لو علم بالعيب بعد زوال ملكه عنه أو هلاكه

الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > لو علم بالعيب بعد زوال ملكه عنه أو هلاكه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

لو علم بالعيب بعد زوال ملكه عنه أو هلاكه - الأقوال والأدلة

وعندَ مالِكٍ أنَّه إذا صَحَّ أنَّه دلَّس بالعَيبِ وجَب عليه الرَّدُّ مِنْ غيرِ أنْ يَدفَعَ إليه المُشتَري قيمةَ العَيبِ الذي حدَث عندَه؛ فإنْ ماتَ بسَبَبِ ذلك العَيبِ كانَ ضَمانُه على البائِعِ بخِلافِ الذي لَم يَثبُتْ أنَّه دلَّس فيه.

وأمَّا حُجَّةُ أبي مُحمَّدٍ فلأنَّه أمرٌ حدَث مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، كما لو حدَث في مِلكِ البائِعِ، فإنَّ الرَّدَّ بالعَيبِ دالٌّ على أنَّ البَيعَ لَم يَنعقِدْ في نَفْسِه، وإنَّما انعقَد في الظَّاهِرِ، وأيضًا فلا كِتابَ ولا سُنَّةَ يُوجِبانِ على مُكلَّفٍ غُرمًا ما لَم يَكُنْ له تَأثيرٌ في نَقصِه، إلَّا أنْ يَكونَ على جِهةِ التَّغليظِ عندَ مَنْ ضَمَّنَ الغاصِبَ ما نقَص عندَه بأمرٍ مِنْ اللَّهِ ، فهذا حُكمُ العُيوبِ الحادِثةِ في البَدَنِ (١).

لو عَلِمَ بالعَيبِ بعدَ زَوالِ مِلكِه عنه أو هَلاكِه:

اختلَف الفُقهاءُ فيمَنِ اشتَرَى شَيئًا ثم زالَ مِلكُه عنه إلى غيرِه أو هلَك ثم عَلِمَ بعَيبٍ كانَ به، هل له أنْ يَأخُذَ أرشَ العَيبِ أو ليسَ له شَيءٌ؟ على تَفصيلٍ في كلِّ مَذهبٍ:

قالَ الحَنفيَّةُ: إذا هلَك المَبيعُ عندَ المُشتَري ثم اطَّلَعَ على عَيبٍ فيه رجَع بنُقصانِ العَيبِ سَواءٌ كانَ بعدَ العِلمِ به أو قبلَه، وكذا إذا تَغيَّرتْ صورةُ المَبيعِ بحيثُ أصبَحَ له اسمٌ جَديدٌ، بأنْ قطَع المُشتَري الثَّوبَ وخاطَه بعدَ أنْ كانَ قَمَّاشًا أو طَحَنَ الحِنطةَ بعدَ كَونِها حَبًّا، ثم صارَتْ دَقيقًا، ثم اطَّلَعَ على عَيبٍ رجَع بنُقصانِه.

(١) «بداية المجتهد» (٢/ ١٣٧).

أمَّا إنِ استَهلَكَ المَبيعَ فلا رُجوعَ مُطلَقًا بالنُّقصانِ بلا خِلافٍ، وكذا لو باعَه أو وهَبه ثم اطَّلَعَ على عَيبٍ لَم يَرجِعْ إجماعًا.

إلَّا الطَّعامَ، إذا أكَلَه المُشتَري، أو الثَّوبَ إذا لَبِسَه فتَخرَّقَ، ثم اطَّلَعَ على العَيبِ، لَم يَرجِعْ بشيءٍ عندَ الإمامِ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ المُشتَريَ بأكلِ الطَّعامِ ولُبسِ الثَّوبِ أخرَجَهما عن مِلكِه حَقيقةً؛ إذ المِلْكُ فيهما ثبَت مُطلَقًا، لا مُؤقَّتًا، فامتَنَعَ الرَّدُّ بفِعلٍ مَضمونٍ منه في المَبيعِ، فصارَ كما لو باعَه.

وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ له أنْ يَرجِعَ بنُقصانِ العَيبِ؛ لأنَّ الأكلَ واللُّبسَ تَصرُّفٌ مِنْ المُشتَري في المَبيعِ فيما وُضِعَ له، وأنَّه انتِفاعٌ لا إتلافٌ؛ فأشبَهَ الإعتاقَ.

والمُرادُ بالطَّعامِ هو المَكيلُ والمَوزونُ.

ولو أكَلَ بَعضَ الطَّعامِ ثم عَلِمَ بالعَيبِ لَم يَرُدَّ البَقيَّةَ ولا يَرجِعُ بالأرشِ فيما أكَلَ، ولا فيما بَقيَ عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ الطَّعامَ كالشَّيءِ الواحِدِ.

واختلَف النَّقلُ عن أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ، فرُويَ عنهما أنَّه يَرُدُّ ما بَقيَ ويَرجِعُ بنُقصانِ ما أكَلَ.

ورُويَ عَنهُما: أنَّه لا يَرُدُّ ما بَقيَ ويَرجِعُ بأرشِ العَيبِ في الجَميعِ.

وهذا كُلُّه في أكلِ البَعضِ، أمَّا لو باعَ بَعضَ المَكيلِ والمَوزونِ فعندَهُما: لا يَرُدُّ ما بَقيَ ولا يَرجِعُ بشَيءٍ، وعَن مُحمَّدٍ: يَرُدُّ ما بَقيَ ولا يَرجِعُ بنُقصانِ ما باعَ.

وعن مُحمَّدٍ: لا يَرجِعُ بنَقصِ ما باعَ، ويَرُدُّ البَقيَّةَ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ.

والحاصِلُ أنَّ المُفتَى به أنَّه لو باعَ بَعضًا أو أكَلَه يَرُدُّ البَقيَّةَ ويَرجِعُ بنَقصِ ما أكَلَ، لا بنَقصِ ما باعَ.

والفَرقُ أنَّه بالأكلِ تَقرَّرَ العَقدُ؛ فتَقرَّرتْ أحكامُه، وبِالبَيعِ يَنقَطِعُ المِلْكُ فتَنقَطِعُ أحكامُه.

ولو وجَد ببَعضِ المَكيلِ أو المَوزونِ عَيبًا له رَدَّه كُلَّه أو أخَذه، إذا كانَ كُلُّه باقيًا في مِلكِه لَم يَتصرَّفْ في شَيءٍ مِنه.

فيُفرَّقُ بينَ ما إذا بَقيَ كُلُّه، وبينَ ما إذا تَصرَّفَ ببَعضِه ببَيعٍ أو أكْلٍ (١).

وقالَ المالِكيَّةُ: إذا فاتَ المَبيعُ ثم اطَّلعَ المُشتَري على عَيبٍ قَديمٍ فيه فليسَ له الرَّدُّ، وله الأرشُ؛ فيُقوَّمُ المَبيعُ يَومَ ضمِنه المُشتَري سالِمًا بمِئةٍ، ومَعيبًا بثَمانينَ؛ فإنْ نقَصه العَيبُ خُمُس القيمةِ يَرجِعُ على البائِعِ بخُمُسِ الثَّمنِ كيفَ كانَ، ولو اختَلَفا في صِفةِ المَبيعِ فالقَولُ قَولُ البائِعِ إنِ انتَقَدَ، وإلَّا فالقَولُ قَولُ المُشتَري.

ولو تَعلَّقَ بالمَبيعِ المَعيبِ حَقٌّ مِنْ رَهنٍ أو إجارةٍ أو عاريةٍ أو إخدامٍ، وحصَل ذلك مِنْ مُشتَريه قبلَ عِلمِه بالعَيبِ؛ فإنَّ ذلك لا يَمنَعُ مِنْ رَدِّه إذا خُلِّصَ ممَّا تَعلَّقَ به إنْ لَم يَتغيَّرْ، وبَقيَ على حالِه.

وكذا إنْ عادَ المَبيعُ لِبائِعِه بعدَ خُروجِه مِنْ مِلكِه غيرَ عالِمٍ بالعَيبِ،

(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٩٠)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٣٦٦)، و «العناية» (٩/ ٤٥)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٦٤، ٦٧)، و «اللباب» (١/ ٣٧٤)، و «الاختيار» (٢/ ٢٤)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٥٣)، و «خلاصة الدلائل» (٢/ ٥٠)، و «حاشية ابن عابدين» (٥/ ٢١، ٢٢)، و «الهندية» (٢/ ٧٩).

كعَودِه له بعَيبٍ أو بمِلْكٍ مُستَأنَفٍ، كبَيعٍ أو هِبةٍ أو إرثٍ، فلَه رَدُّه على بائِعِه الأوَّلِ.

وإذا باعَ المُشتَري ما اشتَراه قبلَ اطِّلاعِه على عَيبِه القَديمِ لِغيرِ بائِعِه فلا رُجوعَ على بائِعِه بشَيءٍ، سَواءٌ باعَه بمِثلِ ثَمَنِه الذي اشتَراه به أو بأقَلَّ أو بأكثَرَ، وإنْ باعَه لِبائِعِه بمِثلِ الثَّمنِ أو بأكثَرَ، سَواءٌ أكانَ البائِعُ دلَّس عليه أم لا، وكانَ دلَّس عليه، فلا رُجوعَ لِلمُشتَري أيضًا على بائِعِه بشَيءٍ، ولا رُجوعَ لِلبائِعِ على المُشتَري بالزَّائِدِ.

وإنْ لَم يُدلِّسْ عليه، فإنَّ المَبيعَ يُرَدُّ على المُشتَري وهو البائِعُ الثاني بأكثَرَ إنْ شاءَ البائِعُ الأوَّلُ، وأخَذ منه ثَمَنَه، ثم إنْ شاءَ المُشتَري تَمسَّكَ بالمَبيعِ المَعيبِ، وإنْ شاءَ رَدَّ ذلك على بائِعِه الأوَّلِ، وأخَذ مِنه ثَمَنَه، وتَقَعُ المُقاصَّةُ بينَهما، ويَدفَعُ ما بَقيَ لِلبائِعِ الأوَّلِ، وإنْ باعَه لِبائِعِه الأوَّلِ بأقَلَّ ممَّا اشتَراه به منه كما لو باعَه بعَشَرةٍ، ثم اشتَراه مِنه بثَمانيةٍ فإنَّ البائِعَ الأوَّلَ يُكمِلُ لِلمُشتَري ثَمَنَه، فيَدفَعُ له الدِّرهمَيْنِ بَقيَّةَ ثَمَنِه دلَّس أو لا.

وهذا كُلُّه إذا لَم يَتغيَّرْ، فإنْ تَغيَّرَ ففيه تَفصيلٌ، وهو أنَّ التَّغيُّرَ إمَّا مُتوَسِّطٌ أو قَليلٌ جِدًّا، أو مُخرِجٌ عن المَقصودِ.

ومُحصِّلُه أنَّ العَيبَ الحادِثَ عندَ المُشتَري لا يَخلو مِنْ ثَلاثةِ أقسامٍ: مُخرِجٍ عن المَقصودِ، ويَسيرٍ جِدًّا، ومُتوسِّطٍ بينَهما؛ فإذا حدَث عندَ المُشتَري عَيبٌ مُتوسِّطٌ، واطَّلَعَ على عَيبٍ قَديمٍ فإنَّه يُخيَّرُ بينَ أنْ يَتمسَّكَ بالمَبيعِ ويَأخُذَ أرشَ العَيبِ القَديمِ مِنْ البائِعِ، أو يَرُدَّه ويَدفَعَ أرشَ العَيبِ

الحادِثِ عندَه، وهذا التَّخييرُ ما لَم يَقبَلْه البائِعُ بالحادِثِ، فحينَئذٍ يَصيرُ ما حدَث عندَ المُشتَري كالعَدَمِ، ويُخيَّرُ بينَ أنْ يَتمسَّكَ ولا شَيءَ له، أو يَرُدَّ ولا شَيءَ عليه.

وتَقويمُ العَيبِ القَديمِ والحادِثِ بسَبَبِ تَقويمِ المَبيعِ، لا بانفِرادِهما؛ فإذا قيلَ: قيمَتُه صَحيحًا عَشَرةٌ، وبِالقَديمِ ثَمانيةٌ، وبِالحادِثِ سِتَّةٌ؛ فإنْ رَدَّ دَفَعَ لِلبائِعِ دينارَيْنِ، وإنْ تَمسَّكَ أخَذ مِنه دينارَيْنِ، وإنْ زادَ الثَّمنَ أو نقَص فنِسبةُ ذلك مِنه، ويَكونُ التَّقويمُ يَومَ دُخولِ المَبيعِ في ضَمانِ المُشتَري.

والعَيبُ القَليلُ جِدًّا -كوَعكٍ ورَمَدٍ وصُداعٍ وذَهابِ ظُفرٍ وخَفيفِ حُمَّى ووَطءِ ثَيِّبٍ وقَطعِ مُعتادٍ- فلا خيارَ لِلمُشتَري حينَئذٍ في التَّمسُّكِ، وأخذِ الأرشِ، بَلْ له التَّمسُّكُ ولا شَيءَ له، أو الرَّدُّ ولا شَيءَ عليه.

فإنْ كانَ العَيبُ الذي حدَث عندَ المُشتَري يَسيرًا فإنَّه يَكونُ كالعَدَمِ؛ فإنْ رجَع المَبيعَ بالعَيبِ القَديمِ لَم يَرُدَّ لِلحادِثِ شَيئًا.

والتَّغيُّرُ الحادِثُ عندَ المُشتَري المُخرِجُ عن المَقصودِ مِنْ المَبيعِ، بذَهابِ المَنافِعِ المَقصودةِ منه، فإنَّه يَكونُ مُفِيتًا لِرَدِّه على البائِعِ، لكنْ يَرجِعُ عليه بالأرشِ القَديمِ، كما إذا اشتَرَى صَغيرًا وكَبُرَ عندَه، أو كَبيرًا وهَرِمَ عندَه، ثم اطَّلَعَ بعدَ ذلك على عَيبٍ قَديمٍ، فإنَّ ذلك مُفيتٌ يَمنَعُ مِنْ رَدِّه ويُوجِبُ الرُّجوعَ بقيمةِ العَيبِ، وإنْ كَرِهَ البائِعُ.

وهذا إذا لَم يَهلِكْ بعَيبِ التَّدليسِ، فإنْ دلَّس بعَيبٍ يُهلِكُ المَبيعَ بسَبَبِه ونَحوِه، فإنَّ المُشتَري يَرجِعُ عليه بجَميعِ الثَّمنِ ولا شَيءَ عليه بسَبَبِ ما حدَث عندَه.

ومَن اشتَرَى شَيئًا مُتعدِّدًا بسِلعةٍ ثم اطَّلَعَ على عَيبٍ ببَعضِهِ فإنَّه إنْ رَدَّه رجَع بنِسبَتِه مِنْ قيمةِ السِّلعةِ، لا بجُزئِها، على المَشهورِ، وقالَ أشهَبُ: يَرجِعُ بما يُقابِلُ العَيبَ مِنْ السِّلعةِ (١).

وقالَ الشافِعيَّةُ: لو هلَك المَبيعُ -غيرُ الرِّبَويِّ المَبيعُ بجِنسِه- عندَ المُشتَري، سَواءٌ كانَ بآفةٍ سَماويَّةٍ أو بغيرِها، كأنْ ماتَ، أو تلِف الثَّوبُ، أو أُكِلَ الطَّعامُ، ثم عَلِمَ العَيبَ به، رجَع بالأرشِ؛ لِتَعذُّرِ الرَّدِّ بفَواتِ المَبيعِ حِسًّا أو شَرعًا.

والأرشُ جُزءٌ مِنْ الثَّمنِ، نِسبَتُه إليه نِسبةُ ما يُنقِصُ العَيبُ مِنْ قيمةِ المَبيعِ لو كانَ سَليمًا، إلى تَمامِ القيمةِ، وإنَّما كانَ الرُّجوعُ بجُزءٍ مِنْ الثَّمنِ؛ لأنَّه لو بَقيَ كلُّ المَبيعِ عندَ البائِعِ كانَ مَضمونًا عليه بالثَّمنِ؛ فإذا احتَبَسَ جُزءًا مِنه كانَ مَضمونًا بجُزءٍ مِنْ الثَّمنِ.

مِثالُه: كانَتِ القيمةُ مِئةً دونَ العَيبِ، وتِسعينَ مع العَيبِ؛ فالتَّفاوُتُ بالعُشرِ، فيَكونُ الرُّجوعُ بعُشرِ الثَّمنِ؛ فإنْ كانَ مِئتَيْنِ فبعِشرينَ، وإنْ كانَ خَمسينَ فبِخَمسةٍ.

وأمَّا القيمةُ المُعتبَرةُ فالمَذهبُ أنَّها يُعتبَرُ أقَلُّ القيمَتَيْنِ مِنْ يَومِ البَيعِ،

(١) «تحبير المختصر» (٣/ ٦١٧، ٦٣٠)، و «الإشراف على مسائل نكت الخلاف» (٢/ ٤٩٩)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ٢٠٢، ٢١٣)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ١٣٨، ١٤٦)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ٨٢)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٢٩١، ٣١٠).

ويَومِ القَبضِ، وبهذا قطَع الأكثَرونَ، وقيلَ فيها أقوالٌ أظهَرُها هذا، والثاني: يَومُ القَبضِ، والثالِثُ: يَومُ البَيعِ.

ولو عَلِمَ بالعَيبِ في المَبيعِ بعدَ زَوالِ مِلكِه عنه بعِوَضٍ أو غيرِه، إلى غيرِه، وهو باقٍ بحالِه في يَدِ الآخَرِ، أو بعدَ، نَحوَ رَهنِه عندَ غيرِ البائِعِ، فلا أرشَ له في الأصَحِّ؛ لأنَّه لَم يَيأسْ مِنْ الرَّدِّ؛ لأنَّه قد يَعودُ له، فإنْ عاد المِلْكُ له فيه فله الرَّدُّ؛ لِإمكانِه، سَواءٌ عادَ إليه بالرَّدِّ بالعَيبِ أو بغيرِه، كبَيعٍ أو هِبةٍ أو وَصيَّةٍ أو إرْثٍ أو إقالةٍ؛ لِزَوالِ المانِعِ.

وقيلَ: إنْ عادَ المَبيعُ إليه بغيرِ الرَّدِّ بعَيبٍ فلا رَدَّ له؛ لأنَّه استَدرَكَ الظُّلامةَ.

وفي مُقابِلِ الأصَحِّ يَجِبُ له الأرشُ، كما لو تلِف.

ولو تَعذَّرَ العَودُ لِتَلَفٍ رجَع بالأرشِ المُشتَري الثَّاني على الأوَّلِ، والأوَّلُ على بائِعِه، وله الرُّجوعُ عليه قبلَ الغُرمِ لِلثاني مع إبرائِه منه.

وليسَ لِلمُشتَري الثاني رَدُّه على البائِعِ الأوَّلِ؛ لأنَّه لَم يَملِكْ منه (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: لو تلِف المَبيعُ، ولو بفِعلِ المُشتَري، كأكْلِه، ونَحوِه، أو باعَ المُشتَري المَبيعَ أو وهَبه أو رَهَنَه أو وَقَفَه غيرَ عالِمٍ بعَيبِه، ثم عَلِمَ، تَعيَّنَ الأرشُ، وسقَط الرَّدُّ؛ لِتَعذُّرِه، ويُقبَلُ قَولُ المُشتَري في قيمةِ المَبيعِ.

ويَكونُ الأرشُ مِلكًا لِلمُشتَري؛ لأنَّه في مُقابَلةِ الجُزءِ الفائِتِ مِنْ المَبيعِ.

(١) «روضة الطالبين» (٣/ ١٢٥، ١٢٨)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٥٠٦، ٥٠٩)، و «كنز الراغبين مع حاشية قليوبي وعميرة» (٢/ ٥٠٥، ٥٠٩)، و «النجم الوهاج» (٤/ ١٣٠، ١٣٣)، و «الديباج» (٢/ ٧١، ٧٣)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٤٥، ٥٣).

لكنْ لو رَدَّ المَبيعَ على المُشتَري وقد عَلِمَ بعَيبِه فله رَدُّه على بائِعِه، أو أرشُه، ولا يَكونُ البَيعُ مانِعًا من ذلك لِعَودِه لِمِلكِه بالرَّدِّ عليه.

ولو أُخِذَ مِنْ المُشتَري الأوَّلِ أرشُ العَيبِ، ولَم يَفسَخِ المُشتَري الثاني فلِلمُشتَري الأوَّلِ الأرشُ، ومَفهومُه ليسَ مُرادًا، بَلْ له أخذُ الأرشِ، سَواءٌ أخَذ المُشتَري منه أرشَه أو لا.

وإنْ فعَل المُشتَري ذلك -أي: ما ذُكِرَ مِنْ البَيعِ ونَحوِه- في المَبيعِ عالِمًا بعَيبِه، ولَم يَختَرِ الإمساكَ فلا أرشَ له، أو تَصرَّفَ المُشتَري في المَبيعِ بعدَ عِلمِه بالعَيبِ بما يَدلُّ على الرِّضا بالعَيبِ، ولَم يَختَرِ الإمساكَ مع الأرشِ قبلَ تَصرُّفِه المَذكورِ فلا أرشَ له لِلعَيبِ؛ لأنَّه قد رَضيَ بالمَبيعِ ناقِصًا، فسقَط حَقُّه مِنْ الأرشِ كما أنَّه لا رَدَّ له.

وعن الإمامِ أحمدَ -وهو الأصوَبُ-: له الأرشُ، كما لو كانَ اختارَ إمساكَه قبلَ تَصرُّفِه؛ لأنَّه -وإنْ دَلَّ على الرِّضا مع الأرشِ- كإمساكِه.

وإنْ باعَ المُشتَري بَعضَ المَبيعِ غيرَ عالِمٍ بعَيبِه فله أرشُ الباقي الذي لَم يَبِعْه بلا نِزاعٍ، ولا يَرُدُّ البَقيَّةَ على البائِعِ لِتَضرُّرِه بتَفريقِ المَبيعِ؛ فإذا باعَ النِّصفَ مَثَلًا، كانَ له أخذُ نِصفِ الأرشِ، وإنْ باعَ الرُّبُعَ كانَ له ثَلاثةُ أرباعِ الأرشِ، وهل له أرشُ ما باعَه؟ فيه رِوايَتانِ، أصَحُّهما: له الأرشُ أيضًا.

وإنْ باعَ بَعضَه عالِمًا بعَيبِه فكما لو باعَه كُلَّه على الخِلافِ السَّابِقِ.

وإنْ صَبَغَ المُشتَري المَبيعَ المَعيبَ أو نَسجَه غيرَ عالِمٍ بعَيبِه فله الأرشُ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشفعة
فصل في بيان ما يبطل به حق الشفعة بعد ثبوته

عِبَارَاتُ الْمَشَايِخِ؛ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ الرَّازِيّ رحمة الله عليه أَنَّ الشَّفِيعَ يَقُولُ طَلَبْتُ الشُّفْعَةَ وَأَطْلُبُهَا وَأَنَا طَالِبُهَا، وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ طَلَبْتُ الشُّفْعَةَ فَحَسْبُ، وَعَنْ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ الْهِنْدُوَانِيُّ رحمة الله عليه أَنَّهُ لَا يُرَاعَى فِيهِ أَلْفَاظُ الطَّلَبِ بَلْ لَوْ أَتَى بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الطَّلَبِ أَيَّ لَفْظٍ كَانَ يَكْفِي، نَحْوُ أَنْ يَقُولَ ادَّعَيْتُ الشُّفْعَةَ أَوْ سَأَلْتُ الشُّفْعَةَ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الطَّلَبِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ؛ لِأَنَّ الْحَاجَةَ إلَى الطَّلَبِ وَمَعْنَى الطَّلَبِ يَتَأَدَّى بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ بِلَفْظِ الطَّلَبِ أَوْ بِغَيْرِهِ.

(وَأَمَّا) حُكْمُ الطَّلَبِ فَهُوَ اسْتِقْرَارُ الْحَقِّ فَالشَّفِيعُ إذَا أَتَى بِطَلَبَيْنِ صَحِيحَيْنِ اسْتَقَرَّ الْحَقُّ عَلَى وَجْهٍ لَا يَبْطُلُ بِتَأْخِيرِ الْمُطَالَبَةِ بِالْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ أَبَدًا حَتَّى يُسْقِطَهَا بِلِسَانِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى قَالَ: إذَا تَرَكَ الْمُخَاصَمَةَ إلَى الْقَاضِي فِي زَمَانٍ يَقْدِرُ فِيهِ عَلَى الْمُخَاصَمَةِ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، وَلَمْ يُوَقِّتْ فِيهِ وَقْتًا.

وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَدَّرَهُ بِمَا يَرَاهُ الْقَاضِي، وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَزُفَرُ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: إذَا مَضَى شَهْرٌ بَعْدَ الطَّلَبِ وَلَمْ يَطْلُبْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ بَطَلَتْ شُفْعَتُهُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 608 - 615

ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل