إِنَّمَا وَرَدَ فِي حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَقَضِيَّتُهُ مَشْهُورَةٌ، وَذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ لِنَفْسِهِ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ.

وَسَبَبُ الْخِلَافِ الْمَسْأَلَةُ المَشْهُورَةُ، هَلْ إِذَا وَرَدَ النَّهْيُ عَلَى سَبَبٍ حُمِلَ عَلَى سَبَبِهِ أَوْ يَعُمُّ؟ فَهَذِهِ هِيَ أُصُولُ هَذَا الْقِسْمِ، وَبِالْجُمْلَةِ فَالنَّظَرُ فِي هَذَا الْقِسْمِ هُوَ مُنْطَوقٌ بِالْقُوَّةِ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ، وَلَكِنَّ النَّظَرَ الصِّنَاعِيَّ الْفِقْهِيَّ يَقْتَضِي أَنْ يُفْرَدَ بِالتَّكَلُّمِ فِيهِ. وَإِذْ قَدْ تَكَلَّمْنَا فِي هَذَا الْجُزْءِ بِحَسَبِ غَرَضِنَا فَلْنَصِرْ إِلَى الْقِسْمِ الثَّالِثِ، وَهُوَ الْقَوْلُ فِي الْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ لِلْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ.

الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي الْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ لِلْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ

الْجُمْلَةُ الْأُولَى فِي أَحْكَامِ وُجُودِ الْعَيْبِ فِي الْمَبِيعَاتِ

الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَحْكَامِ الْعُيُوبِ فِي الْبَيْعِ الْمُطْلَقِ

الْقِسْمُ الثَّالِثُ: فِي الْأَحْكَامِ الْعَامَّةِ لِلْبُيُوعِ الصَّحِيحَةِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 600 - 607

ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله