الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > الإعلام بالعيب في المبيع
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةولأنَّ مُطلَقَ العَقدِ يَقتَضي السَّلامةَ مِنْ العَيبِ، والعَيبُ حادِثٌ أو مُخالِفٌ لِلظَّاهِرِ؛ فعندَ الإطلاقِ يُحمَلُ عليها؛ فمَتَى فاتَتْ فاتَ بَعضُ مُقتَضى العَقدِ، فلَم يَلزَمْه أخذُه بالعِوَضِ، وكانَ له الرَّدُّ، وأخذُ الثَّمنِ كامِلًا (١).
واستَدَلُّوا بالقياسِ على الخيارِ في المُصَرَّاةِ، والجامِعُ بينَهما عَدَمُ حُصولِ المَبيعِ السَّليمِ؛ لأنَّه بَذَلَ الثَّمنَ لِيُسلَّم له مَبيعٌ سَليمٌ، ولَم يُسَلَم له ذلك (٢).
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: إثباتُ النَّبيِّ ﷺ الخيارَ بالتَّصريةِ تَنبيهٌ على ثُبوتِه بالعَيبِ (٣).
وخِيارُ العَيبِ يثبُتُ شَرعًا مِنْ غيرِ شَرطٍ؛ لِكَونِ سَلامةِ المَبيعِ مِنْ العُيوبِ كالمَشروطةِ في العَقدِ؛ فلا يَحِلُّ لِلبائِعِ أنْ يَبيعَ المَعيبَ حتى يُبيِّنَ عَيبَه.
الإعلامُ بالعَيبِ في المَبيعِ:
لا خِلافَ بينَ عُلماءِ الأُمَّةِ على أنَّه يَجِبُ على البائِعِ إذا كانَ في المَبيعِ عَيبٌ أنْ يُبينَه لِلمُشتَري؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «لا يَحِلُّ لِمُسلِمٍ باعَ مِنْ أخيه بَيعًا فيه عَيبٌ إلَّا بيَّنه لَه» (٤).
وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ على صُبرةِ
(١) «المغني» (٤/ ١٠٨، ١٠٩).
(٢) «تكملة المجموع» للتقي السبكي (١٢/ ١١٦، ١١٧).
(٣) «المغني» (٤/ ١٠٨).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: أخرجه أحمد (٤/ ١٥٨)، وابن ماجه (٢٢٤٦)، والطبراني (١٧/ ٣١٧)، والحاكم (٢/ ١٠)، والبيهقي (٥/ ٣٢٠).
طَعامٍ، فأدخَلَ يَدَه فيها، فنالَتْ أصابِعُه بَلَلًا، فقالَ: «ما هذا يا صاحِبَ الطَّعامِ؟»، قالَ: أصابَتْه السَّماءُ يا رَسولَ اللَّهِ، قالَ ﷺ: «أفَلا جَعَلتَه فَوقَ الطَّعامِ؛ كي يَراه النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فليسَ منِّي» (١).
وعن واثِلةَ بنِ الأسقَعِ رضي الله عنه قالَ: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ باعَ عَيبًا لَم يُبَيِّنْه لَم يَزَلْ في مَقتِ اللَّهِ، ولَم تَزَلِ المَلائِكةُ تَلعَنُه» (٢).
وعن عَبدِ المَجيدِ بنِ وَهبٍ قالَ: قالَ لي العَدَّاءُ بنُ خالِدِ بنِ هَوذةَ: ألَا نُقرِئُكَ كِتابًا كتَبه لي رَسولُ اللَّهِ ﷺ؟ قالَ: قُلتُ: بَلَى، فأخرَجَ لي كِتابًا، فإذا فيهِ: «هذا ما اشتَرَى العَدَّاءُ بنُ خالِدِ بنِ هَوذةَ مِنْ مُحمَّدٍ رَسولِ اللَّهِ، اشتَرَى مِنه عَبدًا أو أَمَةً لا داءَ ولا غائِلةَ ولا خِبثةَ، بَيعَ المُسلِمِ لِلمُسلِمِ» (٣)، لا داءَ: هو العَيبُ الباطِنُ في السِّلعةِ الذي لَم يَطَّلعْ عليه المُشتَري، ولا غائِلةَ: هي الإباقُ والسَّرقةُ والزِّنا، ولا خِبثةً: ما كانَ في الخُلُقِ، والغائِلةُ: سُكوتُ البائِعِ عَمَّا يَعلَمُ في المَبيعِ مِنْ مَكروهٍ، فقَولُه ﷺ: «بَيعَ المُسلِمِ»، دَليلٌ على أنَّه مُوجِبُ العَقدِ المُطلَقِ، واشتِراطُه بَيانٌ لِمُوجِبِ العَقدِ، وتَوكيدٌ له؛ فهذا النَّبيُّ ﷺ قد بيَّن أنَّ مُجرَّدَ سُكوتِ أحَدِ المُتبايِعَيْنِ عن إظهارِ ما لو عَلِمَه الآخَرُ لَم يُبايِعْه مِنْ العُيوبِ، وغيرِها، إثْمٌ عَظيمٌ، وحرَّم هذا الكِتمانَ، وجعَله مُوجِبًا لِمَقتِ اللَّهِ ﷾، وإنْ كانَ السَّاكِتُ لَم يَتكلَم، ولَم يَصِفْ، ولَم يَشتَرِطْ، وإنَّما
(١) رواه مسلم (١٠٢).
(٢) ضَعِيفٌ جِدًّا: رواه ابن ماجه (٢٢٤٧).
(٣) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه ابن ماجه (٢٢٥١)، والدارقطني (٣/ ٧٧).
ذاكَ لأنَّ ظاهِرَ الأمرِ الصِّحَّةُ والسَّلامةُ؛ فيَبني الآخَرُ الأمرَ على ما يَظُنُّه مِنْ الظَّاهِرِ الذي لَم يَصِفْه الآخَرُ بلِسانِه، وذلك نَوعٌ مِنْ الغَرَرِ له والتَّدليسِ عليه، ومَعلومٌ أنَّ الغُرورَ بالكَلامِ والوَصفِ إثْمٌ، فإذا غَرَّه بأنْ يُظهِرَ له أمرًا ثم لا يَفعَلُه معه؛ فإنَّ ذلك أعظَمُ في الغَرَرِ والتَّدليسِ، وأينَ السَّاكِتُ مِنْ النَّاطِقِ؟ فيَجِبُ أنْ يَكونَ أعظَمَ إثْمًا (١).
ويَجِبُ عليه تَفصيلُ العَيبِ أو إراءَتُه لِلمُشتَري، ولا يَجوزُ له إجمالُ العَيبِ، أي: يَجمُلُ في الجِنسِ الصَّادِقِ على أفرادٍ، ولَم يُعيِّنِ الغَرَرَ القائِمَ به؛ ككونِه مَعيبًا، ولَم يُعيِّنْ عَينَ العَيبِ (٢).
ووُجوبُ الإعلامِ بالعَيبِ لا يَقتصِرُ على البائعِ، بل يَمتَدُّ إلى كلِّ مَنْ عَلِمَ بالعَيبِ.
قالَ السُّبكيُّ في تَكمِلةِ المَجموعِ: إنْ عَلِمَ غيرُ المالِكِ بالعَيبِ لزِمه أنْ يُبيِّنَ ذلك لِمَنْ يَشتَريه؛ لِلحَديثِ الآخَرِ الذي ذكَره المُصنِّفُ، ولقولِه ﷺ: «الدِّينُ النَّصيحةُ»، والأحاديثُ في ذلك كَثيرةٌ صَحيحةٌ صَريحةٌ، ومِمَّن صرَّح بهذه المَسألةِ مع المُصنِّفِ رحمة الله عليه ابنُ أبي عَصرونٍ، والنَّوويُّ في الرَّوضةِ، مِنْ زياداتِه، وذلك ممَّا لا أظُنُّ فيه خِلافًا؛ لِوُجوبِ النَّصيحةِ، وقد دخَل في قَولِ المُصنِّفِ ممَّن هُمْ غيرُ المالِكِ: البائِعُ بوَكالةٍ أو وِلايةٍ، الذي دَلَّ كَلامُه في التَّنبيهِ عليه، وغيرُ البائِعِ، ومَن ليسَ له تَعلُّقٌ بهما، إلَّا أنَّه اطَّلَعَ على
(١) «الفتاوى الكبرى» (٣/ ٢٣٦).
(٢) «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٦/ ٤٥٣)، و «حاشية العدوي» (٢/ ١٥٢).
العَيبِ -وإنْ كانَ أجنبيًّا-، كما في قِصَّةِ واثِلةَ بنِ الأسقَعِ، ولَه حالاتٌ ثَلاثٌ:
إحداها: أنْ يَعلَمَ أنَّ البائِعَ أعلَمَ المُشتَريَ بذلك، فلا يَجِبُ عليه الإعلامُ في هذه الحالةِ؛ لِحُصولِ المَقصودِ بإعلامِ البائِعِ.
الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَعلَمَ أو يَظُنَّ أو يَتوهَّمَ أنَّ البائِعَ لَم يُعلِمْه، فيَجِبُ عليه؛ لِإطلاقِ الحَديثِ، ولِقِصَّةِ واثِلةَ؛ فإنَّه استَفسَرَ مِنْ المُشتَري، هل أعلَمَه البائِعُ؛ فدَلَّ على أنَّه لَم يَكُنْ جازِمًا بعَدَمِ إعلامِه، وذلك لأنَّه مِنْ جُملةِ النُّصحِ، لكنَّ هذا إنَّما يَكونُ إذا كانَ التَّوهُّمُ بمُحتمَلِه؛ فلو وَثِقَ بالبائِعِ؛ لِدِينِه، وغلَب على ظَنِّه أنَّه يَعلَمُ المُشتَري به، وهي الحالةُ الثالِثةُ، فيُحتمَلُ أنْ يُقالَ: لا يَجِبُ عليه الإعلامُ في هذه الحالةِ؛ لِظاهِرِ حالِ البائِعِ، وخَشيةً مِنْ التَّعرُّضِ لِإيغارِ صَدرِه، والبائِعُ يَتوهَّمُه أنَّه أساءَ الظَّنَّ به، ويُحتمَلُ أنْ يُقالَ: إنَّه يَجِبُ الِاستِفسارُ، كما فعَل واثِلةُ بنُ الأسقَعِ؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الإعلامِ، ولا يَجِدونَ في الِاستِفسارِ مع عُمومِ الحَديثِ في وُجوبِ التَّبيينِ، هذا كُلُّه إذا كانَ البائِعُ عالِمًا بالعَيبِ؛ فإنْ كانَ الأجنَبيُّ عالِمًا به وَحدَه وجَب عليه البَيانُ لِكُلٍّ.
وأمَّا وَقتُ الإعلامِ ففي حَقِّ البائِعِ قبلَ البَيعِ؛ فلو باعَ مِنْ غيرِ إعلامٍ عَصى، كما تَقدَّمَ، وفي حَقِّ الأجنَبيِّ قبلَ البَيعِ أيضًا عندَ الحاجةِ، فإنْ لَم يَكُنْ حاضِرًا عندَ البَيعِ، أو لَم يَتيسَّرْ له وجَب عليه الإعلامُ بعدَه؛ لِيَرُدَّ بالعَيبِ، كما فعَل واثِلةُ، ولا يَجوزُ له تَأخيرُ ذلك عن وَقتِ حاجةِ المُشتَري إليه، واللَّهُ ﷾ أعلَمُ (١).
(١) «تكملة المجموع» (١٢/ ١١٧، ١١٨).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب الرد بالعيب
باب الرد بالعيب
مسألة:
قال الشافعي رحمه الله تعالى: " أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مَخْلَدِ بْنِ خُفَافٍ أَنَّهُ ابْتَاعَ غُلَامًا فَاسْتَغَلَّهُ ثُمَّ أَصَابَ بِهِ عَيْبًا فَقَضَى لَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِرَدِّهِ وَغَلَّتِهِ فَأَخْبَرَ عُرْوَةُ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَضَى فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّ الْخَرَاجَ بِالضَّمَانِ فَرَدَّ عُمَرُ قَضَاءَهُ وَقَضَى لِمَخْلَدِ بْنِ خُفَافٍ برد الخراج (قال الشافعي) فبهذا نأخذ فما حدث في ملك المشتري من غلة ونتاج ماشية وولد أمة فكله في معنى الغلة لا يرد منها شيئا ويرد الذي ابتاعه وحده إن لم يكن ناقصا عما أخذه به " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
أَمَّا قَوْلُهُ: أَخْبَرَنِي مَنْ لَا أَتَّهِمُ فَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى وَقِيلَ: هُوَ مَنْ عَرَفَ ثِقَتَهُ وَتَسَمَّى اسْمَهُ، وَقِيلَ: بَلْ هُمْ جَمَاعَةٌ لَمْ يَجِبْ أَنْ يَخُصَّ أَحَدَهُمْ بِالذِّكْرِ فَكَنَّى عَنْهُمْ، فَإِذَا ابْتَاعَ رَجُلٌ شَيْئًا فَاسْتَعْمَلَهُ ثُمَّ وَجَدَهُ مَعِيبًا فَأَرَادَ رَدَّهُ فَإِنْ كَانَتِ الْغَلَّةُ مَنَافِعَ كَالسُّكْنَى وَالِاسْتِخْدَامِ وَالرُّكُوبِ لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ مِنَ الرَّدِّ بِالْعَيْبِ وَالْمَنَافِعِ لَهُ وَإِنْ كَانَتِ الْغَلَّةُ أَعْيَانًا كَالنَّتَاجِ وَالثِّمَارِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ يَرُدُّ الْأَصْلَ بِعَيْنِهِ وَيُمْسِكُ مَا حَدَثَ بِيَدِهِ مِنَ النَّتَاجِ وَالثِّمَارِ لِنَفْسِهِ.
ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.