الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > حكم خيار المجلس
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 32 دقيقة قراءةيَكونُ بَيعَ خِيارٍ» (١) وفي لَفظِ مُسلِمٍ: «البَيِّعانِ كلُّ واحِدٍ منهما بالخِيارِ على صاحِبِه ما لَم يَتفرَّقا، إلَّا بَيعَ الخِيارِ» (٢)، جعَل ﷺ التَّفرُّقَ غايةً لِلخَيرِ، وما بعدَ الغايةِ يَجِبُ أنْ يَكونَ مُخالِفًا لِمَا قبلَها، إلَّا أنْ يَجِدَ بالسِّلعةِ عَيبًا فيَرُدَّها به، أو يَكونَ قد شرَط الخِيارَ لِنَفْسِه مُدَّةً مَعلومةً، فيَملِكَ الرَّدَّ أيضًا، قالَ ابنُ قُدامةَ: ولا خِلافَ بينَ أهلِ العِلمِ في ثُبوتِ الرَّدِّ بهَذيْنِ الأمرَيْنِ (٣).
وقالَ ابنُ القَطَّانِ الفاسيُّ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّ البَيعَ إذا وقَع وتَفرَّقا عن مَوضِعِ التَّبايُعِ ببَدَنَيْهما افتِراقًا غابَ فيه كلُّ واحِدٍ مِنهما عن صاحِبِه مَغيبَ تَركٍ لِذلك المَوضِعِ، وقد سلَّم البائِعُ ما باعَ إلى المُشتَرِي سالِمًا، لا عَيبَ فيه، دلَّس فيه أو لَم يُدَلِّسْ، وسلَّم المُشتَرِي الثَّمنَ إلى البائِعِ سالِمًا بلا عَيبٍ فإنَّ البَيعَ تَمَّ (٤).
حُكمُ خِيارِ المَجلِسِ:
اختلَف العُلماءُ في حُكمِ خِيارِ المَجلِسِ، هل يثبُتُ إلى انتِهاءِ المَجلِسِ وافتِراقِ المُتعاقدَيْنِ ببَدَنَيْهما، أو يَنقَضي بانتِهاءِ العَقدِ بإتمامِ الإيجابِ والقَبولِ؟ اختَلَفوا في ذلك على قَولَيْنِ:
فذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ إلى أنَّ البَيعَ يَتمُّ بالعَقدِ، فما دامَ البائِعُ
(١) رواه البخاري (٢٠٠٣).
(٢) رواه مسلم (١٥٣١).
(٣) «المغني» (٤/ ١٤).
(٤) «الإقناع في مسائل الإجماع» (٤/ ١٧٢٢) رقم (٣٣٦٠).
والمُشتَرِي لَم يُتِمَّا العَقدَ مِنْ الإيجابِ والقَبولِ، يَجوزُ لِأحَدِهما أنْ يَرجِعَ في البَيعِ؛ فإنْ تَمَّ العَقدُ فلا خِيارَ لِأحَدِهما، وإنْ كانا في المَجلِسِ فإنْ حصَل الإيجابُ والقَبولُ في البَيعِ الصَّحيحِ لزِم البَيعُ، وإنْ لَم يَتِمَّ القَبضُ ويَثبُتَ المِلْكُ لِكُلٍّ منهما، ولا خِيارَ بالفَسخِ لِواحِدٍ مِنْ المُتعاقدَيْنِ بعدَ القَبولِ في المَجلِسِ؛ لأنَّ في الفَسخِ إبطالَ حَقِّ الآخَرِ؛ فلا يَجوزُ، والتَّفرُّقُ المَقصودُ في قَولِ النَّبيِّ ﷺ: «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفرَّقا» (١) تَفرُّقُ الأقوالِ، لا تَفرُّقُ الأبدانِ؛ لقولِه ﷺ: «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه» (٢). ووَجْهُ الدِّلالةِ أنَّه عبَّر عن المَنعِ مِنْ البَيعِ باستِيفاءِ المَبيعِ؛ فإذا استَوفَى جازَ البَيعُ، سَواءٌ استَوفَى في المَجلِسِ أو بعدَه.
والبَيعُ لا يَجوزُ إلَّا بعدَ ثُبوتِ المِلْكِ، ولأنَّ البَيعَ عَقدُ مُعاوَضةٍ، فيَلزَمُ بالإيجابِ والقَبولِ، كالنِّكاحِ.
ولقولِه ﷺ في بَعضِ الطُّرُقِ في أبي داوُدَ والدارَقُطنيِّ: «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفرَّقا، إلَّا أنْ تَكونَ صَفقةَ خِيارٍ، ولا يَحِلُّ له أنْ يُفارِقَ صاحِبَه خَشيةَ أنْ يَستَقيلَه» (٣)، فلو كانَ خِيارُ المَجلِسِ مَشروعًا لَم يَحتَجْ لِلإقالةِ، فإنَّ مَنْ تَوجَّهتْ نَفْسُه يَختارُ الفَسخَ، ولمَّا صرَّح بما يَقتَضي احتياجُه لِلآخَرِ، وهو الإقالةُ، دَلَّ على بُطلانِ خِيارِ المَجلِسِ بعدَ العَقدِ، وإنَّما هو
(١) رواه البخاري (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٣٢).
(٢) رواه البخاري (٢١٢٦)، ومسلم (١٥٢٦).
(٣) حَسَنٌ: رواه أبو داود (٣٤٥٦)، والترمذي (١٢٤٧)، والنسائي (٤٤٨٣)، وأحمد (٦٧٢١).
ثابِتٌ قبلَ العَقدِ، وإنَّ المُتَبايِعَيْنِ هما المُتَشاغِلانِ بالبَيعِ، كما تَقدَّمَ.
ولأنَّه لو صَحَّ خِيارُ المَجلِسِ، لِتعذُّرِ تَوَلِّي واحِدٍ طَرَفَيِ العَقدِ، كشِراءِ الأبِ لِابنِه الصَّغيرِ والوَصيِّ والحاكِمِ؛ لأنَّ ذلك مُجمَعٌ عليه، فيَلزَمُ تَركُ العَمَلِ بالدَّليلِ.
ولأنَّه عَقدٌ وقَع الرِّضا به، فيَبطُلُ خِيارُ المَجلِسِ فيه، كما بعدَ الإمضاءِ.
ولأنَّ هذا عَمَلُ أهلِ المَدينةِ، وهو مُقدَّمٌ على خَبَرِ الواحِدِ.
ولا يثبُتُ الخِيارُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهما إلَّا إذا كانَ مِنْ عَيبٍ، أو عَدَمِ رُؤيةٍ، أو خِيارِ الشَّرطِ.
وقالَ أبو عمرَ بنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: قد أكثَرَ المُتأخِّرونَ مِنْ المالِكيِّينَ والحَنَفيِّينَ مِنْ الِاحتِجاجِ لِمَذهبِهما في رَدِّ هذا الحَديثِ -أي: «المُتبايِعانِ بالخِيار ما لَم يَتفرَّقا» - بما يَطولُ ذِكرُه، وأكثَرُه تَشغيبٌ لا يُحصَلُ مِنه على شَيءٍ لازِمٍ لا مَدفَعَ له، ومِن جُملةِ ذلك أنَّهم نَزَعوا بالظَّواهِرِ، وليسَ ذلك مِنْ أصلِ مَذهبِهم، فاحتَجُّوا بعُمومِ قَولِ اللَّهِ ﷾: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، قالوا: وهذانِ قد تَعاقَدا، وفي هذا الحَديثِ إبطالُ الوَفاءِ بالعَقدِ، وبعُمومِ قَولِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ: «مَنِ ابتاعَ طَعامًا فلا يَبِعْه حتى يَستَوفيَه» (١)، قالوا: فقد أطلَقَ بَيعَه، إذا استَوفاه قبلَ التَّفرُّقِ وبعدَه، وبأحاديثَ كَثيرةٍ مِثلِ هذا، فيها إطلاقُ البَيعِ دونَ ذِكرِ التَّفرُّقِ، وهذه ظَواهِرُ، وعُمومٌ، لا يُعتَرَضُ بمِثلِها على الخُصوصِ والنُّصوصِ، وباللَّهِ ﷾ التَّوفيقُ.
(١) رواه البخاري (٢١٢٦)، ومسلم (١٥٢٦).
واحتَجُّوا أيضًا باللُّقَطةِ، رَواه عَمرُو بنُ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا، ولا يَحِلُّ له أنْ يُفارِقَ صاحِبَه خَشيةَ أنْ يَستَقيلَه» (١).
قالوا: فهذا يَدلُّ على أنَّه قد تَمَّ البَيعُ بينَهما قبلَ الِافتِراقِ؛ لأنَّ الإقالةَ لا تَصحُّ إلَّا فيما قد تَمَّ مِنْ البُيوعِ.
وقالوا: قد يَكونُ التَّفرُّقُ بالكَلامِ كعَقدِ النِّكاحِ وشِبهِه، وكوُقوعِ الطَّلاقِ الذي قد سَمَّاه اللَّهُ ﷾ فِراقًا، والتَّفرُّقُ والكَلامُ في لِسانِ العَرَبِ مَعروفٌ أيضًا، كما هو بالأبدانِ، وتَعَلَّلوا بقَولِ اللَّهِ ﷾: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ [النساء: ١٣٠] وقَولِه ﷾: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥]، ويَقولُ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «تَفتَرِقُ أُمَّتي … »، لَم يَرِدْ بأبدانِهم.
قالوا: ولمَّا كانَ الِاجتِماعُ بالأبدانِ لا يُؤثِّرُ في البَيعِ، كذلك الِافتِراقُ لا يُؤثِّرُ في البَيعِ.
وقالوا: إنَّما أرادَ بقَولِه: «المُتبايِعانِ بالخِيارِ»، المُتساوِمَيْنِ، قالَ: ولا يُقالُ لَهما: (مُتبايِعانِ) إلَّا ما داما في حالِ فِعلِ التَّبايُعِ، فإذا وجَب البَيعُ لَم يُسَمَّيا مُتبايِعَيْنِ، وإنَّما يُقالُ: كانا مُتبايِعَيْنِ مثلَ ذلك المُصَلِّي والآكِلِ والشارِبِ والصائِمِ، فإذا انقَضى فِعلُه ذلك قيلَ: كانَ صائِمًا، وكانَ آكِلًا ومُصلِّيًا وشارِبًا، ولَم يُقَلْ: إنَّه صائِمٌ أو مُصَلٍّ أو آكِلٌ أو شارِبٌ إلَّا مَجازًا،
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٣٤٥٦)، والترمذي (١٢٤٧)، والنسائي (٤٤٨٣)، وأحمد (٦٧٢١).
أو تَقريبًا واتِّساعًا، وهذا لا وَجْهَ له في الأحكامِ، قالوا: فهذا يَدلُّ على أنَّه أرادَ بقَولِه: «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا، والمُتَبايِعانِ بالخِيار ما لَم يَتفَرَّقا»، المُتساوِمَيْنِ، وعن أبي يُوسفَ القاضي نَصًّا أنَّه قالَ: هما المُتساوِمانِ، قالَ: فإذا قالَ: بِعتُكَ بعَشَرةٍ فلِلمُشتَرِي الخِيارُ في القَبولِ في المَجلِسِ قبلَ الِافتِراقِ، ولِلبائِعِ خِيارُ الرُّجوعِ في قَولِه قبلَ قَبولِ المُشتَرِي ورُويَ عن عيسى بنِ أبانَ نَحوُه أيضًا.
وقالَ مُحمَّدُ بنُ الحَسَنِ: مَعنَى قَولِه في الحَديثِ: «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا» أنَّ البائِعَ إذا قالَ: قد بِعتُكَ فله أنْ يَرجِعَ ما لَم يَقُلِ المُشتَرِي: قد قَبِلتُ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ، وقد رُويَ عن أبي حَنيفةَ أنَّه كانَ يَرُدُّ هذا الخَبَرَ باعتِبارِه إيَّاه على أُصولِه كسائِرِ فِعلِه في أخبارِ الآحادِ، فكانَ يَعرِضُها على الأُصولِ المُجتَمَعِ عليها عندَه، ويَجتهِدُ في قَبولِها أو رَدِّها؛ فهذا أصْلُه في أخبارِ الآحادِ، ورُويَ عنه أنَّه كانَ يَقولُ في رَدِّ هذا الحَديثِ: أرَأيتَ إنْ كانا في سَفينةٍ؟ أرَأيتَ إنْ كانا في سِجنٍ، أو قَيدٍ؟ كيفَ يَفتَرِقانِ؟ إذَنْ لا يَصحُّ بينَ هَؤُلاءِ بَيعٌ أبَدًا، وهذا ممَّا عِيبَ به أبو حَنيفةَ، وهو أكبَرُ عُيوبِه وأشَدُّ ذُنوبِه عندَ أهلِ الحَديثِ النَّاقِلينَ لِمَثالِبِه باعتِراضِه الآثارَ الصَّحيحةَ، ورَدِّه إيَّاها برَأْيِه … وقالَ مالِكٌ: لا خِيارَ لِلمُتبايِعَيْنِ إذا عُقِدَ البَيعُ بكَلامٍ، وإنْ لَم يَفتَرِقا، وذكَر ابن خُوَيْزِمَنْدَادَ عن مالِكٍ في مَعنَى أنَّ البائِعَيْنِ بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا، نصَّ ما ذَكَرْناه عن مُحمَّدِ بنِ الحَسَنِ وأبي حَنيفةَ (١) …
(١) «التمهيد» (١٤/ ١١، ١٤)، ويُنظر: و «الاستذكار» (٦/ ٤٧٦، ٤٧٩)، و «الموطأ» (٣/ ١٩٤)، و «المدونة الكبرى» (١٠/ ١٨٨)، و «الفروق» (٣/ ٤٤٥، ٤٥٢)، و «شرح =
وذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ والظاهِريَّةُ إلى أنَّه إذا انعقَد البَيعُ ثبَت لِكُلِّ واحِدٍ مِنْ المُتبايِعَيْنِ الخِيارُ بينَ الفَسخِ والإمضاءِ، وإنْ لَم يَشتَرِطْه في البَيعِ إلى أنْ يَتفرَّقا مِنْ غيرِ إكراهٍ أو بالتَّخايُرِ مِنْ العاقِدَيْنِ بأنْ يَختارا لُزومَ العَقدِ بلَفظِ: تَخايَرْنا، أو اختَرْنا، أو غيرِه، كقَولِهما: أمضَيْنا العَقدَ، أو ألزَمْناه، أو أبطَلْنا الخِيارَ، أو أفسَدناه؛ لأنَّه حَقُّهما، فيَسقُطُ بإسقاطِهما، كخِيارِ الشَّرطِ، ولو اختارَ أحَدُهما لُزومَه سقَط حَقُّه مِنْ الخِيارِ، وبَقيَ الحَقُّ فيه لِلآخَرِ، كخِيارِ الشَّرطِ، كما هو مَذهبُ الحَنابِلةِ والصَّحيحُ عندَ الشافِعيَّةِ (١)؛ لِحَديثِ ابنِ عمرَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا تَبايَعَ الرَّجُلانِ فكلُّ واحِدٍ مِنهما بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا، وكانا جَميعًا، أو يُخيِّرُ أحَدُهما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخَرَ فتَبايَعا على ذَلكِ فقد وجَب البَيعُ، وإنْ تَفرَّقا بعدَ أنْ تَبايَعا ولَم يَترُكْ واحِدٌ مِنهما البَيعَ فقد وجَب البَيعُ» (٢).
وعن ابنِ عمرَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا، أو يَقولُ أحَدُهما لِصاحِبِه: اختَرْ، -ورُبَّما قالَ: - أو
= ابن بطال» (٦/ ٢٣٩)، و «حاشية الصاوي» (٦/ ٤٠٣)، و «شرح معاني الآثار» (٤/ ١٢، ١٩)، و «المبسوط» (١٣/ ١٥٦)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٣)، و «العناية» (٨/ ٣٧٧)، و «الاختيار» (٢/ ٥)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٨٤، ٢٨٥)، و «خلاصة الدلائل» (٢/ ٢٧)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤١)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٨)، و «اللباب» (١/ ٣٤٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٥٢٨).
(١) وفي قَولٍ عندَ الشافعِيَّةِ: لا يَبقى لِلآخرِ خِيارٌ لأنَّ خِيارَ المَجلسِ لا يتَبعَّضُ في الثُّبوتِ فلا يتَبعَّضُ في السُّقوطِ. «مغني المحتاج» (٢/ ٤٨٨).
(٢) رواه البخاري (٢٠٠٦)، ومسلم (١٥٣١).
يَكونُ بَيعَ خِيارٍ» (١). وفي لَفظِ مُسلِمٍ: «البَيِّعانِ كلُّ واحِدٍ منهما بالخِيارِ على صاحِبِه ما لَم يَتفَرَّقا، إلَّا بَيعَ الخِيارِ» (٢).
وعن ابنِ عمرَ رضي الله عنه عن رَسولِ اللَّهِ ﷺ قالَ: «كُلُّ بَيِّعَيْنِ لا بَيعَ بينَهما حتى يَتفَرَّقا، أو يَكونُ خِيارًا» (٣).
وعن ابنِ جُرَيجٍ قالَ: أملَى عَلَيَّ نافِعٌ في ألواحي قالَ: سَمِعتُ عَبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ رضي الله عنه يَقولُ: قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «إذا تَبايَعَ المُتبايِعانِ البَيعَ فكلُّ واحِدٍ مِنهما بالخِيارِ مِنْ بَيعِه ما لَم يَتفَرَّقا، أو يَكُنْ بَيعُهما عن خِيارٍ».
قالَ نافِعٌ: فكانَ ابنُ عمرَ رضي الله عنه إذا ابتاعَ البَيعَ فأرادَ أنْ يَجِبَ له، مَشَى قَليلًا ثم رجَع (٤).
وعن أبي الوَضيءِ قالَ: غَزَوْنا غَزوةً لَنا، فنَزَلْنا مَنزِلًا، فباعَ صاحِبٌ لَنا فَرَسًا بغُلامٍ، ثم أقاما بَقيَّةَ يَومِهما ولَيلَتِهما فلمَّا أصبَحا مِنْ الغَدِ حضَر الرَّحيلُ فقامَ إلى فَرَسِه يُسرِجُه، فنَدِمَ فأتى الرَّجُلُ وأخَذه بالبَيعِ فأبى الرَّجُلُ أنْ يَدفَعَه إليه، فقالَ: بَيني وبينَكَ أبو بَرزةَ رضي الله عنه صاحِبُ النَّبيِّ ﷺ فأتَيا أبا بَرزةَ رضي الله عنه في ناحيةِ العَسكَرِ، فقالا له هذه القِصَّةَ، فقالَ رضي الله عنه: أتَرضَيانِ أنْ أقضيَ بينَكما بقَضاءِ رَسولِ اللَّهِ ﷺ؟
(١) رواه البخاري (٢٠٠٣).
(٢) رواه مسلم (١٥٣١).
(٣) رواه البخاري (٢١١٣)
(٤) رواه مسلم (١٥٣١).
قالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «البَيِّعانِ بالخِيارِ ما لَم يَتفَرَّقا»، ما أُراكُما افتَرَقتُما (١).
ومِن طَريقِ البُخاريِّ عن سالِمِ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ عن أبيه رضي الله عنه قالَ: بِعتُ مِنْ أميرِ المُؤمِنينَ عُثمانَ مالًا بالوادي بمالٍ له بخَيبَرَ؛ فلمَّا تَبايَعْنا رَجَعتُ على عَقِبَيَّ حتى خَرَجتُ مِنْ بَيتِه؛ خَشيةَ أنْ يُرادَّني البَيعَ، وكانَتِ السُّنةُ أنَّ المُتَبايِعَيْنِ بالخِيارِ حتى يَتفَرَّقا (٢).
وعن سالِمِ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ قالَ: قالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ رضي الله عنه: كُنَّا إذا تَبايَعْنا كانَ كلُّ واحِدٍ مِنَّا بالخِيارِ ما لَم يَتفرَّقِ المُتبايِعانِ، فتَبايَعتُ أنا وعُثمانُ بنُ عَفَّانَ، فبِعتُه مالًا لي بالوادي بمالٍ له بخَيبَرَ؛ فلمَّا بايَعتُه طَفِقتُ أنكُصُ على عَقِبَيَّ القَهقَرَى؛ خَشيةَ أنْ يُرادَّني عُثمانُ البَيعَ قبلَ أنْ أُفارِقَه (٣).
وهذه الأحاديثُ صَريحةٌ في هذا أنَّ لِكُلٍّ مِنْ المُتعاقدَيْنِ الفَسخَ ما داما في المَجلِسِ، ولأنَّه عَقْدٌ قُصِدَ به تَمليكُ المالِ، فلا يَلزَمُ بمُجرَّدِ العَقدِ، كالهِبةِ.
ومَعنَى قَولِه ﷺ: «إلا بَيعَ الخِيارِ» (٤)، المُرادُ التَّخييرُ بعدَ تَمامِ
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٣٤٥٧).
(٢) رواه البخاري (٢١١٦).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الدارقطني (٢٨٤٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٤/ ٣٦٤)
(٤) قال الإمامُ النَّوويُّ في «شرح مسلم» (١٠١٧٤): قولُه ﷺ: «الا بيع الخيار» فَفيه ثَلاثةُ أقوالٍ: ذكرَها أصحابُنا وغيرُهم مِنْ العُلماءِ وأصحُّها أنَّ المُرادَ التَّخييُّرُ بعدَ =
العَقدِ قبلَ مُفارَقةِ المَجلِسِ، وتَقديرُه: يثبُتُ لَهما الخِيارُ ما لَم يَتفَرَّقا، إلَّا أنْ يَتَخايَرا في المَجلِسِ، ويَختارا إمضاءَ البَيعِ، فيَلزَمَ البَيعُ بالتَّخايُرِ نَفْسِه، ولا يَدومُ إلى المُفارَقةِ (١).
= تمامِ العقدِ قبلَ مُفارقَةِ المَجلسِ وتَقديرُه يُثبِت لهما الخِيارَ ما لم يتفرَّقا إلا أن يَتخايرَا في المَجلسِ ويَختارَا إمضاءَ البيعِ فيلزَمُ البيعُ بنفسِ التَّخايرِ ولا يَدومُ إلى المُفارقةِ. والقولُ الثَّاني: أنَّ مَعناهُ إلا بيعًا شُرط فيه خِيارُ الشَّرطِ ثَلاثةَ أيامٍ أو دونَها، فلا ينقَضي الخِيارُ فيه بالمُفارقةِ بَلْ يبقَى حتى تنقَضيَ المُدةُّ المَشروطةُ. والثَّالثُ: مَعناهُ إلا بيعًا شُرط فيه أن لا خِيارَ لهما في المَجلسِ فيلزَمُ البيعُ بنَفسِ البَيعِ ولا يَكونُ فيه خِيارٌ وهذا تأويلُ من يُصحِّحُ البَيعَ على هذا الوجهِ والأصحُّ عندَ أصحابِنا بُطلانُه بهذا الشَّرطِ، فهذا تَنقيحُ الخِلافِ في تَفسيرِ هذا الحَديثِ، واتَّفقَ أصحابُنا على تَرجيحِ القولِ الأوَّلِ وهو المَنصوصُ للشافعِيِّ ونقلُوه عنه وأبطلَ كثيرٌ منهُم ما سِواه وغلَّطوا قائلَه، وممَّن رجحَّه مِنْ المُحدِّثينَ البيهقيُّ ثم بسَط دَلائلَه وبيَّن ضعفَ ما يُعارضُها ثم قال: وذهَب كَثيرٌ مِنْ العُلماءِ إلى تضعِيفِ الأثرِ المَنقولِ عن عمرَ رضي الله عنه: «البيعُ صَفقةٌ أو خِيارٌ» وأنَّ البَيعَ لا يَجوزُ فيه شَرطٌ قطَع الخِيارَ وأنَّ المُرادَ ببيعِ الخِيارِ التَّخييرُ بعدَ البَيعِ أو بَيعٌ شُرط فيه الخِيارُ ثَلاثةَ أيامٍ ثم قال: والصَّحيحُ أن المُرادَ التَّخييرُ بعدَ البَيعِ لأنَّ نافعًا ربَّما عبَّر عنه ببيعِ الخِيارِ، وربَّما فسَّره به، وممَّن قال بتَصحيحِ هذا: أبو عِيسى التِّرمذِيُّ ونقَل ابنُ المُنذرِ في الإشرافِ هذا التَّفسيرَ عنِ الثَّوريِّ والأوزاعيِّ وابنِ عُيينةَ وعبدِ اللهِ بنِ الحَسنِ العنبرِيِّ والشافِعيِّ وإسحاقَ بنِ راهَويهِ واللهُ أعلمُ.
(١) يُنظر: «الأم» (٣/ ٨/ ١٠)، و «الحاوي الكبير» (٥/ ٢٨، ٣٧)، و «العباب» (٥٣٧، ٥٣٨)، و «نهاية المطلب» (٥/ ١٦، ٢٦)، و «الوسيط» (٣/ ٤٩٠، ٥٠٠)، و «المهذب» (١/ ٢٥٧)، و «طرح التثريب» (٦/ ١٢٨)، و «المجموع» (٩/ ١٦٤، ١٧٥)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٩٣، ١٠٠)، و «البيان في مذهب الإمام الشافعي» (٥/ ١٦، ١٨)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤٦٨، ٤٨٩)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٣، ١٣)، و «الديباج» (٢/ ٥٨، ٦١)، و «حاشية عميرة على كنز الراغبين» (٢/ ٤٧٧، ٤٨١)، و «النجم =
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل البيع بشرط الخيار]
(فَصْلٌ) إنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ.
ــ
منح الجليل
فَصْلٌ الْبَيْع بِشَرْطِ الْخِيَار
فَصْلٌ) (فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ)
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
(خيار المتبايعين)
(خِيَار المُتَبَايِعَيْنِ)
أىْ بَابُ خِيَارِ المُتَبايِعَيْنِ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا.
٧٠٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم رحمه اللهُ: (وَالمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأبْدَانِهِمَا)
فى هذه المَسْألةِ ثلاثةُ فُصولٍ، أحَدُها، أنَّ البَيْعَ يَقَعُ جَائِزًا، ولِكُلٍّ مِنَ المُتَبَايِعَيْنِ الخِيَارُ فى فَسْخِ البَيْعِ، ما دَامَا مُجْتَمِعَيْنِ، لم يَتَفَرَّقَا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، يُرْوَى ذلك عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، وأبِى هُرَيْرَةَ، وأبى بَرْزَةَ ، وبه قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، وعَطَاءٌ، وطَاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ، وابنُ أبى ذِئْبٍ، والشافِعيُّ، وإسحَاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مَالِكٌ وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَلْزَمُ العَقْدُ بالإيجَابِ والقَبُولِ، ولا خِيارَ لهما؛ لأنَّه رُوِىَ عن عمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: البَيْعُ صَفْقَةٌ أو خِيَارٌ. ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَزِمَ بمُجَرَّدِه، كَالنِّكاحِ والخُلْعِ. ولنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: "إذا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وكَانَا جَمِيعًا، أوْ يُخَيِّرُ أحَدُهما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وإن تَفَرَّقَا بَعْدَ أنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" . مُتَّفَقٌ عليه . وقال
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب خيار المتبايعين ما لم يتفرقا
باب خيار المتبايعين ما لم يتفرقا
مَسْأَلَةٌ:
قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " الْمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إِلَّا بَيْعَ الْخِيَارِ ". (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوجِبَ الْبَيْعَ مَشَى قَلِيلًا ثُمَّ رَجَعَ وَفِي حَدِيثِ أَبِي الْوَضِيءِ قَالَ كُنَّا فِي غَزَاةٍ فَبَاعَ صَاحِبٌ لَنَا فَرَسًا مِنْ رَجُلٍ فَلَمَّا أَرَدْنَا الرَّحِيلَ خَاصَمَهُ فِيهِ إِلَى أَبِي بَرْزَةَ فَقَالَ أَبُو بَرْزَةَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: " الْبَيِّعَانِ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا " (قَالَ) وفي الحديث ما لَمْ يَحْضُرْ يَحْيَى بْنَ حَسَّانَ حِفْظُهُ وَقَدْ سَمِعْتُهُ مِنْ غَيْرِهِ أَنَّهُمَا بَاتَا لَيْلَةً ثُمَّ غدوا عليه فقال لا أراكما تفرقتما وجعل لهما الخيار إذ بقيا في مكان واحد بعد البيع وقال عطاء يخيّر بعد وجوب البيع وقال شريح شاهدا عدل أنكما تفرقتما بعد رضا ببيع أو خيّر أحدكما صاحبه بعد البيع (قال الشافعي) وبهذا نأخذ وهو قول الأكثر من أهل الحجاز والأكثر من أهل الآثار بالبلدان (قال) وهما قبل التساوم غير متساومين ثم يكونان متساومين ثم يكونان متبايعين فلو تساوما فقال رجل امرأتي طالق إن كنتما تبايعتما كان صادقا وإنما جعل لهما النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - الخيار بعد التبايع ما لم يفترقا فلا تفرق بعدما صارا متبايعين إلا تفرق الأبدان " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْعُقُودَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.