الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > بالفسخ في زمن الخيار
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةمِنْ أيامِ الخيارِ فلَم يَأتِ بالثَّوبِ لزِم البَيعُ، فلا خَيرَ في هذا البَيعِ، وهذا ممَّا انفَرَدَ به مالِكٌ لَم يَتبَعْه عليه إلَّا بَعضُ أصحابِه (١).
وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ رحمة الله عليه: أجمَعَ كلُّ مَنْ يُحفَظُ عنه مِنْ أهلِ العِلمِ أنَّ مُدَّةَ الخيارِ إذا انقَضَتْ قبلَ أنْ يَفسخَ مَنْ له الخيارُ فقد تَمَّ البَيعُ، ولزِمهما ساعةَ انقِضاءِ المُدَّةِ.
وقالَ أيضًا: وأجمَعوا على أنَّ مَنْ باعَ وابتاعَ على أنَّه بالخيارِ ثَلاثًا فمَضَتْ قبلَ أنْ يَكونَ مِنه نَقضٌ أو إجازةٌ أنَّ البَيعَ يَعودُ كأنَّه لا خيارَ فيه، وإنْ كانَ البائِعُ هو الذي له الخيارُ فقد مَضى، وإنْ كانَ المُشتَري فقد لزِمه البَيعُ، إلَّا مالِكًا؛ فإنَّه قالَ: إنْ نَقَضَ البَيعَ بقُربِ مُضيِّ الثَّلاثةِ جازَ نَقضُه، مثلَ أنْ يَنقُضَ عَشيَّةً، فيَرُدَّه غُدوًّا اليَومَ الذي يَتلوه (٢).
٢ - بِالفَسخِ في زَمَنِ الخِيارِ:
اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ له الخيارُ إذا فُسخَ البَيعُ في زَمَنِ الخيارِ انفسخَ البَيعُ.
والفَسخُ إمَّا بالقَولِ وإمَّا بالفِعلِ.
فالقَولُ: كقَولِ مَنْ له الخيارُ: رَدَدتُه أو فَسَختُه، أو استَرجَعتُه، ونَحوَ ذلك.
وهل يُشترَطُ أنْ يَكونَ بمَحضَرٍ مِنْ الآخَرِ أو لا؟ فيه قَولانِ لِلعُلماءِ:
فذهَب أبو حَنيفةَ ومُحمَّدٌ إلى أنَّ مَنْ له الفَسخُ لا يَصحُّ مِنه إلَّا إذا
(١) «الاستذكار» (٦/ ٤٨٦)، و «التمهيد» (١٤/ ٣٠)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٢٦١).
(٢) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٤/ ١٧٢٥، ١٧٢٦)، رقم (٣٣٦٦، ٣٣٦٨).
كانَ بحَضرةِ صاحِبه؛ لأنَّ العَقدَ تَعلَّقَ به حَقُّ كلِّ واحِدٍ مِنْ المُتعاقدَيْنِ، فلَم يَملِكْ أحَدُهما فَسخَه بغيرِ حُضورِ صاحِبِه، كالوَديعةِ.
وذهَب جُمهورُ العُلماءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وأبو يُوسفَ إلى أنَّ مَنْ له الخيارُ يَجوزُ له الفَسخُ، ولو بغيرِ حَضرةِ صاحِبِه ورِضاه؛ لأنَّه أحَدُ طَرَفَيِ الخيارِ، فلا يَتوقَّفُ على حُضورِ المُتعاقدَيْنِ، كالإجازةِ، ولأنَّه رَفعُ عَقدٍ لا يَفتقِرُ إلى رِضا صاحِبِه؛ فوجَب ألَّا يَفتقِرُ إلى حُضورِه، كما لو طَلَّقَ زَوجَتَه.
وعن الإمامِ أحمدَ في رِوايةِ أبي طالِبٍ: إنَّما يُملَكُ الفَسخُ برَدِّ الثَّمنِ إنْ فَسخَ البائِعُ وجَزَمَ به شَيخُ الإسلامِ، كالشَّفيعِ، وقالَ: وكذا التملُّكاتُ القَهريةُ، كأخذِ الغِراسِ والبِناءِ مِنْ المُستَعيرِ والمُستَأجِرِ بعدَ انقِضاءِ مُدَّةِ الإجارةِ.
وكأخذِه الزَّرعَ مِنْ الغاصِبِ إذا أدرَكَه رَبُّ الأرضِ قبلَ حَصادِه، قالَ المَرداويُّ: وهذا هو الصَّوابُ الذي لا يُعدَلُ عنه خُصوصًا في زَمَنِنا هذا.
وقد كَثُرتِ الحِيَلُ ويُحتمَلُ أنْ يُحمَلَ كَلامُ مَنْ أطلَقَ على ذلك (١).
وأمَّا الفَسخُ بالفِعلِ فقالَ عنه الحَنفيَّةُ: بأنْ يَكونَ الثَّمنُ عَينًا فيَتصرَّفَ فيها المُشتَري تَصرُّفَ المُلَّاكِ فيَنفسِخَ العَقدُ، سَواءٌ كانَ البائِعُ حاضِرًا أو غائِبًا.
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ تَصرَّفَ أحَدُ المُتبايِعيْنِ في مُدَّةِ الخيارِ في المَبيعِ تَصرُّفًا يَنقُلُ المَبيعَ كالبَيعِ والهِبةِ والوَقفِ، أو يَشغَلُه كالإجارةِ والتَّزويجِ والرَّهنِ والكِتابةِ ونَحوِها لَم يَصحُّ تَصرُّفُه إلَّا العِتقَ، سَواءٌ وُجدَ
(١) «الإنصاف» (٤/ ٣٧٧، ٣٧٨).
مِنْ البائِعِ أو المُشتَري؛ لأنَّ البائِعَ تَصرَّفَ في غيرِ مِلكِه والمُشتَري يُسقِطُ حَقَ البائِعِ مِنْ الخيارِ واستِرجاعِ المَبيعِ؛ فلَم يَصحُّ تَصرُّفه فيه، كالتَّصرُّفِ في الرَّهنِ، إلَّا أنْ يَكونَ الخيارُ لِلمُشتَري وَحدَه فيَنفُذَ تَصرُّفُه ويَبطُلُ خِيارُه، لأنَّه لا حَقَّ لِغيرِه فيه، وثُبوتُ الخيارِ له لا يَمنَعُ تَصرُّفَه فيه، كالمَعيبِ.
قالَ أحمدُ: إذا اشتَرطَ الخيارَ فباعَه قبلَ ذلك برِبحٍ، فالرِّبحُ لِلمُبتاعِ؛ لأنَّه قد وجَب عليه حينَ عرَضه، يَعني بطَل خِيارُه ولزِمه، وهذا واللَّهُ أعلَمُ فيما إذا شرَط الخيارَ له وَحدَه، وكذلك إذا قُلنا: إنَّ البَيعَ لا يَنقُلُ المِلْكَ، وكانَ الخيارُ لَهما، أو البائِعِ وَحدَه، فتَصرَّفَ فيه البائِعُ، نَفَذَ تَصرُّفُه وصَحَّ؛ لأنَّه مِلكُه، ولَه إبطالُ خيارِ غيرِه، وقالَ ابنُ أبي موسى: في تَصرُّفِ المُشتَري في المَبيعِ قبلَ التَّفرُّقِ ببَيعٍ أو هِبةٍ رِوايَتانِ:
إحداهما: لا يَصحُّ؛ لأنَّ في صِحَّتِه إسقاطَ حَقِّ البائِعِ مِنْ الخيارِ.
والأُخرى: هو مَوقوفٌ، فإنْ تَفرَّقا قبلَ الفَسخِ صَحَّ، وإنِ اختارَ البائِعُ الفَسخَ بطَل بَيعُ المُشتَري، قالَ أحمدُ في رِوايةِ أبي طالِبٍ: إذا اشتَرَى بشَرطٍ فباعَه برِبحٍ قبلَ انقِضاءِ الشَّرطِ يَرُدُّه إلى صاحِبِه إنْ طَلَبَه؛ فإنْ لَم يَقدِرْ على رَدِّه فلِلبائِعِ قيمةُ الثَّوبِ؛ لأنَّه استَهلَكَ ثَوبَه، أو يُصالِحُه.
فقَولُه: يَرُدُّه إنْ طَلَبَه يَدلُّ على أنَّ وُجوبَ رَدِّه مَشروطٌ بطَلَبِه، وقد رَوى البُخاريُّ عن ابنِ عمرَ رضي الله عنه أنَّه كانَ مع رَسولِ اللَّهِ في سَفَرٍ، فكانَ على بَكرٍ لِعمرَ رضي الله عنه صَعبٍ، فكانَ يَتقدَّمُ النَّبيَّ ﷺ، فيَقولُ أبوه: يا عَبدَ اللَّهِ، لا يَتقدَّمُ النَّبيَّ ﷺ أحَدٌ. فقالَ له النَّبيُّ ﷺ: «بِعنيه».
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل البيع بشرط الخيار]
(فَصْلٌ) إنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ.
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ الْبَيْع بِشَرْطِ الْخِيَار
فَصْلٌ) (فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ)
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
خيار الشرط
فَأَمَّا) إذَا اشْتَرَى أَحَدَهُمَا شِرَاءً فَاسِدًا بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت مِنْك أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِكَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِيَارَ أَصْلًا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ وَاحِدًا مِنْهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِنْ قَبَضَهُمَا مَلَكَ أَحَدَهُمَا مِلْكًا فَاسِدًا، وَأَيُّهُمَا هَلَكَ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ هَلَكَا فَإِنْ كَانَ عَلَى التَّعَاقُبِ لَزِمَتْهُ قِيمَةُ الْهَالِكِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ فَيُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ هَلَكَا مَعًا لَزِمَهُ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِتَعْيِينِهِ لِلْبَيْعِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَشَاعَ الْبَيْعُ فِيهِمَا، وَلَوْ تَعَيَّبَ أَحَدُهُمَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا جَمِيعًا، أَمَّا غَيْرُ الْمَعِيبِ؛ فَلِأَنَّهُ أَمَانَةٌ.
وَأَمَّا الْمَعِيبُ؛ فَلِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا وَاجِبُ الرَّدِّ فَيَرُدَّهُمَا وَيَرُدَّ مَعَهُمَا نِصْفَ نُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَيِّبَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَبِيعُ فَيَجِبُ نُقْصَانُ الْعَيْبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَمَانَةُ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى التَّعْيِينِ فَيَتَنَصَّفَ الْوَاجِبُ وَلَوْ تَعَيَّبَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
(خيار المتبايعين)
(خِيَار المُتَبَايِعَيْنِ)
أىْ بَابُ خِيَارِ المُتَبايِعَيْنِ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا.
٧٠٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم رحمه اللهُ: (وَالمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأبْدَانِهِمَا)
فى هذه المَسْألةِ ثلاثةُ فُصولٍ، أحَدُها، أنَّ البَيْعَ يَقَعُ جَائِزًا، ولِكُلٍّ مِنَ المُتَبَايِعَيْنِ الخِيَارُ فى فَسْخِ البَيْعِ، ما دَامَا مُجْتَمِعَيْنِ، لم يَتَفَرَّقَا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، يُرْوَى ذلك عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، وأبِى هُرَيْرَةَ، وأبى بَرْزَةَ ، وبه قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، وعَطَاءٌ، وطَاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ، وابنُ أبى ذِئْبٍ، والشافِعيُّ، وإسحَاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مَالِكٌ وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَلْزَمُ العَقْدُ بالإيجَابِ والقَبُولِ، ولا خِيارَ لهما؛ لأنَّه رُوِىَ عن عمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: البَيْعُ صَفْقَةٌ أو خِيَارٌ. ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَزِمَ بمُجَرَّدِه، كَالنِّكاحِ والخُلْعِ. ولنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: "إذا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وكَانَا جَمِيعًا، أوْ يُخَيِّرُ أحَدُهما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وإن تَفَرَّقَا بَعْدَ أنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" . مُتَّفَقٌ عليه . وقال
ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.