حكم ما لو اشترى شيئين فوجد بأحدهما عيبا

الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > حكم ما لو اشترى شيئين فوجد بأحدهما عيبا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

حكم ما لو اشترى شيئين فوجد بأحدهما عيبا - الأقوال والأدلة

أمَّا الحَنفيَّةُ ففَرَّقوا فقالوا: إنْ كانَ الِاطِّلاعُ على العَيبِ قبلَ القَبضِ فلِلمُشتَري أنْ يَرُدَّه عليه ويَنفسِخَ العَقدُ بقَولِه: رَدَدتُ، ولا يَحتاجُ إلى رِضا البائِعِ ولا إلى قَضاءِ القاضي.

وإنْ كانَ بعدَ القَبضِ فلا يَنفسِخُ إلَّا برِضا البائِعِ أو بقَضاءِ القاضي؛ لأنَّ الفَسخَ بعدَ القَبضِ يَكونُ على حَسَبِ العَقدِ؛ لأنَّه يَرفَعُ العَقدَ، وبما أنَّ العَقدَ لا يَنعقِدُ بأحَدِ العاقِدَيْنِ لا يَنفسِخُ بأحَدِهما مِنْ غيرِ رِضا الآخَرِ، ومِن غيرِ قَضاءِ القاضي، بخِلافِ الفَسخِ قبلَ القَبضِ؛ لأنَّ الصَّفقةَ ليسَتْ تامَّةً حينَئذٍ، بَلْ تَمامُها بالقَبضِ؛ فكانَ بمَنزِلةِ القَبضِ.

ثم إذا رَدَّه برِضا البائِعِ كانَ فَسخًا في حَقِّهما، وبَيعًا في حَقِّ غيرِهما، وإنْ رُدَّ بقَضاءٍ كانَ فَسخًا في حَقِّهما وفي حَقِّ غيرِهما هكذا (١).

حُكمُ ما لو اشتَرَى شَيئَيْنِ فوجَد بأحَدِهما عَيبًا:

اتَّفق الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ اشتَرَى شَيئَيْنِ لا يَقومُ أحَدُهما إلَّا بالآخَرِ، كالخُفَّيْنِ والنَّعلَيْنِ، أو مِصراعَيِ البابِ، فوجَد بأحَدِهما عَيبًا فإنَّه لا يَرُدُّه وَحدَه، وإنَّما هو مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَرُدَّهما جَميعًا أو يُمسِكَهما جَميعًا؛ لأنَّهما في الصُّورةِ شَيئانِ، وفي المَنفَعةِ والمَعنَى كشَيءٍ واحِدٍ؛ فإنَّه لا يَتَأتَّى الِانتِفاعُ المَقصودُ بأحَدِهما دونَ الآخَرِ، والمُعتبَرُ هو المَعنَى.

(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٥٧)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ٦٠٣)، و «الهندية» (٣/ ٦٦)، و «الإشراف» (٢/ ٤٨٥) رقم (٨٠٥)، و «روضة الطالبين» (٣/ ١٢٩)، و «الشرح الكبير» لابن قدامة (٤/ ٩٦)، و «المبدع» (٤/ ٩٧)، و «التعليقة الكبيرة» (٣/ ٤٧٣، ٤٧٥).

أمَّا إذا اشتَرَى ثَوبَيْنِ أو عَبدَيْنِ وقبَضهما ثم وجَد بأحَدِهما عَيبًا، اختلَف الفُقهاءُ فيه:

فقالَ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيُّ في قَولٍ: يَرُدُّ المَعيبَ خاصَّةً بحِصَّتِه، ولا يَرُدُّ الآخَرَ؛ لأنَّه قبَضهما وهُما مُتفرِّقانِ وَقتَ القَبضِ، فصارا كأنَّهما كانا مُتفرِّقَيْنِ وَقتَ العَقدِ، ولأنَّ الصَّفقةَ قد تَمَّتْ بالقَبضِ؛ لأنَّ العَيبَ لا يَمنَعُ تَمامَ الصَّفقةِ، ثم عِلَّةُ الرَّدِّ العَيبُ، وذلك وُجدَ في أحَدِهما، والحُكمُ إنَّما يثبُتُ بحَسَبِ العِلَّةِ، ألَا تَرَى أنَّه لو استَحقَّ أحَدُهما بعدَ القَبضِ لَم يَتخيَّرْ في الآخَرِ؛ فكذلك إذا وجَد العَيبَ في أحَدِهما، بخِلافِ النَّعلَيْنِ، فهُناكَ لو استَحقَّ أحَدَهما كانَ له أنْ يَرُدَّ الآخَرَ؛ لِاتِّصالِ أحَدِهما بالآخَرِ انتِفاعًا.

أمَّا إنْ كانَ قبلَ القَبضِ، فقالَ الحَنفيَّةُ: له أنْ يَرُدَّهما جَميعًا، أو يُمسِكَهما جَميعًا؛ لأنَّ الصَّفقةَ لا تَتِمُّ قبلَ القَبضِ، وتَفريقُ الصَّفقةِ قبلَ التَّمامِ لا يَجوزُ.

والحَنابِلةُ لَم يُفرِّقوا؛ فالحُكمُ واحِدٌ عندَهم، سَواءٌ كانَ قبلَ القَبضِ أو بعدَه.

وإنِ اشتَرَى مَكيلًا أو مَوزونًا فوجَد ببَعضِه عَيبًا بعدَ القَبضِ؛ فإنْ كانَ في وِعاءٍ واحِدٍ فليسَ له رَدُّ بَعضِه؛ فإمَّا أنْ يَرُدَّ الجَميعَ أو يُمسِكَ الجَميعَ.

وإنْ كانَ في أوعيةٍ فوجَد بأحَدِها عَيبًا فهو كالثِّيابِ.

وإذا اشتَرَى ثَوبَيْنِ، اشتَرى كُلَّ واحِدٍ بعَشَرةِ دَراهِمَ وقبَضهما ثم وجَد

بأحَدِهما عَيبًا فصالَحَ على أنْ يَرُدَّه بالعَيبِ على أنْ يَزيدَ في ثَمَنِ الآخَرِ دِرهَمًا فالرَّدُّ جائِزٌ وزِيادةُ الدَّراهِمِ باطِلةٌ في قَولِ أبي حَنيفةَ ومُحمَّدٍ.

وقالَ الشافِعيَّةُ في المَذهبِ وزُفَرُ مِنْ الحَنفيَّةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ: ليسَ له رَدُّ أحَدِهما وإمساكُ الآخَرِ؛ فإمَّا أنْ يَرُدَّهما جَميعًا -إنْ كانَتِ البَقيَّةُ باقيةً في مِلكِه، أو يُمسِكَهما ويَأخُذَ الأرشَ؛ لأنَّ الصَّفقةَ واحِدةٌ، وضَمُّ الجَيِّدِ إلى الرَّديءِ عادةٌ مَعروفةٌ، ولو رَدَّ المَعيبَ تَضرَّرَ البائِعُ بذلك؛ فليسَ له ذلك إلَّا أنْ يَرُدَّهما جَميعًا، إلَّا أنْ يَرضَى البائِعُ، على الأصَحِّ عندَ الشافِعيَّةِ.

وعن الإمامِ أحمدَ أنَّه إنْ كانَ يَعرِفُ سِعرَ كلِّ واحِدٍ رَدَّه وحَبَسَ الصَّحيحَ، وإنْ لَم يَعرِفْ واشتَراهما صَفقةً واحِدةً لَم يَرُدَّ وأخَذ أرشَ العَيبِ، وهو اختيارُ أبي بَكرٍ.

وقالَ المالِكيَّةُ: إذا اطَّلَعَ المُشتَري على عَيبٍ في بَعضِ المَبيعِ المُقوَّمِ المُعيَّنِ، وليسَ المَعيبُ وَجْهَ الصَّفقةِ، بأن يَكونَ حَظُّه مِنْ الجُملةِ -بعدَ تَقويمِ السِّلَعِ مُنفَرِدةً وضَمِّ بَعضِها إلى بَعضِ- النِّصفَ فأقَلَّ؛ فإنَّه يَرُدُّه بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ، كما إذا اشتَرَى عَشَرةَ أثوابٍ بمِئةٍ، وقيمةُ كلِّ ثَوبٍ عَشَرةٌ، والمَعيبُ واحِدٌ أو اثنانِ إلى خَمسةٍ؛ فيَجِبُ التَّمسُّكُ بالخَمسةِ السَّليمةِ بنِصفِ الثَّمنِ، ورَدُّ المَعيبِ بحِصَّتِه، فإنْ كانَ ثَوبًا رجَع بعُشرِ الثَّمنِ، وهو عَشَرةٌ، أو كانَ ثَوبَيْنِ رجَع بخُمُسِه، وهو عِشرونَ، أو كانَ ثَلاثةَ أثوابٍ رجَع بثَلاثةِ أعشارِه، وهي ثَلاثونَ، أو كانَ أربَعةَ أثوابٍ رجَع بخُمسَيْه، وهُما أربَعونَ، أو كانَ خَمسةَ أثوابٍ رجَع بنِصفِ الثَّمنِ، وهو خَمسونَ.

حاصِلُه أنْ تُقوَّمَ كلُّ سِلعةٍ بمُفرَدِها، وتُنسَبَ قيمةُ المَعيبِ إلى الجَميعِ، ويَرجِعَ بما يَخُصُّ المَعيبَ مِنْ الثَّمنِ، ويَرجِعَ بالقيمةِ إنْ كانَ الثَّمنُ سِلعةً، والمَعنَى أنَّ ثَمَنَ الأثوابِ العَشَرةِ المُتقدِّمةِ في مِثالِنا إذا وقَع بسِلعةٍ، كدارٍ تُساوي يَومَ البَيعِ مِئةً، فيَرجِعَ بقيمةِ عُشرِها، عَشَرةٍ، أو خُمُسِها، عِشرينَ، أو ثَلاثةِ أعشارِها، ثَلاثينَ.

إلَّا أنْ يَكونَ البَعضُ المَعيبُ هو الأكثَرَ، فلا يَرُدَّ بَعضَ المَبيعِ بحِصَّتِه، بَلْ إنَّما يَجِبُ أنْ يَتَمسَّكَ بجَميعِ الثَّمنِ أو يَرُدَّ الجَميعَ.

والمُرادُ بالأكثَرِ ثَمَنًا أنْ يَنوبَه مِنْ الثَّمنِ أكثَرُ مِنْ النِّصفِ، ولو يَسيرًا، ومَحَلُّ مَنعِ التَّمسُّكِ بالأقَلِّ حيثُ كانَ المَبيعُ كُلُّه قائمًا.

وخُلاصةُ قَولِ المالِكيَّةِ أنَّه يَجوزُ رَدُّ المَعيبِ والرُّجوعُ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ، إذا كانَ الثَّمنُ عَينًا أو مِثليًّا؛ فإنْ كانَ سِلعةً فإنَّه يَرجِعُ بما يَنوبُ السِّلعةَ المَعيبةَ مِنْ قيمةِ السِّلعةِ التي هي الثَّمنُ؛ لِضَرَرِ الشَّرِكةِ، وهذا إذا لَم تَكُنِ السِّلعةُ المَعيبةُ وَجهَ الصَّفقةِ؛ فإنْ كانَتْ فليسَ لِلمُشتَري إلَّا رَدُّ الجَميعِ أو الرِّضا بالجَميعِ.

قالَ المَوَّاقُ في «التَّاجِ والإكليلِ»: ابنُ يُونُسَ: القَضاءُ فيمَنِ ابتاعَ أشياءَ في صَفقةٍ فألفَى ببَعضِها عَيبًا بعدَ أنْ قبَضها؛ فليسَ له إلَّا رَدُّ المَعيبِ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ إلَّا أنْ يَكونَ المَعيبُ وَجهَ الصَّفقةِ، وفيه رَجاءُ الفَضلِ؛ فليسَ له إلَّا الرِّضا بالعَيبِ بجَميعِ الثَّمنِ، أو أنْ يَرُدَّ جَميعَ الصَّفقةِ.

وكذلك مَنْ باعَ أصنافًا مُختلِفةً فوجَد بصِنفٍ منها عَيبًا؛ فإنْ كانَ وَجهَ الصَّفقةِ فليرُدَّ الجَميعَ.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
كراهة التفريق في البيع

بِالتَّفْرِيقِ فَيَلْحَقُهُمَا الْوَحْشَةُ فَكَانَ التَّفْرِيقُ إضْرَارًا بِهِمَا بِإِلْحَاقِ الْوَحْشَةِ، وَكَذَا بَيْنَ الصَّغِيرَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا يَأْتَلِفَانِ وَيَسْكُنُ قَلْبُ أَحَدِهِمَا بِصَاحِبِهِ فَكَانَ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا إيحَاشًا بِهِمَا فَكُرِهَ وَلِأَنَّ الصِّبَا مِنْ أَسْبَابِ الرَّحْمَةِ قَالَ عليه الصلاة والسلام : «مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَلَمْ يُوَقِّرْ كَبِيرَنَا فَلَيْسَ مِنَّا» وَفِي التَّفْرِيقِ تَرْكُ الرَّحْمَةِ فَكَانَ مَكْرُوهًا.

كَرَاهَةِ التَّفْرِيقِ فِي الْبَيْع

ثُمَّ الْكَلَامُ فِي كَرَاهَةِ التَّفْرِيقِ فِي مَوَاضِعَ، فِي بَيَانِ شَرَائِطِ الْكَرَاهَةِ، وَفِي بَيَانِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّفْرِيقُ، وَفِي بَيَانِ صِفَةِ مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّفْرِيقُ أَنَّهُ جَائِزٌ أَمْ لَا.

(أَمَّا) شَرَائِطُ الْكَرَاهَةِ (فَمِنْهَا) صِغَرُ أَحَدِهِمَا وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا صَغِيرًا أَوْ يَكُونَا صَغِيرَيْنِ فَإِنْ كَانَا كَبِيرَيْنِ لَا يُكْرَهُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا لِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ عليه الصلاة والسلام أَنَّهُ قَالَ: «لَا يَجْتَمِعُ عَلَيْهِمْ السَّبْيُ وَالتَّفْرِيقُ حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلَامُ وَتَحِيضَ الْجَارِيَةُ» مَدَّ عليه الصلاة والسلام النَّهْيَ عَنْ التَّفْرِيقِ إلَى غَايَةِ الْبُلُوغِ فَدَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِ الْكَرَاهَةِ بِحَالَةِ الصِّغَرِ وَزَوَالِهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ؛ وَلِأَنَّ الْكَرَاهَةَ مَعْلُولَةٌ بِالْإِضْرَارِ بِزَوَالِ الِاسْتِئْنَاسِ وَالشَّفَقَةِ وَتَرْكِ الرَّحِمِ، وَكُلُّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِحَالَةِ الصِّغَرِ.

، (وَمِنْهَا) الرَّحِمُ وَهُوَ الْقَرَابَةُ فَإِنْ كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ لَمْ يُكْرَهْ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 619 - 622

ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل