رؤية بعض المبيع دون بعضه الآخر

الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > رؤية بعض المبيع دون بعضه الآخر

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 9 دقيقة قراءة

رؤية بعض المبيع دون بعضه الآخر - الأقوال والأدلة

فيما لَم يَرَه المُشتَري؛ لقولِه عليه الصلاة والسلام: «مَنِ اشتَرَى شَيئًا لَم يَرَه فهو بالخيارِ إذا رَآه» (١).

فبَقيَ الخيارُ عندَ الرُّؤيةِ مُبقيًا على الأصلِ، وإنْ وجَده مُتغيِّرًا فلَه الخيارُ؛ لأنَّ تلك الرُّؤيةَ لَم تَقَعْ مُعلَّمةً بأوصافِه، فكَأنَّه لَم يَرَه، وإنِ اختَلَفا في التَّغيُّرِ فالقَولُ قَولُ البائِعِ مع يَمينِه؛ لأنَّ التَّغيُّرَ حادِثٌ؛ لأنَّه إنَّما يَكونُ بعَيبٍ أو تَبَدُّلِ هَيئةٍ، وكُلٌّ منهما عارِضٌ، والمُشتَري يَدَّعيه، والبائِعُ مُنكِرٌ ومُتمسِّكٌ بالأصلِ؛ لأنَّ سَبَبَ لُزومِ العَقدِ -وهو رُؤيةُ جُزءٍ مِنْ المَعقودِ عليه-، والقَولُ قَولُ المُنكِرِ مع يَمينِه، والبَيِّنةُ بَيِّنةُ مُدَّعي العارِضِ، إلَّا إذا بَعُدتِ المُدَّةُ، فالقَولُ قَولُ المُشتَري؛ لأنَّ الظَّاهِرَ يَشهَدُ له؛ فإنَّ الشَّيءَ يَتغيَّرُ بطُولِ الزَّمانِ، ومَن يَشهَدْ له الظَّاهِرُ فالقَولُ قَولُه.

وإذا اختلَف البائِعُ والمُشتَري في رُؤيةِ المُشتَري، فقالَ المُشتَري: لَم أرَه حالَ العَقدِ ولا بعدَه، وقالَ البائِعُ: بَلْ رَأيتَه، فالقَولُ قَولُ المُشتَري مع يَمينِه؛ لأنَّ البائِعَ يَدَّعي عليه الرُّؤيةَ، أي: العِلمَ بالصِّفاتِ، وأنَّه أمرٌ حادِثٌ، والمُشتَري مُنكِرٌ، فكانَ القَولُ قَولَه مع اليَمينِ.

رُؤيةُ بَعضِ المَبيعِ دونَ بَعضِه الآخَرِ:

والمَبيعُ إذا كانَ أشياءَ إنْ كانَ مِنْ العَدَديَّاتِ المُتفاوِتةِ، كالثِّيابِ

(١) رواه البيهقي في «الكبرى» (١٠٢٠٦)، والدارقطني في «سننه» (٣/ ٤)، وقال: وفيه عمرُ بنُ إبراهيمَ، يُقال له الكُرديّ يَضعُ الأحادِيثَ وهذا باطلٌ لَا يَصحُّ، لَم يرْوِه غيرُه وإنَّما يُروى عن ابنِ سِيرينَ من قولِه انتهى. قال ابنُ القَطّانِ في كِتابِه: والرَّاوِي عن الكُرديِّ داهرُ بنُ نُوحٍ وهو لا يُعرفُ ولعلَّ الجِنايةَ مِنه انتهى. انظر: «نصب الراية» (٤/ ٩).

والدَّوابِّ والبِطِّيخِ والسَّفَرجَلِ والرُّمَّانِ ونَحوِها، لا يَسقُطُ الخيارُ إلَّا برُؤيةِ الكُلِّ؛ لأنَّها تَتَفاوَتُ، وإنْ كانَ مَكيلًا أو مَوزونًا -وهو الذي يُعرَضُ بالأُنموذَجِ- أو مَعدودًا مُتَقارِبًا، كالجَوزِ والبَيضِ، فرُؤيةُ بَعضِه تُبطِلُ الخيارَ في كُلِّه؛ لأنَّ المَقصودَ مَعرِفةُ الصِّفةِ، وقد حَصَلتْ، وعليه التَّعارُفُ، إلَّا أنْ يَجِدَه أردَأَ مِنْ الأُنموذَجِ فيَكونَ له الخِيارُ.

وإنْ كانَ المَبيعُ مَغيبًا تَحتَ الأرضِ كالجَزَرِ والشَّلجَمِ والبَصَلِ والثُّومِ والفُجلِ بعدَ النَّباتِ، إنْ عَلِمَ وُجودَه تَحتَ الأرضِ جازَ، وإلَّا فلا؛ فإذا باعَه ثم قَلَعَ منه أُنموذَجًا ورَضيَ به؛ فإنْ كانَ ممَّا يُباعُ كَيلًا كالبَصَلِ، أو وَزنًا كالثُّومِ والجَزَرِ بطَل خِيارُه لِلحاجةِ وجَرَيانِ التَّعامُلِ به.

وإنْ كانَ ممَّا يُباعُ عَدَدًا، كالفُجلِ ونَحوِه؛ فرُؤيةُ بَعضِه لا تُسقِطُ خِيارَه (١).

وقالَ المالِكيَّةُ: يَجوزُ البَيعُ على رُؤيةِ بَعضِ المِثليِّ مِنْ مَكيلٍ ومَوزونٍ كقُطنٍ وكَتَّانٍ وقَمحٍ وشَعيرٍ، أي: يَجوزُ العَقدُ مُكتَفيًا برُؤيةِ بَعضِه في مَعرِفةِ الصِّفةِ؛ لأنَّ رُؤيةَ بَعضِه كافيةٌ فيه، سَواءٌ كانَ البَيعُ بَتًّا أو على الخيارِ، بخِلافِ المُقوَّمِ فلا يَكفي رُؤيةُ بَعضِه، كثَوبٍ مِنْ أثوابٍ، ومَحَلُّ عَدَمِ الِاكتِفاءِ برُؤيةِ بَعضِه فيه إنْ لَم يَكُنْ في نَشرِه إتلافٌ كالشاشِ، وإلَّا اكتُفيَ برُؤيةِ بَعضِه.

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٩٢، ٢٩٣)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٨، ٤٩)، و «اللباب» (١/ ٣٦٦)، و «كنز الدقائق» (٢١٠)، و «مجمع البحرين» (٢٧٦)، و «خلاصة الدلائل» (٢/ ٤١، ٤٣)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤٩، ٥١)، «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٩٢) وما بعدها، و «المبسوط» (١٣/ ٦٩)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٣٣٥)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ٧٥)، وكتاب: «الخلاصة الفقهية على مذهب السادة الحنفية» (٢/ ٣١، ٣٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
خيار الرؤية

عَدَمُ وُصُولِ عِوَضِ الْمَبِيعِ إلَى الْمُشْتَرِي مَعَ تَعَذُّرِ الرَّدِّ فِي ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ فَإِنْ وَصَلَ إلَيْهِ عِوَضُهُ بِأَنْ قَتَلَهُ أَجْنَبِيٌّ فِي يَدِهِ خَطَأً لَا يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ وَإِنْ تَعَذَّرَ رَدُّهُ عَلَى الْبَائِعِ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالنُّقْصَانِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ حَقِيقَةُ الْعَيْبِ وَإِنَّمَا وَصَلَ إلَيْهِ قِيمَةُ الْمَعِيبِ فَكَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمِقْدَارِ الْعَيْبِ وَالصَّحِيحُ جَوَابُ ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا وَصَلَ إلَيْهِ قِيمَتُهُ قَامَتْ الْقِيمَةُ مَقَامَ الْعَيْنِ فَكَأَنَّهَا قَائِمَةٌ فِي يَدِهِ لَمَّا وَصَلَ إلَيْهِ عِوَضُهُ فَصَارَ كَأَنَّهُ بَاعَهُ وَلَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي ثُمَّ اطَّلَعَ عَلَى عَيْبٍ بِهِ لَمْ يَرْجِعْ بِالنُّقْصَانِ، كَذَا هَذَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 633 - 634

ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله