شروط ثبوت خيار العيب

الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > شروط ثبوت خيار العيب

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 44 دقيقة قراءة

شروط ثبوت خيار العيب - الأقوال والأدلة

صاحِبُ التَّتِمَّةِ شَهادةَ اثنَيْنِ ولو اختَلَفا في بَعضِ الصِّفاتِ، هل هو عَيبٌ وليسَ هُناكَ مَنْ يُرجَعُ إليه؟ فالقَولُ قَولُ البائِعِ مع يَمينِه (١).

شُروطُ ثُبوتِ خيارِ العَيبِ:

يُشترَطُ لِثُبوتِ خيارِ العَيبِ لِلمُشتَري بعدَ الِاطِّلاعِ على العَيبِ شُروطٌ، هي:

١ - ظُهورُ عَيبٍ مُعتبَرٍ قبلَ العَقدِ باتِّفاقِ الفُقهاءِ، فإذا وُجدَ بالمَبيعِ عَيبٌ العادةُ السَّلامةُ منه في ذلك المَبيعِ بعدَما اشتَراه وقبَضه، فلَه رَدُّه، باتِّفاقِ الفُقهاءِ.

وكذا إنْ حدَث بالمَبيعِ عَيبٌ بعدَ البَيعِ، وقبلَ القَبضِ والتَّسليمِ، عندَ الجُمهورِ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ والحَنابِلةِ؛ لأنَّ المَبيعَ حينَئذٍ مِنْ ضَمانِ البائِعِ، فكذا جُزؤُه وصِفَتُه.

لكنَّ الحَنابِلةَ قَيَّدوا ذلك بما يَكونُ ضَمانُه على البائِعِ؛ فقالوا: إذا حدَث عَيبٌ بالمَبيعِ بعدَ العَقدِ وقبلَ القَبضِ فيما ضَمانُه على البائِعِ، كمَكيلٍ ومَوزونٍ ومَعدودٍ ومَذروعٍ وثَمَرٍ على شَجَرٍ ونَحوِه، كمَبيعٍ بصِفةٍ أو رُؤيةٍ مُتقدِّمةٍ.

أمَّا إذا لَم يَكُنِ العَيبُ قَديمًا، بل حدَث بعدَ التَّسليمِ، فلا يثبُتُ الخيارُ باتِّفاقٍ؛ لأنَّ ثُبوتَه لِفَواتِ صِفةِ السَّلامةِ المَشروطةِ في العَقدِ دِلالةً، وقد

(١) «تكملة المجموع» (١٢/ ٣١٣).

حَصَلتِ السِّلعةُ سَليمةً في يَدِ المُشتَري؛ إذ العَيبُ لَم يَحدُثْ إلَّا بعدَ التَّسليمِ (١).

٢ - أنْ يَكونَ المُشتَري غيرَ عالِمٍ بالعَيبِ عندَ العَقدِ والقَبضِ؛ فإنْ كانَ عالِمًا به عندَ أحَدِهما فلا خيارَ له؛ لأنَّه يَكونُ راضيًا به دِلالةً؛ لأنَّ الإقدامَ على الشِّراءِ مع العِلمِ بالعَيبِ رِضًا به دِلالةً، وكذا إذا لَم يَعلَم عندَ العَقدِ، ثم عَلِمَ بعدَه قبلَ القَبضِ؛ لأنَّ تَمامَ الصَّفقةِ مُتعلِّقٌ بالقَبضِ؛ فكانَ العِلمُ عندَ القَبضِ كالعِلمِ عندَ العَقدِ، وهذا ممَّا لا خِلافَ فيه بينَ الفُقهاءِ.

قالَ السُّبكيُّ رحمة الله عليه: إنْ كانَ عالِمًا بالعَيبِ فلا خِلافَ أنَّه لا يثبُتُ له الخيارُ؛ لِرِضاه بالعَيبِ … قالَ ابنُ حَزمٍ في كِتابِ مَراتِبِ الإجماعِ: واتَّفَقوا على أنَّه إذا بيَّن له البائِعُ عَيبًا فيه وحَدَّ مِقدارَه ووَقَفَه عليه، إنْ كانَ في جِسمِ المَبيعِ فرَضيَ بذلك المُشتَري فقد لزِمه، ولا رَدَّ له بذلك العَيبِ (٢).

٣ - ألَّا يَزولَ العَيبُ قبلَ الفَسخِ، فإنِ اشتَرَى حَيَوانًا مَريضًا ولَم يَفسَخِ البَيعَ، ثم زالَ المَرَضُ على وَجْهٍ تُؤمَنُ معه العَودةُ عادةً فليسَ له الفَسخُ بسَبَبِ المَرَضِ؛ لأنَّه زالَ قبلَ أنْ يَرُدَّه؛ لأنَّ الخيارَ ثبَت لِدَفعِ الضَّرَرِ، وقد زالَ الضَّرَرُ؛ لأنَّ الرَّدَّ إنَّما هو لِلعَيبِ -فهو سَبَبُه- والمَعقودُ عليه أضحى سَليمًا، فلا قيامَ لِلخيارِ مع سَلامَتِه، وهذا عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ الحَنفيَّةِ

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٧٥)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٣٨١)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ٦٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ١١٩)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤٩٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٥٣)، و «الروض المربع» (١/ ٥٦٤).
(٢) «تكملة المجموع» (١٢/ ١٢١)، و «مراتب الإجماع» ص (٨٨).

والمالِكيَّةِ والشافِعيَّةِ في المَذهبِ، وفي وَجْهٍ لِلشافِعيَّةِ لا يَسقُطُ الرَّدُّ؛ لأنَّ الخيارَ ثبَت بوُجودِ العَيبِ، فلا يَسقُطُ مِنْ غيرِ رِضاه.

فإنِ احتُمِلَ عَودُ العَيبِ مَرَّةً أُخرى بعدَ زَوالِه فلَه الرَّدُّ، كما نصَّ على ذلك المالِكيَّةُ (١).

٤ - ألَّا يُمكِنَ زَوالُ ذلك العَيبِ إلَّا بمَشَقَّةٍ، أمَّا لو أمكَنَ إزالَتُه بغيرِ مَشَقَّةٍ فلا يَقومُ حَقُّ الخيارِ ولا يُرَدُّ به البَيعُ، وذلك كما لو كانَ على القُماشِ طابَعُ المَصنَعِ مَثَلًا، وكانَ ممَّا لا يَضُرُّه الغَسلُ، أو يُمكِنُ جَعلُه مِنْ جِهةِ البِطانةِ، وكما لو كانَ بالثَّوبِ نَجاسةٌ وهو ممَّا لا يَفسُدُ بالغَسلِ ولا يَنقُصُ، لِلتَّمكُّنِ مِنْ غَسلِه، وهذا ما صرَّح به الحَنفيَّةُ.

قالَ في «دُرَرِ الحُكَّامِ»: ويُشترَطُ في العَيبِ ألَّا يُمكِنَ إزالَتُه بلا مَشَقَّةٍ ولا ضَرَرٍ، فعليه فوُجودُ نَجاسةٍ في ثَوبٍ لا يَضُرُّه الغَسلُ ليسَ بعَيبٍ، وإنْ ضَرَّه الغَسلُ كانَ عَيبًا، ووُجودُ آثارِ الزَّيتِ في الثَّوبِ عَيبٌ؛ إذ لا يُمكِنُ إزالةُ الزَّيتِ مِنه بغيرِ مَشَقَّةٍ (٢).

(١) «تحبير المختصر» (٣/ ٦١٣)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ١٣٦)، و «المنتقى» (٣/ ٣٦٤)، و «حاشية الصاوي» (٦/ ٤٥٧)، و «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٧٥)، و «درر الحكام» (١/ ٢٨٦)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٣٨١، ٣٦٩)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ٦٦)، و «المهذب» (١/ ٢٨٤)، و «الإقناع» (٢/ ٢٨٦)، و «الفتاوى الكبرى» لابن حجر الهيتمي (٢/ ٢٤٤)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٧٣)، و «الإنصاف» (٥/ ٢٤٠)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٥٣)، و «الروض المربع» (١/ ٥٦٤).
(٢) «درر الحكام» (١/ ٢٩٠، ٢٩١).

وقالَ الحَنابِلةُ: لا فَسخَ بعَيبٍ يَسيرٍ، كصُداعٍ والحُمَّى اليَسيرةِ، وسَقطِ آياتٍ يَسيرةٍ في مُصحَفٍ لِلعادةِ؛ لأنَّه لا يَسلَمُ عادةً مِنْ ذلك، كيَسيرِ التُّرابِ والعَقدِ في البُرِّ، والغَبنِ اليَسيرِ، ومَحَلُّ ذلك ما لَم يُفضِ إلى الرِّبا؛ لِشِراءِ فِضَّةٍ بزِنَتِها دَراهِمَ ونَحوِها مَعيبةً، أو قَفيزٍ ممَّا يَجري فيه الرِّبا بمِثلِه؛ فله الرَّدُّ أو الإمساكُ مَجَّانًا، قالَ ابنُ مُفلِحٍ: وظاهِرُه أنَّه إذا كانَ عالِمًا به فلا خيارَ له بغيرِ خِلافٍ نَعلَمُه؛ لأنَّه دخَل على بَصيرةٍ، أشبَهَ ما لو صرَّح به، وفي الِانتِصارِ إذا كانَ عالِمًا به ولَم يَرضَ ثبَت له الخيارُ.

قالَ ابنُ الزاغونيِّ: لا يَنقُصُ شَيءٌ مِنْ أُجرةِ النَّاسِخِ بعَيبٍ يَسيرٍ؛ لِعُسرِ الِاحتِرازِ عنه في الأغلَبِ، وإلَّا بأنْ لَم يَكُنِ العَيبُ يَسيرًا، بَلْ كانَ كَثيرًا، فلا أُجرةَ لِمَا وَضَعَه النَّاسِخُ في غيرِ مَكانِه بأنْ قدَّمه على مَوضِعِه أو أخَّرَه عنه؛ لعَدمِ الإذْنِ فيه، والعَقدِ عليه، وعليه نَسخُه في مَكانِه؛ لأنَّه التَزَمَه بالعَقدِ، ويَلزَمُه -أي: النَّاسِخَ- قيمةُ ما أتلَفَه بذلك التَّقديمِ أو التَّأخيرِ مِنْ الكاغَدِ؛ لِتَعدِّيه، وإنْ ظهَر في المَأجورِ عَيبٌ تَنْقُصُ به أُجرَتُه عادةً فلا أرشَ له -أي: لِلمُستَأجِرِ- إنِ اختارَ الإمساكَ، وعليه الأُجرةُ كامِلةً (١).

وقالَ المالِكيَّةُ: إذا كانَ النَّقصُ يَسيرًا، كذَهابِ الظُّفرِ والأُنمُلةِ في وَخشِ الرَّقيقِ، فإنَّ ذلك ليسَ ممَّا يُثبِتُ الخيارَ لِلمُبتاعِ، وإنَّما له الرَّدُّ ولا شَيءَ عليه مِنْ النَّقصِ أو الإمساكِ، ولا شَيءَ له مِنْ قيمةِ العَيبِ، ووَجْهُ ذلك أنَّ البائِعَ مُتَّهمٌ بالتَّدليسِ، ولِذلك وجَب الرَّدُّ عليه بالعَيبِ بما كانَ مِنْ

(١) «المبدع» (٤/ ٨٨)، و «الفروع» (٤/ ٧٨)، و «الإنصاف» (٤/ ٤٠٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٥٤).

الأُمورِ اليَسيرةِ التي لا يُسلَمُ مِنْ مِثلِها، وما كانَ مُعتادًا مُتكرِّرًا فلا عِوَضَ له فيما حدَث منها.

وذلك بمَنزِلةِ بَقاءِ المَبيعِ على هَيئَتِه، وكذلك الكَيُّ والرَّمَدُ والصُّداعُ والحُمَّى؛ لأنَّها أُمورٌ مُعتادةٌ يَسهُلُ البُرءُ منها بسُرعةٍ، هذا مَذهبُ ابنِ القاسِمِ، وخالَفَه أشهَبُ في الوَعكِ والحُمَّى، فقالَ: يثبُتُ الخيارُ لِلمُبتاعِ.

قالَ القاضي أبو الوَليدِ الباجيُّ رحمة الله عليه: وعِندي أنَّ ابنَ القاسِمِ إنَّما أرادَ الحُمَّى الخَفيفةَ التي يُرجَى سُرعةُ بُرئِها، دونَ ما أضعَفَ منها ومنَع التَّصرُّفَ؛ فإنَّ ذلك ممَّا يَعظُمُ قَدرُه ويَندُرُ، فلا يَرُدُّ المُشتَري إلَّا أنْ يَرُدَّ قيمةَ ما نقَص مِنْ المَبيعِ، وقد رَوى عَبدُ الرَّحمَنِ بنُ دينارٍ عن ابنِ كِنانةَ أنَّه إنِ اشتَرَى عَبدًا فمَرِضَ عندَه، ثم اطَّلَعَ على إباقٍ لَم يَرُدَّه حتى يَصحَّ أو يَموتَ؛ فإنْ ماتَ رجَع بما بينَ القيمَتَيْنِ، ورَوى عيسى عن ابنِ القاسِمِ عن مالِكٍ: يَرُدُّه ما لَم يَكُنْ مَرَضًا مَخوفًا؛ فعلى هذه الرِّوايةِ الأمراضُ ثَلاثةٌ: خَفيفٌ لا يثبُتُ الخيارُ به، ومُتوسِّطٌ يثبُتُ الخيارُ به، ومَرَضٌ مَخوفٌ يَمنَعُ الرَّدَّ (١).

وإذا هَوَّنَ البائِعُ مِنْ شَأنِ العَيبِ، بأنَّه يَسيرٌ، أو بأنَّه سَهلُ الإزالةِ، أو لا يُكلِّفُ إلَّا قَليلًا لِإصلاحِه، فيَرضى به المُشتَري، ثم يَظهَرُ العَكسُ فما مَصيرُ خيارِ العَيبِ بعدَ الرِّضا مِنْ المُشتَري؟

نَصَّ المالِكيَّةُ على ثُبوتِ خيارِ الرَّدِّ لِلمُشتَري عندَئِذٍ ما لَم يَحدُثْ لَدَيه عَيبٌ فيَتخيَّرُ بينَ الرَّدِّ والأرشِ.

(١) «المنتقى» (٣/ ٣٦٤).

جاءَ في نَوازِلِ الونشَريسيِّ أنَّه سُئلَ عَمَّنِ اشتَرَى دابَّةً وبها جُرحُ رُمحٍ؛ فرَضيَ بعدَما قالَ البائِعُ له: هو جُرحٌ لا يَضُرُّها؛ فتَغيَّبَ هذا المُشتَري نَحوًا مِنْ سَنةٍ ثم ظهَر الجُرحُ فادِحًا.

فأجابَ: إنْ لَم يَحدُثْ بها عندَه عَيبٌ مُفسِدٌ فهو مُخيَّرٌ بينَ أنْ يَرُدَّها أو يَتماسَكَ، ولا شَيءَ له مِنْ قيمةِ العَيبِ؛ فإنْ حدَث عندَ المُشتَري عَيبٌ بَعدُ، فإنْ شاءَ رَدَّها وقيمةَ العَيبِ الحادِثِ عندَه، وإنْ شاءَ أمسَكَها وأخَذ قيمةَ العَيبِ بينَ الصِّحَّةِ والدَّاءِ (١).

٥ - ألَّا يَكونَ البائِعُ قد اشتَرطَ البَراءةَ مِنْ العَيبِ في مَحَلِّ العَقدِ؛ فلو شرَط البَراءةَ مِنْ العَيبِ في مَحَلِّ العَقدِ فقد اختلَف العُلماءُ فيه، هل يثبُتُ له الخيارُ أو لا؟

فذهَب الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ -في الجُملةِ- إلى أنَّ مَنْ اشتَرَى سِلعةً واشتَرطَ عليه البائِعُ أنَّه بَريءٌ مِنْ كلِّ عَيبٍ، صَحَّ ولا خيارَ لِلمُشتَري؛ لأنَّ شَرطَ البَراءةِ عن العَيبِ في البَيعِ صَحيحٌ؛ فإذا أبرَأه؛ فقد أسقَطَ حَقَّ نَفْسِه؛ فصَحَّ الإسقاطُ؛ فيَسقُطُ ضَرورةً؛ لِمَا رُويَ أنَّ النَّبيَّ قالَ لِرَجلَيْنِ اختَصَما في مَواريثَ دَرَستْ بينَهما: «استَهِما، وتَوَخَّيا الحَقَّ، ولِيُحلِلْ أحَدُكما صاحِبَه» (٢). فدَلَّ هذا على أنَّ البَراءةَ مِنْ المَجهولِ جائِزةٌ، ولأنَّه إسقاطُ حَقٍّ لا تَسليمَ فيه فصَحَّ مِنْ المَجهولِ، كالعَتاقِ والطَّلاقِ، ولا فَرقَ بينَ الحَيَوانِ وغيرِه، فما ثبَت في

(١) «المعيار» للونشريسي (٥/ ١٧٨).
(٢) حديث حسن: رواه أبو داود (٣٥٨٤).

أحَدِهما ثبَت في الآخَرِ، وقَولُ عُثمانَ رضي الله عنه قد خالَفَه ابنُ عمرَ رضي الله عنه، وقَولُ الصَّحابيِّ المُخالِفِ لا يَبقَى حُجَّةً (١).

قالَ الحَنفيَّةُ: البَيعُ بشَرطِ البَراءةِ مِنْ العُيوبِ جائِزٌ في الحَيَوانِ وغيرِه، ويَدخُلُ في البَراءةِ ما عَلِمَه البائِعُ وما لَم يَعلَمه، وما وَقَفَ عليه المُشتَري وما لَم يَقِفْ عليه، سَواءٌ سَمَّى جِنسَ العُيوبِ أو لَم يُسَمِّ، أشارَ إليه أو لَم يُشِرْ.

ويُبرَأُ عن كلِّ عَيبٍ مَوجودٍ به وَقتَ البَيعِ، وما يَحدُثُ بعدَه إلى وَقتِ التَّسليمِ في قَولِ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، وقالَ مُحمَّدٌ: لا يُبرَأُ عن العَيبِ الحادِثِ.

ولو شرَط أنَّه بَريءٌ مِنْ كلِّ عَيبٍ به لَم يَنصرِفْ إلى الحادِثِ في قَولِهم جَميعًا، وكذلك إذا خَصَّ ضَربًا مِنْ العُيوبِ صَحَّ التَّخصيصُ.

ولو باعَ بشَرطِ البَراءةِ عن كلِّ عَيبٍ به، وما يَحدُثُ، فالبَيعُ بهذا الشَّرطِ فاسِدٌ.

ولو اختَلَفا في عَيبٍ أنَّه حادِثٌ بعدَ العَقدِ أو كانَ عندَه لا أثَرَ لِهذا عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، فلَفظُ الإبراءِ يَتناوَلُ الحادِثَ نَصًّا ودِلالةً، أمَّا النَّصُّ فإنَّه عَمَّ البَراءةَ عن العُيوبِ كُلِّها، أو خَصَّها بجِنسٍ مِنْ العُيوبِ على

(١) «مختصر اختلاف العلماء» للطحاوي (٣/ ١٤٢)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٣٩٩)، و «الكافي» (٣٤٩)، و «الذخيرة» (٥/ ٩٠، ٩١)، و «الحاوي الكبير» (٥/ ٢٧١، ٢٧٢)، و «المهذب» (١/ ٢٨٨)، و «التنبيه» (٩٥)، و «الوسيط» (٣/ ٥٢٤، ٥٢٦)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٥٠٤، ٥٠٥)، و «كفاية الآخيار» (٢٩٥)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٦٣)، و «المغني» (٤/ ١٢٩)، و «الفتاوى الكبرى» (٤/ ٤٧١).

الإطلاقِ نَصًّا؛ فتَخصيصُه أو تَقييدُه بالمَوجودِ عندَ العَقدِ لا يَجوزُ إلَّا بدَليلٍ، وأمَّا الدِّلالةُ فهي أنَّ غَرَضَ البائِعِ مِنْ هذا الشَّرطِ هو انسِدادُ طَريقِ الرَّدِّ، ولا يَنسَدُّ إلَّا بدُخولِ الحادِثِ؛ فكانَ داخِلًا فيه دِلالةً.

وعندَ مُحمَّدٍ: القَولُ لِلبائِعِ مع يَمينِه على العِلمِ بأنَّه حادِثٌ؛ لأنَّ بُطلانَ حَقِّ المُشتَري في الفَسخِ ظاهِرٌ بشَرطِ البَراءةِ وثُبوتِ حَقِّ الفَسخِ بعَيبٍ حدَث باطِنٌ؛ فإذا ادَّعَى باطِنًا لِيُزيلَ به ظاهِرًا لا يُصدَّقُ إلَّا بحُجَّةٍ، ولأنَّ الإبراءَ عن العَيبِ يَقتَضي وُجودَ العَيبِ؛ لأنَّ الإبراءَ عن المَعدومِ لا يُتصوَّرُ، والحادِثُ لَم يَكُنْ مَوجودًا عندَ البَيعِ؛ فلا يَدخُلُ تَحتَ الإبراءِ؛ فلو دخَل فإنَّما يَدخُلُ بالإضافةِ إلى حالةِ الحُدوثِ، والإبراءُ لا يَحتمِلُ الإضافةَ؛ لأنَّ فيه مَعنَى التَّمليكِ، حتى يَرتَدَّ بالرَّدِّ، ولِهذا لَم يَدخُلِ الحادِثُ عندَ الإضافةِ إليه نَصًّا؛ فعندَ الإطلاقِ أوْلَى.

هذا إذا أطلَقَ، أمَّا إذا أبرَأه مُقيَّدًا بعَيبٍ كانَ عندَ البَيعِ ثم اختَلَفا على نَحوِ ما ذَكَرنا، فالقَولُ لِلمُشتَري (١).

وقالَ الشافِعيَّةُ: لو باعَ شَخصٌ عَينًا وشرَط البَراءةَ مِنْ العُيوبِ ففيه خِلافٌ، الصَّحيحُ أنَّه يُبرَأُ مِنْ كلِّ عَيبٍ باطِنٍ في الحَيَوانِ لَم يَعلَم به البائِعُ دونَ غيرِه؛ لأنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنه باعَ غُلامًا بثَمانِمِئةٍ، وباعَه بالبَراءةِ؛ فقالَ المُشتَري لِابنِ عمرَ: بالعَبدِ داءٌ

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٧٧)، و «الفتاوى الهندية» (٣/ ٩٤، ٩٥)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٣٩٩)، و «درر الحكام» (٦/ ٢٤٥).

لَم تُسَمِّه لي. فاختَصَما إلى عُثمانَ رضي الله عنه، فقَضى عُثمانُ على ابنِ عمرَ أنَّه يَحلِفُ لَقَدْ باعَه العَبدَ وما به داءٌ يَعلَمُه، فأبَى عَبدُ اللَّهِ رضي الله عنه أنْ يَحلِفَ، وارتَجَعَ العَبدَ، فباعَه بألْفٍ وخَمسِمِئةٍ (١)، فدَلَّ قَضاءُ عُثمانَ أنَّه يُبرَأُ مِنْ عَيبِ الحَيَوانِ الذي لَم يَعلَم به.

والفَرقُ بينَ الحَيَوانِ وغيرِه ما قالَه الشافِعيُّ من أنَّ الحَيَوانَ يَأكُلُ في حالَتَيْ صِحَّتِه وسَقَمِه، وتَتبدَّلُ أحوالُه سَريعًا، فقَلَّ أنْ يَنفَكَّ عن عَيبٍ خَفيٍّ أو ظاهِرٍ، فيَحتاجُ البائِعُ إلى هذا الشَّرطِ لِيَثِقَ بلُزومِ العَقدِ.

والفَرقُ بينَ العَيبِ المَعلومِ وغيرِه أنَّ كِتمانَ المَعلومِ تَلبيسٌ وغِشٌّ، فلا يُبرَأُ منه.

والفَرقُ بينَ الظَّاهِرِ والباطِنِ أنَّ الظَّاهِرَ يَسهُلُ الِاطِّلاعُ عليه، ويُعلَمُ في الأغلَبِ؛ فأعطَيناه حُكمَ المَعلومِ، وإنْ كانَ قد يَخفَى على نُدورٍ؛ فيَرجِعُ الأمرُ إلى أنَّه لا يُبرَأُ عن غيرِ الباطِنِ في الحَيَوانِ ولا عن غيرِه مِنْ غيرِ الحَيَوانِ مُطلَقًا، سَواءٌ كانَ ظاهِرًا أو باطِنًا، سَواءٌ في ذلك الثِّيابُ والعَقارُ ونَحوُهما (٢).

قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: اعلَم أنَّ البَيعَ بشَرطِ البَراءةِ مِنْ العُيوبِ على ثَلاثةِ أضرُبٍ:

أحَدُها: أنَّه يُبرَأُ مِنْ عُيوبٍ سَمَّاها ووَقَفَ المُشتَري عليها.

والثاني: أنَّه يُبرَأُ مِنْ عُيوبٍ سَمَّاها ولَم يَقِفِ المُشتَري عليها.

(١) رواه الإمام مالك في «الموطأ» (١٢٩٧) باب: العيب في الرقيق.
(٢) «كفاية الآخيار» (٢٩٥)، و «الحاوي الكبير» (٥/ ٢٧١، ٢٧٣)، و «المهذب» (١/ ٢٨٨)، و «التنبيه» (٩٥)، و «الوسيط» (٣/ ٥٢٤، ٥٢٦)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٥٠٤، ٥٠٥)، و «أسنى المطالب» (٢/ ٦٣).

والثَّالثُ: أنَّه يُبرَأُ مِنْ كلِّ عَيبٍ بها مِنْ غيرِ أنْ يُسمِّيَها ولا أنْ يَقِفَ المُشتَري عليها.

أمَّا الضَّربُ الأوَّلُ -وهو أنْ يُبرَأَ مِنْ عُيوبٍ سَمَّاها ووَقَفَ المُشتَري عليها- فهذه بَراءةٌ صَحيحةٌ مِنْ بَيعٍ جائِزٍ، لا تَنفي الجَهالةَ عن البَراءةِ، ولُزومَ شَرطٍ في العَقدِ؛ فإنْ وجَد المُشتَري بالمَبيعِ غيرَ تلك العُيوبِ كانَ له الرَّدُّ، وإنْ لَم يَجِدْ إلَّا تلك العُيوبَ فليسَ له الرَّدُّ.

وأمَّا الضَّربُ الثاني -وهو أنْ يُبرَأَ مِنْ عُيوبٍ سَمَّاها ولَم يَقِفِ المُشتَري عليها- فهذا على ضَربَيْنِ:

أحَدُهما: أنْ تَكونَ العُيوبُ لازِمةً، كالبَرَصِ والجُذامِ.

والآخَرُ: أنْ تَكونَ غيرَ لازِمةٍ، كالسَّرِقةِ والإباقِ، فإنْ كانَتْ غيرَ لازِمةٍ صَحَّتِ البَراءةُ مِنها بالتَّسميةِ لها؛ لأنَّها غيرُ مُشاهَدةٍ، فلَم يُمكِنِ الوُقوفُ عليها، واكتَفَى بالتَّسميةِ لها؛ لأنَّ لِنَقصِ العَيبِ قِسطًا مِنْ الثَّمنِ يَزيدُ بزيادةِ العَيبِ ويَنقُصُ بنُقصانِه، فصارَتِ التَّسميةُ لها مع عَدَمِ مُشاهَدَتِها جَهلًا بها.

وأمَّا الضَّربُ الثَّالثُ -وهو أنْ يُبرَأَ ألبَتَّةَ مِنْ كلِّ عَيبٍ بها مِنْ غيرِ أنْ يُسَمِّيَها، ولا يَقِفَ المُشتَري عليها- فالَّذي نصَّ عليه الشافِعيُّ في اختِلافِ أبي حَنيفةَ وابنِ أبي لَيلَى أنَّ الذي يُذهَبُ إليه في الحَيَوانِ قَضاءُ عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رضي الله عنه: أنْ يُبرَأَ مِنْ كلِّ عَيبٍ لَم يَعلَمه، ولا يُبرَأَ مِنْ عَيبٍ عَلِمَه حتى يُسَمِّيَه لِلبائِعِ ويَقِفَه عليه تَقليدًا، وأنَّ الحَيَوانَ يُفارِقُ ما سِواه، وقالَ في

اختِلافِه هو ومالِكٌ: ولو ذهَب ذاهِبٌ إلى أنَّ مَنْ باعَ بالبَراءةِ بَرِئَ ممَّا عَلِمَ وممَّا لَم يَعلَم، لَكانَ مَذهبًا يُجافيه حُجَّةٌ.

واختلَف أصحابُنا لِاختِلافِ نَصِّه على ثَلاثةِ مَذاهبَ:

أحَدُها: وهو مَذهبُ أبي إسحاقَ المَروَزيِّ وأبي علِيِّ بنِ خَيرانَ: أنَّ المَسألةَ على قَولٍ واحِدٍ، وهو أنْ يُبرَأَ في الحَيَوانِ مِنْ كلِّ عَيبٍ لَم يَعلَمه دونَ ما عَلِمَه، ولا يُبرَأَ في غيرِ الحَيَوانِ مِنْ عَيبٍ أصلًا، سَواءٌ عَلِمَه أو لَم يَعلَمه.

والمَذهبُ الثاني: وهو قَولُ أبي عَلِيِّ بنِ أبي هُرَيرةَ: أنَّه يُبرَأُ في الحَيَوانِ ممَّا لَم يَعلَمه دونَ ما عَلِمَه، ولا يُبرَأُ في غيرِ الحَيَوانِ ممَّا عَلِمَه، وهل يُبرَأُ ممَّا لَم يَعلَمه؟ على قَولَيْنِ.

والمَذهبُ الثالِثُ: وهو قَولُ أبي العَبَّاسِ بنِ سُرَيجٍ وأبي سَعيدٍ الإصطَخريِّ وأبي حَفصِ بنِ الوَكيلِ: أنَّ المَسألةَ على ثَلاثةِ أقاويلَ:

أحَدُها: أنَّه يُبرَأُ مِنْ كلِّ عَيبٍ عَلِمَه أو لَم يَعلَمه في الحَيَوانِ، أو في غيرِ الحَيَوانِ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ.

والقَولُ الثاني: أنَّه لا يُبرَأُ مِنْ عَيبٍ أصلًا، سَواءٌ عَلِمَه أو لَم يَعلَمه في الحَيَوانِ وغيرِه.

والقَولُ الثالِثُ: أنَّه يُبرَأُ في الحَيَوانِ ممَّا لَم يَعلَمه دونَ ما عَلِمَه، ولا يُبرَأُ في غيرِ الحَيَوانِ، لا ممَّا يَعلَمُه ولا ممَّا لَم يَعلَم.

فإذا قيلَ بالأوَّلِ بأنَّه يُبرَأُ مِنْ كلِّ عَيبٍ، وهو قَولُ أبي حَنيفةَ، فوَجهُه قَولُ رَسولِ اللَّهِ : «المُؤمِنونَ عندَ شُروطِهم»، وما رُويَ أنَّ

رَجلَيْنِ اختَصَما إلى رَسولِ اللَّهِ في مَواريثَ قد دَرَستْ وتَقادَمتْ، فقالَ لهما النَّبيُّ : «إنَّكم تَختصِمونَ إلَيَّ ولَعَلَّ أحَدَكم ألحَنُ بحُجَّتِه؛ فمَن قَضَيتُ له مِنْ حَقِّ أخيه شَيئًا فلا يَأخُذْه، إنَّما أقطَعُ له قِطعةً مِنْ النَّارِ»، فبَكَيا وقالَ كلُّ واحِدٍ منهما: قد تَرَكتُ حَقِّي لِصاحِبي. فقالَ : «لا، ولَكِنِ اقتَسِما واستَهِما، وليُحلِلْ كلُّ واحِدٍ منكما صاحِبَه» (١)، فلمَّا أمَرَهما بالتَّحَلُّلِ مِنْ المَواريثِ المُتقادِمةِ المَجهولةِ دَلَّ على جَوازِ الإبراءِ مِنْ المَجهولِ، ولأنَّ الإبراءَ إسقاطُ حَقٍّ صَحَّ مَجهولًا ومعلومًا، كالعِتقِ، ولأنَّ ما لا يَفتقِرُ إلى التَّسليمِ يَصحُّ مع الجَهالةِ، وما يَفتقِرُ إلى التَّسليمِ لا يَصحُّ مع الجَهالةِ، كالبَيعِ، فلمَّا كانَ الإبراءُ لا يَفتقِرُ إلى التَّسليمِ صَحَّ في المَجهولِ، وإذا قيلَ بالثَّاني بأنَّه لا يُبرَأُ مِنْ عَيبٍ فوَجهُه نَهْيُ رَسولِ اللَّهِ عن الغَرَرِ، والإبراءُ عن المَجهولِ غَرَرٌ؛ لأنَّه لا يَقِفُ له على قَدْرٍ، ولأنَّ الإبراءَ كالهِبةِ، غيرَ أنَّ الإبراءَ يَختَصُّ بما في الذِّمَّةِ، والهِبةَ بالأعيانِ القائِمةِ، فلمَّا لَم تَصحَّ هِبةُ المَجهولِ لَم يَصحَّ الإبراءُ عن المَجهولِ، ولأنَّ كُلَّ جَهالةٍ يُمكِنُ الِاحتِرازُ مِنها لَم يُعفَ عنها، كالجَهالةِ بتَوابِعِ المَبيعِ، كالأساسِ وأطرافِ الأجداعِ وطَميِ البِئرِ؛ فلمَّا أمكَنَ الِاحتِرازُ مِنْ الجَهالةِ في الإبراءِ وجَب أنْ تَكونَ الجَهالةُ مانِعةً مِنْ صِحَّةِ الإبراءِ، ولأنَّ الرَّدَّ بالعَيبِ مُستحَقٌّ بعدَ لُزومِ العَقدِ؛ فلَم يَجُزْ أنْ يَسقُطَ بشَرطٍ قبلَ لُزومِ العَقدِ؛ لأنَّه إسقاطُ حَقٍّ قبلَ وُجوبِه، ألَا

(١) حديث حسن: رواه أبو داود (٣٥٨٤).

تَرَى أنَّ الشَّفيعَ لو عَفا قبلَ الشِّراءِ لَم تَسقُطْ شُفعَتُه بعدَ الشِّراءِ؛ لأنَّه أسقَطَها قبلَ وُجوبِها، كذلك البَيعُ بشَرطِ البَراءةِ.

وإذا قيلَ بالثَّالثِ بأنَّه يُبرَأُ في الحَيَوانِ ممَّا لَم نَعلَمه دونَ ما عَلِمَه، ولا يُبرَأُ في غيرِ الحَيَوانِ ممَّا عَلِمَه وممَّا لَم يَعلَمه؛ فوَجهُه قَضاءُ عُثمانَ، وهو ما رُويَ أنَّ زَيدَ بنَ ثابِتٍ ابتاعَ مِنْ عَبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ رضي الله عنه عَبدًا بثَمانِمِئةِ دِرهَمٍ على شَرطِ البَراءةِ، فوجَد بالعَبدِ عَيبًا، فأرادَ رَدَّه على ابنِ عمرَ رضي الله عنه، فلَم يَقبَلْه؛ فتَحاكَما فيه إلى عُثمانَ بنِ عَفَّانَ رضي الله عنه فقالَ لِابنِ عمرَ رضي الله عنه: أتَحلِفُ إنَّكَ لَم تَعلَم بهذا العَيبِ؟ فاتَّقَى اليَمينَ واستَرَدَّ العَبدَ، فباعَه بألْفٍ وسِتِّمِئةِ دِرهَمٍ؛ فقالَ: تَرَكتُ اليَمينَ لِلَّهِ فعَوَّضَني.

فقد قَضى عُثمانُ بالفَرقِ في عُيوبِ الحَيَوانِ بينَ ما عَلِمَه وما لَم يَعلَمه، وحُكِمَ بالبَراءةِ ممَّا لَم يَعلَم، وتابَعَه زَيدُ بنُ ثابِتٍ وابنُ عمرَ رضي الله عنهما؛ لأنَّ زَيدًا رضي الله عنه رَضيَ بقَضائِه، وابنَ عمرَ رضي الله عنه لَم يَقُلْ بخِلافِه، وإنَّما امتَنَعَ مِنْ قَبولِه؛ لأنَّ العَيبَ ممَّا لَم يَعلَم به … ثم قالَ: ذكَر الشافِعيُّ في أنَّ الحَيَوانَ يُفارِقُ ما سِواه؛ لأنَّه يَغتَذي بالصِّحَّةِ والسَّقَمِ، وتُحوَّلُ طَبائِعُه، وقَلَّما يَخلو مِنْ عَيبٍ وإنْ خَفِيَ، فلَم يَكُنْ الِاحتِرازُ مِنْ عُيوبِه الخَفيةِ بالإشارةِ إليها والوُقوفِ عليها، وليسَ كذلك في غيرِ الحَيَوانِ؛ لأنَّه قد يَخلو مِنْ العُيوبِ ويُمكِنُ الِاحتِرازُ منها بالإشارةِ إليها؛ لِظُهورِها، فدَلَّ على افتِراقِ الحَيَوانِ وغيرِه مِنْ جِهةِ المَعنَى مع ما ذَكَرنا مِنْ قَضيَّةِ عُثمانَ رضي الله عنه (١).

(١) «الحاوي الكبير» (٥/ ٢٧١، ٢٧٣)، و «روضة الطالبين» (٣/ ١٢٤).

وذهَب المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والشافِعيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّه لا يَصحُّ اشتِراطُ البَراءةِ مِنْ العُيوبِ؛ فمَن باعَ سِلعةً على أنَّها ليسَ بها عَيبٌ، وإنْ ظهَر بها عَيبٌ لَم تُرَدَّ عليه، لَم يُعمَلْ بهذا الشَّرطِ، ولِلمُشتَري الرَّدُّ بما وجَده فيها مِنْ العَيبِ القَديمِ، ولا تَنفَعُه البَراءةُ مِنه إلَّا في الرَّقيقِ، عندَ المالِكيَّةِ، وعَلَّلَ الشافِعيَّةُ المَنعَ بأنَّ النَّبيَّ نهَى عن الغَرَرِ، والإبراءَ عن المَجهولِ غَرَرٌ؛ لأنَّه لا يَقِفُ له على قَدْرٍ، ولأنَّ الإبراءَ كالهِبةِ، غيرَ أنَّ الإبراءَ يَختَصُّ بما في الذِّمَّةِ، والهِبةَ بالأعيانِ القائِمةِ، فلمَّا لَم تَصحَّ هِبةُ المَجهولِ لَم يَصحَّ الإبراءُ عن المَجهولِ، ولأنَّ كُلَّ جَهالةٍ يُمكِنُ الِاحتِرازُ مِنها لَم يُعفَ عنها كالجَهالةِ بتَوابِعِ المَبيعِ، كالأساسِ وأطرافِ الأجداعِ وطَميِ البِئرِ، فلمَّا أمكَنَ الِاحتِرازُ مِنْ الجَهالةِ في الإبراءِ وجَب أنْ تَكونَ الجَهالةُ مانِعةً مِنْ صِحَّةِ الإبراءِ، ولأنَّ الرَّدَّ بالعَيبِ مُستحَقٌّ بعدَ لُزومِ العَقدِ، فلَم يَجُزْ أنْ يَسقُطَ بشَرطٍ قبلَ لُزومِ العَقدِ؛ لأنَّه إسقاطُ حَقٍّ قبلَ وُجوبِه، ألَا تَرَى أنَّ الشَّفيعَ لو عَفا قبلَ الشِّراءِ لَم تَسقُطْ شُفعَتُه بعدَ الشِّراءِ؛ لأنَّه أسقَطَها قبلَ وُجوبِها، كذلك البَيعُ بشَرطِ البَراءةِ (١). وهذا في الجُملةِ، وتَفصيلُه كالآتي:

قالَ المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ بَيعُ البَراءةِ في شَيءٍ مِنْ السِّلَعِ المَأكولةِ والمَشروبةِ، ولا غيرِها مِنْ العُروضِ كُلِّها، إلَّا الرَّقيقَ خاصَّةً؛ فلا يَنْفَعُ البائِعَ التَّبَرِّي ممَّا لَم يَعلَم في سِلعةٍ مِنْ العُيوبِ؛ فإنْ باعَ سِلعةً على أنَّها ليسَ بها

(١) «الحاوي الكبير» (٥/ ٢٧٢، ٢٧٣).

عَيبٌ، وإنْ ظهَر بها عَيبٌ، لَم تُرَدَّ عليه، لَم يُعمَلْ بهذا الشَّرطِ، ولِلمُشتَري الرَّدُّ بما وجَده فيها مِنْ العَيبِ القَديمِ، ولا تَنفَعُه البَراءةُ مِنه، إلَّا في الرَّقيقِ خاصَّةً، إذا بِيعَ على البَراءةِ مِنْ العُيوبِ، ثم اطَّلَعَ المُشتَري على عَيبٍ قَديمٍ عندَ البائِعِ، فلا رَدَّ له، لكنْ بشَرطَيْنِ:

الأوَّلُ: ألَّا يَعلَمَ البائِعُ به؛ فإنْ عَلِمَ به فلا يَنفَعُه التَّبَرِّي مِنه، إلَّا إذا بيَّنه تَفصيلًا أو أراه إيَّاه.

والشَّرطُ الثاني: إنْ طالَتْ إقامةُ الرَّقيقِ عندَ بائِعِه؛ حَدَّ بَعضُهم الطُّولَ بنِصفِ سَنةٍ فأكثَرَ، بخِلافِ ما إذا لَم تَطُلْ إقامَتُه عندَ مالِكِه، فلا يَنفَعُه التَّبَرِّي ممَّا لا يَعلَمُه. ولِمُشتَريه الرَّدُّ إنْ وجَد به عَيبًا؛ لأنَّ شَأنَ الرَّقيقِ أنْ يَكتُمَ عُيوبَه، فليسَ لِمالِكِه التَّبَرِّي إذا لَم يَطُلْ زَمَنُه عندَه، بخِلافِ ما إذا طالَ؛ لأنَّ الطُّولَ ممَّا يُظهِرُ المُخبَّآتِ، فإذا لَم يَظهَرْ لِسَيِّدِه عَيبٌ فيه كانَ الشَّأنُ عَدَمَه، ويَنفَعُه التَّبَرِّي منه (١).

وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: مَنْ باعَ شَيئًا أو غيرَه بالبَراءةِ مِنْ كلِّ عَيبٍ لَم يُبرَأْ، سَواءٌ عَلِمَ به البائعُ أو لَم يَعلَم.

وكذلك إنْ لَم يُعمِّمْ ولَم يُبيِّنْ، بأنْ قالَ: مِنْ عَيبِ كذا، إنْ كانَ فيه؛ لأنَّه

(١) «الاستذكار» (٦/ ٢٨٣)، و «الكافي» (٣٤٩)، و «الإشراف» (٢/ ٤٩٤) رقم (٨١٢)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٦٠٥)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ١٨١)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٦/ ٤٥٥)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ١٢٩).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
(خيار المتبايعين)

(خِيَار المُتَبَايِعَيْنِ)

أىْ بَابُ خِيَارِ المُتَبايِعَيْنِ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا.

٧٠٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم رحمه اللهُ: (وَالمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأبْدَانِهِمَا)

فى هذه المَسْألةِ ثلاثةُ فُصولٍ، أحَدُها، أنَّ البَيْعَ يَقَعُ جَائِزًا، ولِكُلٍّ مِنَ المُتَبَايِعَيْنِ الخِيَارُ فى فَسْخِ البَيْعِ، ما دَامَا مُجْتَمِعَيْنِ، لم يَتَفَرَّقَا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، يُرْوَى ذلك عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، وأبِى هُرَيْرَةَ، وأبى بَرْزَةَ ، وبه قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، وعَطَاءٌ، وطَاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ، وابنُ أبى ذِئْبٍ، والشافِعيُّ، وإسحَاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مَالِكٌ وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَلْزَمُ العَقْدُ بالإيجَابِ والقَبُولِ، ولا خِيارَ لهما؛ لأنَّه رُوِىَ عن عمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: البَيْعُ صَفْقَةٌ أو خِيَارٌ. ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَزِمَ بمُجَرَّدِه، كَالنِّكاحِ والخُلْعِ. ولنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: "إذا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وكَانَا جَمِيعًا، أوْ يُخَيِّرُ أحَدُهما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وإن تَفَرَّقَا بَعْدَ أنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" . مُتَّفَقٌ عليه . وقال

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 570 - 584

ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده