النوع الخامس: خيار الرؤية

الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > النوع الخامس: خيار الرؤية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

النوع الخامس: خيار الرؤية - الأقوال والأدلة

النَّوعُ الخامِسُ: خيارُ الرُّؤيةِ:

اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ اشتَرَى شَيئًا ولَم يَرَه، هل يثبُتُ له الخيارُ إذا رَآه، وإنْ كانَ على الصِّفةِ التي اشتَرطَها، أو لا؟ وهذا الخِلافُ مَبنيٌّ على حُكمِ البَيعِ والشِّراءِ بالصِّفةِ والرُّؤيةِ المُتقدِّمةِ، وبَيعِ الأعيانِ الغائِبةِ هل يَجوزُ أو لا؟ وقد سبَق الكَلامُ على هذا، وأنا أذكُرُها هُنا إنْ شاءَ اللَّهُ مَرَّةً أُخرى لِمُناسَبةِ مَكانِها هُنا.

فقالَ الحَنفيَّةُ وأحمدُ في رِوايةٍ: مَنْ اشتَرَى ما لَم يَرَه صَحَّ، سَواءٌ ذُكِرَ وَصفُه أو لَم يُذكَرْ، فيَصحُّ البَيعُ، وله الخيارُ إذا رَآه إنْ شاءَ أخَذه وإنْ شاءَ رَدَّه، وإنْ كانَ على الصِّفةِ التي ذُكِرتْ، حتى لو قالَ المُشتَري قبلَ الرُّؤيةِ: رَضيتُ، ثم رَآهُ، فله أنْ يَرُدَّه؛ لأنَّ الخيارَ مُعلَّقٌ بالرُّؤيةِ، فلا يثبُتُ قبلَه.

وقالَ المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيُّ في أحَدِ قَولَيْه على تَفصيلٍ سَيَأتي: يَجوزُ بَيعُ السِّلَعِ وإنْ لَم يَرَها المُشتَري إذا وصَفها له ولَم يَشترِطِ النَّقدَ؛ فإنْ لَم يَصِفْها لَم يَجُزْ، ولا يَجوزُ بَيعُ الغائِبِ ألبَتَّةَ إلَّا بالصِّفةِ أو على رُؤيةٍ تَقدَّمتْ.

ولا بَأْسَ ببَيعِ الأعيانِ الغائِبةِ على الصِّفةِ، وإنْ لَم يَرَها البائِعُ ولا المُشتَري إذا وَصَفوها؛ فإذا جاءَتْ على الصِّفةِ لزِمهما البَيعُ، ولا يَكونُ لِواحِدٍ منهما خيارُ الرُّؤيةِ إلَّا أنْ يَشترِطَهُ؛ فإنِ اشتَرطَه كانَ ذلك له؛ فإنْ لَم تُوصَفِ السِّلعةُ فلا يَصحُّ البَيعُ.

وقالَ الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ: لا يَصحُّ بَيعُ ما لَم يَرَه المُتعاقِدانِ أو أحَدُهما (١).

قالَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: المَبيعاتُ على نَوعَينِ: على مَبيعٍ حاضِرٍ مَرئيٍّ، فهذا لا خِلافَ في بَيعِه، ومَبيعٍ غائِبٍ أو مُتعَذَّرِ الرُّؤيةِ، فهُنا اختلَف العُلماءُ، فقالَ قَومٌ: بَيعُ الغائِبِ لا يَجوزُ بحالٍ مِنْ الأحوالِ، لا ما وُصِفَ ولا ما لَم يُوصَفْ.

وهذا أشهَرُ قَولَيِ الشافِعيِّ، وهو المَنصوصُ عندَ أصحابِه، أعني أنَّ بَيعَ الغائِبِ على الصِّفةِ لا يَجوزُ.

وقالَ مالِكٌ وأكثَرُ أهلِ المَدينةِ: يَجوزُ بَيعُ الغائِبِ على الصِّفةِ إذا كانَتْ غَيبَتُه ممَّا يُؤْمَنُ أنْ تَتغيَّرَ فيه قبلَ القَبضِ صِفَتُه.

وقالَ أبو حَنيفةَ: يَجوزُ بَيعُ العَينِ الغائِبةِ مِنْ غيرِ صِفةٍ، ثم له إذا رَآها الخِيارُ؛ فإنْ شاءَ أنفَذَ البَيعَ، وإنْ شاءَ رَدَّه.

وكذلك المَبيعُ على الصِّفةِ مِنْ شَرطِه عندَهم خيارُ الرُّؤيةِ، وإنْ جاءَ على الصِّفةِ، وعندَ مالِكٍ أنَّه إذا جاءَ على الصِّفةِ فهو لازِمٌ، وعندَ الشافِعيِّ لا يَنعقِدُ البَيعُ أصلًا في المَوضِعَيْنِ، وقد قيلَ في المَذهبِ: يَجوزُ بَيعُ الغائِبِ مِنْ غيرِ صِفةٍ على شَرطِ الخيارِ، خيارِ الرُّؤيةِ، وقَع ذلك في المُدوَّنةِ وأنكَرَه عَبدُ الوَهَّابِ، وقالَ: هو مُخالِفٌ لِأُصولِنا.

(١) «التمهيد» (١٣/ ١٤، ١٥)، و «الاستذكار» (٦/ ٤٢٣، ٤٦٧)، و «الكافي» (١/ ٣٢٩).

وسَبَبُ الخِلافِ: هل نُقصانُ العِلمِ المُتعلِّقِ بالصِّفةِ عن العِلمِ المُتعلِّقِ بالحِسِّ هو جَهلٌ مُؤثِّرٌ في بَيعِ الشَّيءِ، فيَكونَ مِنْ الغَرَرِ الكَثيرِ أو ليسَ بمُؤثِّرٍ، وأنَّه مِنْ الغَرَرِ اليَسيرِ المَعفُوِّ عنه؟ فالشافِعيُّ رَآه مِنْ الغَرَرِ الكَثيرِ، ومالِكٌ رَآه مِنْ الغَرَرِ اليَسيرِ، وأمَّا أبو حَنيفةَ فإنَّه رَأى أنَّه إذا كانَ له خيارُ الرُّؤيةِ لا غَرَرَ هُناكَ، وإنْ لَم تَكُنْ له رُؤيةٌ، وأمَّا مالِكٌ فرَأى أنَّ الجَهلَ المُقترِنَ بعَدَمِ الصِّفةِ مُؤثِّرٌ في انعِقادِ البَيعِ، ولا خِلافَ عندَ مالِكٍ أنَّ الصِّفةَ إنَّما تَنوبُ عن المُعايَنةِ لِمَكانِ غَيبةِ المَبيعِ، أو لِمَكانِ المَشقَّةِ التي في نَشْرِه، وما يُخافُ أنْ يَلحَقَه مِنْ الفَسادِ بتَكرارِ النَّشْرِ عليه، ولِهذا أجازَ البَيعَ على البَرنامَجِ على الصِّفةِ، ولَم يَجُزْ عندَه بَيعُ السِّلاحِ في جِرابِه، ولا الثَّوبِ المَطويِّ في طَيِّه حتى يُنشَرَ أو يُنظَرَ إلى ما في الجِرابِ أو الطَّيِّ.

واحتَجَّ أبو حَنيفةَ بما رُويَ عن ابنِ المُسَيِّبِ أنَّه قالَ: قالَ أصحابُ النَّبيِّ : وَدِدْنا أنَّ عُثمانَ بنَ عَفَّانَ وعَبدَ الرَّحمَنِ بنَ عَوفٍ تَبايَعا حتى نَعلَمَ أيُّهما أعظَمُ جِدًّا في التِّجارةِ؛ فاشتَرَى عَبدُ الرَّحمَنِ مِنْ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ فَرَسًا بأرضٍ له أُخرَى بأربَعينَ ألْفًا أو أربَعةِ آلافٍ … فذكَر تَمامَ الخَبَرِ.

وفيه بَيعُ الغائِبِ مُطلَقًا، ولا بدَّ، عندَ أبي حَنيفةَ مِنْ اشتِراطِ الجِنسِ.

ويَدخُلُ البَيعَ -على الصِّفةِ، أو على خيارِ الرُّؤيةِ مِنْ جِهةِ ما هو غائِبٌ- غَرَرٌ آخَرُ، وهو: هل هو مَوجودٌ وَقتَ العَقدِ أو مَعدومٌ؟ ولِذلك اشتَرَطوا فيه أنْ يَكونَ قَريبَ الغَيبةِ، إلَّا أنْ يَكونَ مَأمونًا، كالعَقارِ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
خيار الرؤية

عَدَمُ وُصُولِ عِوَضِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي مَعَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهِ عِوَضُهُ بِأَنْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ فِي يَدِهِ خَطَأً لَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ وَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ حَقِيقَةُ الْعَيْبِ وَإِنَّمَا وَصَلَ إلَيْهِ قِيمَةُ الْمَعِيبِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمِقْدَارِ الْعَيْبِ وَالصَّحِيحُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إلَيْهِ قِيمَتُهُ قَامَتْ الْقِيمَةُ مَقَامَ الْعَيْنِ فَكَأَنَّهَا قَائِمَةٌ فِي يَدِهِ لَمَّا وَصَلَ إلَيْهِ عِوَضُهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ بَاعَهُ وَلَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِالنُّقْصَانِ، كَذَا هَذَا.

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل البيع بشرط الخيار]

(فَصْلٌ) إنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ.

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ الْبَيْع بِشَرْطِ الْخِيَار

فَصْلٌ) (فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ)

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
(خيار المتبايعين)

(خِيَار المُتَبَايِعَيْنِ)

أىْ بَابُ خِيَارِ المُتَبايِعَيْنِ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا.

٧٠٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم رحمه اللهُ: (وَالمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأبْدَانِهِمَا)

فى هذه المَسْألةِ ثلاثةُ فُصولٍ، أحَدُها، أنَّ البَيْعَ يَقَعُ جَائِزًا، ولِكُلٍّ مِنَ المُتَبَايِعَيْنِ الخِيَارُ فى فَسْخِ البَيْعِ، ما دَامَا مُجْتَمِعَيْنِ، لم يَتَفَرَّقَا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، يُرْوَى ذلك عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، وأبِى هُرَيْرَةَ، وأبى بَرْزَةَ ، وبه قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، وعَطَاءٌ، وطَاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ، وابنُ أبى ذِئْبٍ، والشافِعيُّ، وإسحَاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مَالِكٌ وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَلْزَمُ العَقْدُ بالإيجَابِ والقَبُولِ، ولا خِيارَ لهما؛ لأنَّه رُوِىَ عن عمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: البَيْعُ صَفْقَةٌ أو خِيَارٌ. ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَزِمَ بمُجَرَّدِه، كَالنِّكاحِ والخُلْعِ. ولنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: "إذا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وكَانَا جَمِيعًا، أوْ يُخَيِّرُ أحَدُهما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وإن تَفَرَّقَا بَعْدَ أنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" . مُتَّفَقٌ عليه . وقال

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 626 - 628

ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله