النوع السادس: خيار التصرية

الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > النوع السادس: خيار التصرية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

النوع السادس: خيار التصرية - الأقوال والأدلة

النَّوعُ السادِسُ: خيارُ التَّصريةِ:

اختلَف الفُقهاءُ -كما تَقدَّمَ ذِكرُه- في حُكمِ بَيعِ المُصَرَّاةِ في حُكمِ مَنْ اشتَرَى مُصَرَّاةً مِنْ بَهيمةِ الأنعامِ وهو لا يَعلَمُ بتَصريَتِها، ثم عَلِمَ، هل يُعَدُّ هذا عَيبًا يُرَدُّ به البَيعُ ويثبُتُ له الخيارُ أو لا؟ على قَولَيْنِ:

القَولُ الأوَّلُ: قَولُ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ وأبي يُوسفَ مِنْ الحَنفيَّةِ بأنَّ هذا عَيبٌ، ومَن اشتَراها ووجَدها مُصَرَّاةً فهو بخَيرِ النَّظرَيْنِ بعدَ أنْ يَحتَلِبَها، إنْ شاءَ أمسَكَها، وإنْ شاءَ رَدَّها ومعها صاعٌ؛ لِمَا رَواهُ أبو هُريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ : «لا تُصَرُّوا الإبِلَ والغَنَمَ، فمَنِ ابتاعَها بَعدُ فإنَّه بخَيرِ النَّظرَيْنِ بعدَ أنْ يَحتَلِبَها، إنْ شاءَ أمسَكَ وإنْ شاءَ رَدَّها وصاعَ تَمرٍ»، قالَ البُخاريُّ: ويُذكَرُ عن أبي صالِحٍ ومُجاهِدٍ والوَليدِ بنِ رَباحٍ وموسى بنِ يَسارٍ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ : «صاعَ تَمرٍ»، وقالَ بَعضُهم عن ابنِ سِيرينَ: «صاعًا مِنْ طَعامٍ، وهو بالخيارِ»، ثَلاثًا، وقالَ بَعضُهم عن ابنِ سِيرينَ: «صاعًا مِنْ تَمرٍ»، ولَم يَذكُرْ ثَلاثًا، والتَّمرُ أكثَرُ (١).

وعن ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه: «مَنِ اشتَرَى شاةً مُحَفَّلةً فرَدَّها فليَرُدَّ معها صاعًا مِنْ تَمرٍ، ونهَى النَّبيُّ أنْ تُلَقَّى البُيوعُ» (٢).

وعن أبي هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللَّهِ قالَ: «لا تَلَقَّوُا

(١) رواه البخاري (٢١٤١)، ومسلم (١١٥٥).
(٢) رواه البخاري (٢٠٤٢).

الرُّكبانَ، ولا يَبِعْ بَعضُكم على بَيعِ بَعضٍ، ولا تَناجَشوا، ولا يَبِعْ حاضِرٌ لِبادٍ، ولا تُصَرُّوا الغَنَمَ، ومَن ابتاعَها فهو بخَيرِ النَّظرَيْنِ بعدَ أنْ يَحتَلِبَها، إنْ رَضيَها أمسَكَها، وإنْ سَخِطَها رَدَّها وصاعًا مِنْ تَمرٍ» (١)، فأثبَتَ له النَّبيُّ الخيارَ بالرَّدِّ مع التَّصريةِ، وذلك دالٌّ على كَونِه عَيبًا مُؤثِّرًا، ولأنَّه مُدلِّسٌ، فأشبَهَ التَّدليسَ بسائِرِ العُيوبِ؛ لأنَّ هذا تَدليسٌ بما يَختلِفُ الثَّمنُ باختِلافِه؛ فوجَب به الرَّدُّ، كما لو كانَتْ شَمطاءَ فسَوَّدَ شَعرَها.

وإنَّما يثبُتُ الخيارُ بشَرطِ ألَّا يَكونَ المُشتَري عالِمًا بالتَّصريةِ، فإنْ كانَ عالِمًا لَم يَثبُتْ له الخيارُ عندَ الحَنابِلةِ؛ لأنَّه اشتَراها عالِمًا بالتَّدليسِ، فلَم يَكُنْ له خيارٌ، كما لو اشتَرَى ما سُوِّدَ شَعرُها عالِمًا بذلك، ولأنَّه دخَل على بَصيرةٍ فلَم يَثبُتْ له الرَّدُّ، كما لو اشتَرَى مَعيبًا يَعلَمُ عَيبَه.

وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ: يثبُتُ له الخيارُ في وَجْهٍ لِلخَبَرِ، ولأنَّ انقِطاعَ اللَّبَنِ لَم يُوجَدْ، وقد يَبقَى على حالِه، فلَم يُجعَلْ ذلك رِضًا، كما لو تَزوَّجتْ عِنِّينًا ثم طَلَبتِ الفَسخَ.

القَولُ الثاني: وهو قَولُ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ، وهو أنَّ التَّصريةَ ليسَتْ عَيبًا، ولا خيارَ له؛ لأنَّ ذلك ليسَ بعَيبٍ؛ لِلِاتِّفاقِ على أنَّ الإنسانَ إذا اشتَرَى شاةً فخرَج لِبَنُها قَليلًا فذلك ليسَ بعَيبٍ، والتَّدليسِ بما ليسَ بعَيبٍ لا يُثبِتُ الخيارَ، كما لو عَلَفَها فانتَفَخَ بَطنُها، فظَنَّ المُشتَري أنَّها حامِلٌ، لكنَّه يَرجِعُ عليه بنُقصانِ العَيبِ.

(١) رواه البخاري (٢٠٤٣).

قالوا: وحَديثُ المُصَرَّاةِ يَجِبُ ألَّا يُوجِبَ عَمَلًا لِمُفارَقَتِه الأُصولَ، وذلك أنَّه مُفارِقٌ لِلأُصولِ مِنْ وُجوهٍ، منها: أنَّه مُعارِضٌ لقولِه : «الخَراجُ بالضَّمانِ»، وهو أصلٌ مُتَّفقٌ عليه.

ومنها: أنَّ فيه مُعارَضةَ مَنعِ بَيعِ طَعامٍ بطَعامٍ نَسيئةً، وذلك لا يَجوزُ باتِّفاقٍ.

ومنها: أنَّ الأصلَ في المُتلَفاتِ إمَّا القِيَمُ وإمَّا المِثلُ، وإعطاءُ صاعٍ مِنْ تَمرٍ في لَبَنٍ ليسَ قيمةً ولا مِثلًا (١).

وقد تَقدَّمتِ المَسألةُ بتَمامِها في حُكمِ البُيوعِ المَنهيِّ عنها.

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٧٤)، و «البحر الرائق» (٦/ ٥١)، و «حاشية ابن عابدين» (٥/ ٤٤)، و «مجمع الضمانات» (٤٩١)، و «المدونة» (٤/ ٣٠٠) وما بعدها. و «التمهيد» (٨/ ٢٠٤، ٢١٧)، و «الاستذكار» (٦/ ٥٣٢، ٥٣٧)، و «شرح صحيح البخاري» لابن بطال (٦/ ٢٧٦، ٢٨٠)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٣٢)، و «البيان والتحصيل» (٧/ ٣٥٠، ٣٥٣)، و «منح الجليل» (٥/ ١٦١)، و «الأم» (٣/ ٥٩، ٦٠)، و «الحاوي الكبير» (٥/ ٢٣٧، ٢٤١)، و «شرح السنة» (٨/ ١٢٥، ١٢٧)، و «روضة الطالبين» (٣/ ١١٩، ١٢٤)، و «شرح مسلم» (١٠/ ١٦٥، ١٦٧)، و «طرح التثريب» (٦/ ٥٨، ٥٩)، و «المغني» (٤/ ١٠٤، ١٠٤)، و «الكافي» (٢/ ٨٠)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٦١، ٦٤)، و «الفروع» (٤/ ٩٣، ٩٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٤٨، ٢٤٩)، و «عقد الجواهر» (٢/ ٤٧٥، ٤٧٧)، و «فتح الباري» (٤/ ٣٦٢، ٣٦٣).

تكملة البيوع

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل البيع بشرط الخيار]

(فَصْلٌ) إنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ.

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ الْبَيْع بِشَرْطِ الْخِيَار

فَصْلٌ) (فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ)

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
خيار الشرط

فَأَمَّا) إذَا اشْتَرَى أَحَدَهُمَا شِرَاءً فَاسِدًا بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت مِنْك أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِكَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِيَارَ أَصْلًا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ وَاحِدًا مِنْهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِنْ قَبَضَهُمَا مَلَكَ أَحَدَهُمَا مِلْكًا فَاسِدًا، وَأَيُّهُمَا هَلَكَ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ هَلَكَا فَإِنْ كَانَ عَلَى التَّعَاقُبِ لَزِمَتْهُ قِيمَةُ الْهَالِكِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ فَيُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ هَلَكَا مَعًا لَزِمَهُ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِتَعْيِينِهِ لِلْبَيْعِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَشَاعَ الْبَيْعُ فِيهِمَا، وَلَوْ تَعَيَّبَ أَحَدُهُمَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا جَمِيعًا، أَمَّا غَيْرُ الْمَعِيبِ؛ فَلِأَنَّهُ أَمَانَةٌ.

وَأَمَّا الْمَعِيبُ؛ فَلِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا وَاجِبُ الرَّدِّ فَيَرُدَّهُمَا وَيَرُدَّ مَعَهُمَا نِصْفَ نُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَيِّبَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَبِيعُ فَيَجِبُ نُقْصَانُ الْعَيْبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَمَانَةُ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى التَّعْيِينِ فَيَتَنَصَّفَ الْوَاجِبُ وَلَوْ تَعَيَّبَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
(خيار المتبايعين)

(خِيَار المُتَبَايِعَيْنِ)

أىْ بَابُ خِيَارِ المُتَبايِعَيْنِ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا.

٧٠٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم رحمه اللهُ: (وَالمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأبْدَانِهِمَا)

فى هذه المَسْألةِ ثلاثةُ فُصولٍ، أحَدُها، أنَّ البَيْعَ يَقَعُ جَائِزًا، ولِكُلٍّ مِنَ المُتَبَايِعَيْنِ الخِيَارُ فى فَسْخِ البَيْعِ، ما دَامَا مُجْتَمِعَيْنِ، لم يَتَفَرَّقَا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، يُرْوَى ذلك عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، وأبِى هُرَيْرَةَ، وأبى بَرْزَةَ ، وبه قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، وعَطَاءٌ، وطَاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ، وابنُ أبى ذِئْبٍ، والشافِعيُّ، وإسحَاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مَالِكٌ وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَلْزَمُ العَقْدُ بالإيجَابِ والقَبُولِ، ولا خِيارَ لهما؛ لأنَّه رُوِىَ عن عمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: البَيْعُ صَفْقَةٌ أو خِيَارٌ. ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَزِمَ بمُجَرَّدِه، كَالنِّكاحِ والخُلْعِ. ولنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: "إذا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وكَانَا جَمِيعًا، أوْ يُخَيِّرُ أحَدُهما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وإن تَفَرَّقَا بَعْدَ أنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" . مُتَّفَقٌ عليه . وقال

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 3 - 654

ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.4 / 29.5
الإضاءة 40%
البدر بعد 8 يوم
اللهم صل على محمد