الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > تلف السلعة في مدة الخيار
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةأحَدُهما: أنَّ مِلْكَ الكَسبِ لِمَنْ صارَ المِلْكُ في المَآلِ إليه.
والثَّاني: أنَّ المِلْكَ في الكَسبِ لِمَنْ كانَ المِلْكُ حالةَ حُصولِ الكَسبِ له في الأصلِ.
ولو حَدَثتْ ثَمَرةٌ، أو وَلَدٌ مَملوكٌ في زَمانِ الخِيارِ؛ فالقَولُ فيه كالقَولِ في الكَسبِ، حَرفًا حَرفًا.
فهذا بَيانُ الزَّوائدِ في زَمانِ الخِيارِ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: ما يَحصُلُ مِنْ غَلَّاتِ المَبيعِ ونَمائِه المُنفصلِ في مُدَّةِ الخيارِ فهو لِلمُشتَري، أمضَيا العَقدَ أو فَسخاه؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «الخَراجُ بالضَّمانِ»، وهذا مِنْ ضَمانِ المُشتَري، فيَجِبُ أنْ يَكونَ خَراجُه له، ولأنَّ المِلْكَ يَنتقِلُ بالبَيعِ، فيَجِبُ أنْ يَكونَ نَماؤُه له، كما بعدَ انقِضاءِ الخِيارِ.
قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَتخرَّجُ أنْ يَكونَ النَّماءُ المُنفصلُ لِلبائعِ إذا فَسخا العَقدَ بِناءً على الرِّوايةِ التي قُلْنا مِنْ أنَّ المِلْكَ لا يَنتقِلُ؛ فأمَّا النَّماءُ المُتَّصلُ فهو تابعٌ لِلمَبيعِ، أمضَيا العَقدَ، أو فَسخاه، كما يَتبَعُه في الرَّدِّ بالعَيبِ والمُقايَلةِ (٢).
تَلَفُ السِّلعةِ في مُدةِ الخِيارِ:
إذا تَلِفتِ السِّلعةُ في مُدةِ الخِيارِ، فإمَّا أنْ تَكونَ قبلَ القَبضِ، وإمَّا أنْ
(١) «نهاية المطلب» (٥/ ٤١، ٤٢)، و «روضة الطالبين» (٣/ ١٠٦)، و «حاشية قليوبي وعميرة على كنز الراغبين» (٢/ ٤٩١، ٤٩٢).
(٢) «المغني» (٤/ ١٠، ١١).
تَكونَ بعدَ القَبضِ، وإمَّا أنْ تَكونَ ممَّا لا يَغيبُ عليه، كالحَيوانِ، أو ممَّا يَغيبُ عليه، كالحُليِّ؛ فهل تَكونُ مِنْ ضَمانِ البائِعِ أو مِنْ ضَمانِ المُشتَري؟ على خِلافٍ وتَفصيلٍ عندَ الفُقهاءِ:
فَقالَ الحَنفيَّةُ: لو هَلكَ المَبيعُ في يَدِ البائِعِ انفسخَ البَيعُ ولا شَيءَ على المُشتَري؛ فإذا قبَضه المُشتَري وهلَك في يَدِه في مُدةِ الخيارِ -وكانَ الخيارُ لِلبائِعِ- ضمِنه بالقيمةِ، إذا لَم يَكُنْ مِثليًّا، أمَّا إذا كانَ مِثليًّا فعليه مِثلُه؛ لأنَّه لَم يَنفُذِ البَيعُ، ولا نَفاذَ لِلتَّصرُّفِ بدُونِ المِلْكِ؛ فصارَ كالمَقبوضِ على سَومِ الشِّراءِ، وفيه القيمةُ.
وإنْ كانَ الخيارُ لِلمُشتَري وهلَك في يَدِه هلَك بالثَّمنِ؛ لأنَّه عَجَزَ عن رَدِّه، فلزِمه ثَمَنُه، وكذلك إنْ دَخلَها عَيبٌ؛ لأنَّ العَيبَ يَمنعُ الرَّدَّ، والهَلاكُ لا يَخلو مِنْ مُقدِّمةِ عَيبٍ، فيَهلِكُ بعدَ انبرامِ العَقدِ، فيَلزَمُه الثَّمنُ.
والفَرقُ بينَ الثَّمنِ والقيمةِ أنَّ الثَّمنَ ما تَراضَى عليه المُتبايِعانِ، سَواءٌ زادَ على القيمةِ أو نقَص، والقيمةُ ما قُوِّمَ به الشيءُ بمَنزِلةِ المِعيارِ مِنْ غيرِ زيادةٍ ولا نُقصانٍ (١).
وقالَ المالِكيَّةُ في المَشهورِ بأنَّ المَبيعَ بالخِيارِ، سَواءٌ كانَ الخيارُ لِلبائِعِ أو لِلمُشتَري إذا قبَضه المُشتَري؛ فتلِف أو ادَّعَى ضَياعَه، وكانَ ممَّا لا يُغابُ
(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٥، ٤١)، و «الاختيار» (٢/ ١٧)، و «العناية» (٨/ ٤٥٢)، و «المحيط البرهاني» (٦/ ٥٨٦، ٥٨٧)، و «الهداية» (٣/ ٢٨)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ١٦)، و «البحر الرائق» (٦/ ١٣)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٣٧)، و «اللباب» (١/ ٣٦٢، ٣٦٣)، و «مجمع الضمانات» (١/ ٤٨٧).
عليه، كالحَيَوانِ، حلَف المُشتَري، وسَواءٌ أكانَ مُتَّهَمًا أم لا، ويَضمَنُه البائِعُ، إلَّا إذا ظهَر كَذِبُ المُشتَري، فيَكونُ مِنْ ضَمانِه، ولا تُقبَلُ دَعواه، والضَّمانُ عليه، مثلَ أنْ يَقولَ: ضاعَتْ أمْسِ. فتَقولَ البَيِّنةُ: رَأيناها أمسِ. أو يَقولَ: ضاعَتْ أوَّلَ أمسِ بمَحضَرِ فُلانٍ. فيَقولَ فُلانٌ: لَم يَكُنْ ذلك في عِلمي. أو يَشهَدَ عليه بأنَّه أكَلَه أو أتلَفَه أو باعَه، فإنَّه يَضمَنُ، ولا يُقبَلُ مِنه يَمينٌ.
وأمَّا إنْ كانَ ممَّا يُغابُ عليه، كالحُليِّ ونَحوِها، وادَّعَى المُشتَري هَلاكَه أو ضَياعَه يَكونُ مِنْ ضَمانِه، إلَّا إذا أقامَ بَيِّنةً على صِدقِ دَعواه، فيُصدَّقُ ويَكونُ الضَّمانُ على البائِعِ.
وإذا ضمِن المُشتَري فيما إذا قبَض المَبيعَ وهو ممَّا يُغابُ عليه، وقد انعقَد البَيعُ على أنَّ الخيارَ لِلبائِعِ، فإنَّ المُشتَريَ يَضمَنُ الأكثَرَ مِنْ الثَّمنِ أو القيمةِ؛ لأنَّ مِنْ حُجَّةِ البائِعِ أنْ يَقولَ: أمضَيتُ، إنْ كانَ الثَّمنُ أكثَرَ، وأنْ يَقولَ: رَدَدتُ إنْ كانَتِ القيمةُ أكثَرَ، وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ، إلَّا أنْ يَحلِفَ المُشتَري أنَّه لَم يُهلِكْه وإنَّما هلَك بغيرِ سَبَبِه، فلا يَضمَنُ سِوَى الثَّمنِ، كما لو كانَ الخيارُ له، وغابَ على المَبيعِ، وادَّعَى تَلَفَه ضمِن الثَّمنَ فَقط.
وقالَ أشهَبُ: يَضمَنُ الأكثَرَ مُطلَقًا، ولَم يُقبَلِ اليَمينُ منه.
وإن كانَ الخيارُ لَهما فيما يَغيبُ عليه فالظَّاهِرُ تَغليبُ جانِبِ البائِعِ؛ لأنَّ المِلْكَ له حينَئذٍ، فيَضمَنُ المُشتَري الأكثَرَ مِنْ الثَّمنِ والقيمةِ إنْ لَم يَحلِفْ ما فَرَّطَ، وإلَّا ضمِن الثَّمنَ فَقط (١).
(١) «المدونة الكبرى» (٤/ ١٩٥، ١٩٦)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٥٩١، ٥٩٣)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ١٦٨، ١٦٩)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ١٢٠، ١٢١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا تلِف المَبيعُ بآفةٍ سَماويَّةٍ في زَمَنِ الخيارِ فإنْ كانَ قبلَ القَبضِ انفسخَ البَيعُ، وإنْ كانَ بعدَه وقُلْنا: المِلْكُ لِلبائِعِ، انفسخَ أيضًا؛ فيُسترَدُّ الثَّمنُ ويُغرَّمُ المُشتَري لِلبائِعِ البَدَلَ، وهو المِثلُ أو القيمةُ.
وإنْ قُلْنا: المِلْكُ لِلمُشتَري، أو مَوقوفٌ، فوَجهانِ أو قَولانِ:
أحَدُهما: يَنفَسِخُ أيضًا؛ لِحُصولِ الهَلاكِ قبلَ استِقرارِ العَقدِ، وعلى المُشتَري القيمةُ يَومَ التَّلَفِ؛ لأنَّ المِلْكَ قبلَ ذلك لِلمُشتَري.
وأصَحُّهما: لا يَنفسِخُ؛ لِدُخولِه في ضَمانِ المُشتَري بالقَبضِ، ولا أثَرَ لِوِلايةِ الفَسخِ، كما في خيارِ العَيبِ، وفي انقِطاعِ الخيارِ وَجهانِ:
أحَدُهما: يَنقطِعُ كما يَنقطِعُ خيارُ الرَّدِّ بالعَيبِ بتَلَفِ المَبيعِ.
وأصَحُّهما: لا، كما لا يَمتنِعُ التَّحالُفُ بثَمَنِ المَبيعِ، ويُخالِفُ الرَّدَّ بالعَيبِ؛ لأنَّ الضَّرَرَ هُناكَ يَندفِعُ بالأرشِ.
فإنْ قُلنا بالأوَّلِ استَقَرَّ العَقدُ ولزِم الثَّمنُ، وإنْ قُلنا بالثَّاني فإن تَمَّ العَقدُ وجَب الثَّمنُ، وإلَّا وَجَبتِ القيمةُ على المُشتَري، ويُردُّ الثَّمنُ، وإنْ تَنازَعا في قَدْرِ القيمةِ فالقَولُ قَولُ المُشتَري بيَمينِه، وقَطَعتْ طائِفةٌ مِنْ الأصحابِ بعَدَمِ الِانفِساخِ.
قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وإنْ قُلنا: المِلْكُ لِلبائِعِ، وهو ظاهِرُ كَلامِ المُصنِّفِ، قالَ الإمامُ: وذَكَروا تَفريعًا أنَّه لو لَم يَنفسِخْ حتى انقَضى زَمَنُ الخيارِ فعلى البائِعِ رَدُّ الثَّمنِ، وعلى المُشتَري القيمةُ، قالَ الإمامُ: وهذا تَخليطٌ ظاهِرٌ.
وقالَ أيضًا: لو قبَض المُشتَري المَبيعَ في زَمَنِ الخِيارِ، وأتلَفَه مُتلِفٌ قبلَ انقِضائِه، إنْ قُلنا: المِلْكُ لِلبائِعِ انفسخَ البَيعُ، كالتَّلَفِ، وإنْ قُلنا: لِلمُشتَري،
أو مَوقوفٌ، نُظِرَ إنْ أتلَفَه أجنَبيٌّ بُنيَ على ما لو تلِف، وإنْ قُلنا: يَنفَسِخُ العَقدُ هُناكَ؛ فهو كإتلافِ الأجنَبيِّ المَبيعَ قبلَ القَبضِ، وسَيَأتي حُكمُه إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وإنْ قُلنا: لا يَنفسِخُ، وهو الأصَحُّ؛ فكذا هُنا، وعلى الأجنَبيِّ القيمةُ، والخِيارُ بحالِه؛ فإنْ تَمَّ البَيعُ؛ فهي لِلمُشتَري، وإلَّا فلِلبائِعِ، وإنْ أتلَفَ المُشتَري استَقَرَّ الثَّمنُ عليه.
فإنْ أتلَفَه في يَدِ البائِعِ، وجَعَلنا إتلافَه قَبضًا؛ فهو كما لو تلِف في يَدِه، وإنْ أتلَفَه البائِعُ في يَدِ المُشتَري؛ ففي «التَّتمةِ» أنَّه يَبني على أنَّ إتلافَه كإتلافِ الأجنَبيِّ، أو كالتَّلَفِ بآفةٍ سَماويَّةٍ، وفيه خِلافٌ مَشهورٌ؛ فقالَ القاضي حُسَينٌ: إنْ أتلَفَه البائِعُ في يَدِ نَفْسِه وقُلْنا: المِلْكُ له، انفسخَ العَقدُ له، وإنْ قُلنا لِلمُشتَري ففي انفِساخِه قَولانِ: إنْ قُلنا لا يَنفسِخُ، بطَل خيارُ البائِعِ، وفي خيارِ المُشتَري وَجهانِ، وإنْ قُلنا لا يَبطُلُ ففُسِخَ، فذاكَ؛ فإنْ أجازَ أخَذ مِنْ البائِعِ القيمةَ، ورجَع إليه بالثَّمنِ.
وقالَ أيضًا: إذا قبَض المَبيعَ في زَمَنِ الخِيارِ، ثم أودَعَه عندَ البائِعِ؛ فتلِف في يَدِه؛ فهو كما لو تلِف في يَدِ المُشتَري (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: إذا تَلِفتِ السِّلعةُ في مُدةِ الخيارِ فلا يَخلو إمَّا أنْ تَكونَ قبلَ قَبضِ المُشتَري أو بعدَه.
فإن هَلَكتْ في يَدِ البائِعِ قبلَ قَبضِ المُشتَري وكانَ مَكيلًا أو مَوزونًا
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ١٠٨، ١٠٩)، و «المجموع» (٩/ ٢٠٧، ٢٠٩)، و «نهاية المطلب» (٥/ ٥٨، ٦٠)، و «البيان» (٥/ ٤٨، ٤٩).
انفسخَ البَيعُ، وكانَ مِنْ مالِ البائِعِ، إلَّا أنْ يُتلِفَه المُشتَري، فيَكونَ مِنْ ضَمانِه، ويَبطُلَ خِيارُه، وفي خيارِ البائِعِ رِوايَتانِ.
وإنْ كانَ المَبيعُ غيرَ المَكيلِ والمَوزونِ ولَم يَمنَعِ البائِعُ المُشتَريَ مِنْ قَبضِه؛ فظاهِرُ المَذهبِ أنَّه مِنْ ضَمانِ المُشتَري، ويَكونُ كتَلَفِه بعدَ القَبضِ.
وأمَّا إنْ تلِف المَبيعُ بعدَ القَبضِ في مُدَّةِ الخِيارِ؛ فهو مِنْ ضَمانِ المُشتَري، ويَبطِلُ خِيارُه، وفي خيارِ البائعِ رِوايَتانِ:
إحداهُما: يَبطُلُ، وهو اختيارُ الخِرَقيِّ وأبي بَكرٍ؛ لأنَّه خيارُ فَسخٍ؛ فبطَل بتَلَفِ المَبيعِ كخيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ إذا تلِف المَعيبُ.
والرِّوايةُ الثانيةُ: لا يَبطُلُ، ولِلبائعِ أنْ يَفسخَ ويُطالِبَ المُشتَريَ بقيمَتِه، وهذا اختيارُ القاضي وابنِ عَقيلٍ؛ لقولِ النَّبيِّ ﷺ: «البَيِّعانِ بالخيارِ ما لَم يَتفَرَّقا».
ولأنَّه خيارُ فَسخٍ لَم يَبطُلْ بتَلَفِ المَبيعِ، كما لو اشتَرَى ثَوبًا بثَوبٍ فتلِف أحَدُهما ووجدَ الآخَرُ بالثَّوبِ عَيبًا؛ فإنَّه يَرُدُّه ويَرجِعُ بقيمةِ ثَوبِه، كذا هَهُنا … وخِيارُ المَجلِسِ وخِيارُ الشَّرطِ في هذا كُلِّه سَواءٌ.
وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وضَمانُ المَبيعِ على المُشتَري إذا قبَضه، ولَم يَكُنْ مَكيلًا أو مَوزونًا؛ فإنْ تلِف أو نقَص أو حَدَث به عَيبٌ في مُدَّةِ الخِيارِ فهو مِنْ ضَمانِه؛ لأنَّه مِلكُه، وغَلَّتُه له، فكانَ مِنْ ضَمانِه، كما كانَ بعدَ انقِضاءِ الخِيارِ، ومُؤنَتُه عليه (١).
(١) «المغني مع الشرح الكبير» (٤/ ١١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٨)، و «منار السبيل» (١/ ٣٦٨).
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل البيع بشرط الخيار]
(فَصْلٌ) إنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ.
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ الْبَيْع بِشَرْطِ الْخِيَار
فَصْلٌ) (فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ)
ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.