الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > من اشترى شيئا مأكوله في جوفه؛ فكسره فوجده فاسدا
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 23 دقيقة قراءةخيارٌ يثبُتُ بعدَ البَيعِ، فلا يَسقُطُ، كالشُّفعةِ. فإنْ وجَد المُشتَري بالمَبيعِ عَيبًا فله الخِيارُ؛ لأنَّه إنَّما يثبُتُ بعدَ البَيعِ، فلا يَسقُطُ بإسقاطِه قبلَه شَيءٌ.
والشَّرطُ فاسِدٌ، والبَيعُ صَحيحٌ على الصَّحيحِ مِنْ المَذهبِ؛ لأنَّ ابنَ عمرَ رضي الله عنه باعَ بشَرطِ البَراءةِ، فأجمَعوا على صِحَّتِه، ولَم يُنكِرْه مُنكِرٌ؛ فعلى هذا لا يَمنَعُ الرَّدَّ بوُجودِ الشَّرطِ، ويَكونُ وُجودُه كعَدَمِه.
وعن الإمامِ أحمدَ أنَّه يُبرَأُ، إلَّا أنْ يَكونَ البائِعُ عَلِمَ العَيبَ فكتَمه، واختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ.
ونقَل ابنُ هانِئٍ أنَّه إنْ عَيَّنَه صَحَّ؛ لأنَّه مِرفَقٌ في البَيعِ، كالأجَلِ والخيارِ (١).
مَنِ اشتَرَى شَيئًا مأكولُه في جَوفِه؛ فكَسَرَه فوجَده فاسِدًا:
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ مَنْ اشتَرَى شَيئًا مأكولُه في جَوفِه ولا يُطَّلَعُ على عَيبِه إلَّا بكَسرِه، كالبِطِّيخِ والرُّمَّانِ والجَوزِ والبَيضِ، وكَسَرَه فبانَ عَيبُه، هل يثبُتُ له خيارُ الرَّدِّ أو لا؟
فذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه لا يُرجَعُ على البائِعِ بشَيءٍ، لأنَّه ليسَ مِنْ البائِعِ تَدليسٌ، ولا تَفريطٌ؛ لعَدمِ مَعرِفَتِه بعَيبِه، وكَونِه لا يُمكِنُه الوُقوفُ عليه إلَّا بكَسرِه، فجَرى مَجرَى البَراءةِ مِنْ العُيوبِ.
(١) «المغني» (٤/ ١٢٩)، و «الإفصاح» (١/ ٣٨٨، ٣٨٩)، و «إعلام الموقعين» (٣/ ٣٩١)، و «شرح الزركشي» (٢/ ٧٣)، و «الإنصاف» (٤/ ٣٥٩، ٣٦٠)، و «الروض المربع» (١/ ٥٥٧).
قالَ المالِكيَّةُ: ما لا يُمكِنُ الِاطِّلاعُ على وُجودِه إلَّا بتَغييرٍ في ذاتِ المَبيعِ فإنَّه لا يَكونُ عَيبًا على المَشهورِ، ولا قيمةَ لِلمُشتَري على البائِعِ في نَظيرِ ذلك، سَواءٌ كانَ حَيَوانًا أو غيرَه، كخُضرةِ بَطنِ الشاةِ، وسُوسِ الخَشَبِ بعدَ شَقِّه، وفَسادِ باطِنِ الجَوزِ، ومُرِّ القِثَّاءِ، ونَحوِه، إلَّا أنْ يَشترِطَ الرَّدَّ به فيُعمَلَ بشَرطِه؛ لأنَّه شَرطٌ فيه غَرَضٌ وماليَّةٌ، والعادةُ كالشَّرطِ.
ثم إنَّ ما يُمكِنُ الِاطِّلاعُ عليه قبلَ التَّغيُّرِ تارةً يُدلِّسُ فيه البائِعُ بأنْ يَعلَمَه ولا يُبيِّنَ، وهذا لا كَلامَ في أنَّ حُكمَه حُكمُ المُدلِّسِ في غيرِه مِنْ الرَّدِّ وغيرِه، وتارةً لا يُدلِّسُ فيه البائِعُ بألَّا يَعلَمَه بالفِعلِ، وفي هذا لِلمُشتَري التَّمسُّكُ به أو الرَّدُّ، إلَّا أنْ يَحصُلَ فيه مَفوتٌ عندَه؛ فله قيمةُ الأرشِ القَديمِ، فإنْ لَم يَحصُلْ عندَه مَفوتٌ رَدَّه وما نقَصه، وهذا هو المُعتمَدُ.
وأمَّا البَيضُ فله أنْ يَرُدَّه ويَرجِعَ بجَميعِ الثَّمنِ، كُسِرَ أو لا، دلَّس أو لا، لكنْ بشَرطِ أنْ يَكونَ حينَئذٍ لا يَجوزُ أكلُه، وأمَّا إنْ كانَ مَمروقًا فَقط، وكانَ البائِعُ غيرَ مُدلِّسٍ فلا يُرَدُّ، ويَرجِعُ بما بينَ الصِّحَّةِ والدَّاءِ فيُقوَّمُ سالِمًا يَومَ البَيعِ على أنَّه صَحيحٌ غيرُ مَعيبٍ، وصَحيحٌ مَعيبٍ، فإذا قيلَ: قيمَتُه صَحيحًا غيرَ مَعيبٍ عَشَرةٌ، وصَحيحًا مَعيبًا ثَمانيةٌ؛ فإنَّه يَرجِعُ بنِسبةِ ذلك مِنْ الثَّمنِ، وهو الخُمُسُ، هذا إذا كانَ له قيمةٌ يَومَ البَيعِ بعدَ الكَسرِ، وإلَّا رجَع بالثَّمنِ كُلِّه. قالَ ابنُ القاسِمِ: هذا إذا كَسَرَه بحَضرةِ البَيعِ، وإنْ كانَ بعدَ أيامٍ لَم يُرَدَّ به؛ إذ لا يَدري أفسَد عندَ البائِعِ أو المُبتاعِ، قالَه مالِكٌ (١).
(١) «شرح الخرشي» (٥/ ١٣٠، ١٣١).
جاءَ في «المُدوَّنةِ»: باب: ما جاءَ في الخَشَبِ والبَيضِ والرانِجِ والقِثَّاءِ يُوجَدُ به عَيبٌ:
قالَ ابنُ القاسِمِ: كلُّ ما أشبَهَ الخَشَبَ ممَّا لا يَبلُغُ عِلمَ النَّاسِ مَعرِفةُ العَيبِ فيه؛ لأنَّه باطِنٌ، وإنَّما يُعرَفُ عَيبُه بعدَ أنْ يُشَقَّ شَقًّا، ففعَل ذلك المُشتَري ثم ظهَر على العَيبِ الباطِنِ بعدَما شَقَّه فهو له لازِمٌ، ولا شَيءَ على البائِعِ.
فقُلتُ لِمالِكٍ: فالرانِجُ، وهو الجَوزُ الهِنديُّ، والجَوزُ والقِثَّاءُ والبِطِّيخُ والبَيضُ يَشتَريه الرَّجُلُ فيَجِدُه فاسِدًا؟
قالَ: أمَّا الرانِجُ والجَوزُ فلا أرَى أنْ يُرَدَّ، وهو مِنْ المُشتَري، وأمَّا البَيضُ فهو مِنْ البائِعِ، ويُرَدُّ، وأمَّا القِثَّاءُ فإنَّ أهلَ الأسواقِ يَرُدُّونَه إذا وَجَدوه مُرًّا.
قالَ مالِكٌ: ولا أدري بما رَدُّوا ذلك؛ استِنكارًا لِمَا عَمِلوا به مِنْ ذلك في رَدِّهم إيَّاه؛ فيما رَأيتُه حينَ كلَّمَني فيه، ولا أرَى أنْ يُرَدَّ، قُلتُ: فلِمَ رَدَّ مالِكٌ البَيضَ مِنْ بَينِ هذه الأشياءِ؟ قالَ: لأنَّ مَعرِفةَ فَسادِ البَيضِ كأنَّه أمرٌ ظاهِرٌ يُعرَفُ، ليسَ بباطِنٍ مثلَ غيرِه (١).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والمالِكيَّةُ في قَولٍ إلى أنَّ مَنْ اشتَرَى شَيئًا مأكولُه في جَوفِه ولا يُطَّلَعُ على عَيبِه إلَّا بكَسرِه، كالبِطِّيخِ والرُّمَّانِ والجَوزِ والبَيضِ، وكَسَرَه ولَم يَكُنْ لِمَعيبِه قيمةٌ،
(١) «المدونة الكبرى» (٤/ ٣٤٦).
فبانَ عَيبُه، أنَّ له الرَّدَّ على البائِعِ؛ لأنَّ عَقدَ البَيعِ اقتَضى السَّلامةَ مِنْ عَيبٍ لَم يَطَّلِعْ عليه المُشتَري؛ فإذا بانَ مَعيبًا ثبَت له الخِيارُ، ولأنَّ البائِعَ إنَّما يَستحِقُّ ثَمَنَ المَعيبِ دونَ الصَّحيحِ، لأنَّه لَم يَملِكْه صَحيحًا؛ فلا مَعنَى لِإيجابِ الثَّمنِ كُلِّه، وكَونُه لَم يُفرِّطْ لا يَقتَضي أنْ يَجِبَ له ثَمَنُ ما لَم يُسلِّمْه، بدَليلِ العَيبِ الذي لَم يَعلَمه في العَبدِ؛ ولأنَّه تَبيَّن أنَّ البَيعَ وقَع باطِلًا؛ لأنَّه بَيعُ ما ليسَ بمالٍ، وبَيعُ ما ليسَ بمالٍ لا يَنعقِدُ، كما إذا اشتَرَى عَبدًا ثم تَبيَّن أنَّه حُرٌّ.
فإذا ثبَت هذا فإنَّ المَبيعَ إنْ كانَ ممَّا لا قيمةَ له، مَكسورًا، وكانَ ممَّا لا يُمكِنُ الِانتِفاعُ به، كبَيضِ الدَّجاجِ الفاسِدِ، والرُّمَّانِ الأسوَدِ، والجَوزِ الخَرِبِ، والبِطِّيخِ التَّالِفِ، رجَع بالثَّمنِ كُلِّه؛ لأنَّ هذا تَبيَّن به فَسادُ العَقدِ مِنْ أصلِه؛ لِكَونِه وقَع على ما لا نَفعَ فيه، ولا يَصحُّ بَيعُ ما لا نَفعَ فيه، كالحَشَراتِ والمَيْتاتِ، وقالَ الحَنابِلةُ: وليسَ عليه أنْ يَرُدَّ المَبيعَ إلى البائِعِ؛ لأنَّه لا فائِدةَ فيه.
فإن كانَ لِمَعيبِه قيمةٌ، كجَوزِ الهِندِ وبَيضِ النَّعامِ والبِطِّيخِ الذي فيه نَفعٌ ونَحوِه؛ فإذا كَسَرَه نُظِرَ، فإنْ كانَ كَسرًا لا يُمكِنُ استِعلامُ المَبيعِ بدُونِه فالمُشتَري مُخيَّرٌ بينَ رَدِّه ورَدِّ أرشِ الكَسرِ وأخْذِ الثَّمنِ، وبينَ أخذِ أرشِ عَيبِه، وهو قِسطٌ ما بينَ صَحيحِه ومَعيبِه، وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقيِّ، وإحدَى الرِّوايَتَيْنِ عندَ الحَنابِلةِ؛ لأنَّه نَقصٌ لَم يَمنَعِ الرَّدَّ، فلزِم رَدُّ أرشِه، كلَبَنِ المُصَرَّاةِ إذا حَلَبَها، والبِكرِ إذا وَطِئَها.
وقالَ الشافِعيَّةُ في الأظهَرِ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ -وهو قَولُ القاضي-: لا أرشَ عليه لِكَسرِهِ؛ لأنَّ ذلك حصَل بطَريقِ استِعلامِ العَيبِ، والبائِعَ سَلَّطَه
عليه، حيثُ عَلِمَ أنَّه لا تُعلَمُ له صِحَّتُه مِنْ فَسادِه بغيرِ ذلك؛ فكانَ الكَسرُ حاصِلًا بتَسليطِ البائِعِ، فلا يَمنَعُ الرَّدَّ.
وإنْ كانَ كَسرًا يُمكِنُ استِعلامُ المَبيعِ بدُونِه، إلَّا أنَّه لا يَتلَفُ المَبيعُ بالكُلِّيَّةِ؛ فالحُكمُ فيه كالَّذي قبلَه في قَولِ الخِرَقيِّ، وهو قَولُ القاضي أيضًا، والمُشتَري مُخيَّرٌ بينَ رَدِّه وأرشِ الكَسرِ، وأخْذِ الثَّمنِ، وبينَ أخذِ أرشِ العَيبِ، وهو إحدَى الرِّوايَتَيْنِ عن أحمدَ، والرِّوايةُ الأُخرى: ليسَ له رَدُّه، وله أرشُ العَيبِ، وهذا قَولُ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنْ كَسَرَه كَسرًا لا يَبقَى له قيمةٌ بعدَه؛ فله أرشُ العَيبِ لا غيرُ؛ لأنَّه أتلَفَه، وقَدْرُ أرشِ العَيبِ قِسطُ ما بينَ الصَّحيحِ والمَعيبِ مِنْ الثَّمنِ؛ فيُقوَّمُ المَبيعُ صَحيحًا، ثم يُقوَّمُ مَعيبًا غيرَ مَكسورٍ؛ فيَكونُ لِلمُشتَري قَدْرُ ما بينَهما مِنْ الثَّمنِ على ما مَضَى شَرحُه (١).
وقالَ الكاسانيُّ رحمة الله عليه: لو اشتَرَى ما مَأكولُه في جَوفِه كالبِطِّيخِ والجَوزِ والقِثَّاءِ والخِيارِ والرُّمَّانِ والبَيضِ ونَحوِها، فكَسَرَه فوجَده فاسِدًا، فهذا في الأصلِ لا يَخلو من أحَدِ وَجهَيْنِ: إمَّا أنْ يَجِدَه كُلَّه فاسِدًا، وإمَّا أنْ يَجِدَ بَعضًا فاسِدًا، وبَعضًا صَحيحًا؛ فإنْ وجَده كُلَّه فاسِدًا، فإنْ كانَ ممَّا لا يُنتفَعُ به أصلًا فالمُشتَري يَرجِعُ على البائِعِ بجَميعِ الثَّمنِ؛ لأنَّه تَبيَّن أنَّ البَيعَ وقَع باطِلًا؛ لأنَّه بَيعُ ما ليسَ بمالٍ، وبَيعُ ما ليسَ بمالٍ لا يَنعقِدُ، كما إذا اشتَرَى عَبدًا ثم تَبيَّن أنَّه حُرٌّ.
(١) «المغني» (٤/ ١٢٢، ١٢٣).
وإنْ كانَ ممَّا يُمكِنُ الِانتِفاعُ به في الجُملةِ فليسَ له أنْ يَرُدَّه بالعَيبِ عندَنا، وعندَ الشافِعيِّ رحمة الله عليه: له أنْ يَرُدَّه.
وَجْهُ قَولِه: إنَّه لمَّا باعَه مِنه فقد سَلَّطَه على الكَسرِ، فكانَ الكَسرُ حاصِلًا بتَسليطِ البائِعِ، فلا يَمنَعُ الرَّدَّ، ولَنا: ما ذَكَرنا فيما تَقدَّمَ أنَّ شَرطَ الرَّدِّ أنْ يَكونَ المَردودُ وَقتَ الرَّدِّ على الوَصفِ الذي كانَ عليه وَقتَ القَبضِ، ولَم يُوجَدْ؛ لأنَّه تَعيَّبَ بعَيبٍ زائِدٍ بالكَسرِ، فلَو رَدَّ عليه لَرَدَّ مَعيبًا بعَيبَيْنِ، فانعَدَمَ شَرطُ الرَّدِّ، وأمَّا قَولُه: البائِعُ سَلَّطَه على الكَسرِ، فنَعَمْ، لكنْ بمَعنَى أنَّه مَكَّنَه مِنْ الكَسرِ بإثباتِ المِلْكِ له، فيَكونُ هو بالكَسرِ مُتصرِّفًا في مِلْكِ نَفْسِه، لا في مِلكِ البائِعِ بأمرِه؛ لِيَكونَ ذلك مِنه دِلالةَ الرِّضا بالكَسرِ.
وإنْ وجَد بَعضَه فاسِدًا دونَ بَعضٍ يُنظَرُ إنْ كانَ الفاسِدُ كَثيرًا يُرجَعُ على البائِعِ بجَميعِ الثَّمنِ؛ لأنَّه ظهَر أنَّ البَيعَ وقَع في القَدْرِ الفاسِدِ باطِلًا؛ لأنَّه تَبيَّن أنَّه ليسَ بمالٍ، وإذا بطَل في ذلك القَدرِ يَفسُدُ في البَقيَّةِ، كما إذا جَمَعَ بينَ حُرٍّ وعَبدٍ وباعَهما صَفقةً واحِدةً، وإنْ كانَ قَليلًا فكذلك في القياسِ، وفي الِاستِحسانِ صَحَّ البَيعُ في الكُلِّ، وليسَ له أنْ يَرُدَّ، ولا أنْ يَرجِعَ فيه بشَيءٍ؛ لأنَّ قَليلَ الفَسادِ فيه ممَّا لا يُمكِنُ التَّحرُّزُ عنه؛ إذْ هذه الأشياءُ في العاداتِ لا تَخلو عن قَليلِ فَسادٍ، فكانَ فيه ضَرورةٌ، فيَلتَحِقُ ذلك القَدْرُ بالعَدَمِ.
ومِن مَشايِخِنا مَنْ فَصَّلَ تَفصيلًا آخَرَ، فقالَ: إذا وجَد كُلَّه فاسِدًا فإنْ لَم يَكُنْ لِقِشرِه قيمةٌ فالبَيعُ باطِلٌ؛ لأنَّه تَبيَّن أنَّه باعَ ما ليسَ بمالٍ، وإنْ كانَ لِقِشرِه قيمةٌ، كالرُّمَّانِ ونَحوِه، فالبَيعُ لا يَبطُلُ؛ لأنَّه إذا كانَ لِقِشرِه قيمةٌ كانَ القِشرُ مالًا، ولكنَّ البائِعَ بالخيارِ، إنْ شاءَ رَضيَ به ناقِصًا وقبلَ قِشرَه ورَدَّ
جَميعَ الثَّمنِ، وإنْ شاءَ لَم يَقبَلْ؛ لأنَّه تَعيَّبَ بعَيبٍ زائِدٍ، ورَدَّ على المُشتَري حِصَّةَ المَعيبِ جَبرًا لِحَقِّه، وإنْ وجَد بَعضَه فاسِدًا فعلى هذا التَّفصيلِ أيضًا؛ لأنَّه إنْ لَم يَكُنْ لِقِشرِه قيمةٌ رجَع على البائِعِ بحِصَّتِه مِنْ الثَّمنِ، وإنْ كانَ لِقِشرِه قيمةٌ رجَع بحِصَّةِ العَيبِ دونَ القِشرِ، اعتِبارًا لِلبَعضِ بالكُلِّ، إلَّا إذا كانَ الفاسِدُ مِنه قَليلًا قَدْرَ ما لا يَخلو مِثلُه عن مِثلِه، فلا يُرَدُّ ولا يُرجَعُ بشَيءٍ، واللَّهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وقالَ البَغداديُّ رحمة الله عليه: ولو اشتَرَى بِطِّيخًا فكَسَرَ واحِدةً مِنها بعدَ القَبضِ فوجَدها فاسِدةً لا يُنتفَعُ بها، كانَ له أنْ يَرجِعَ بحِصَّتِها مِنْ الثَّمنِ، ولا يَرُدَّ غيرَها، إلَّا أنْ يُقيمَ البَيِّنةَ على فاسِدِ ما بَقيَ.
وليسَ البِطِّيخُ في هذا كالجَوزِ؛ لأنَّ الجَوزَ كشَيءٍ واحِدٍ، وإذا كانَ بَعضُ الجَوزِ فاسِدًا لا يُنتفَعُ به، يُرَدُّ الكُلُّ، وكذا اللَّوزُ والبُندُقُ والفُستُقُ والبَيضُ، وأمَّا البِطِّيخُ والرُّمَّانُ والسَّفَرجَلُ والخيارُ، فلا تُرَدُّ غيرُ الواحِدةِ الفاسِدةِ (٢).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: إذا اشتَرَى ما مأكولُه في جَوفِه، كالرانِجِ والبِطِّيخِ والرُّمَّانِ والجَوزِ واللَّوزِ والبُندُقِ والبَيضِ، فكَسَرَه فوجَده فاسِدًا، نُظِرَ إنْ لَم يَكُنْ لِفاسِدِه قيمةٌ، كالبَيضةِ المَذِرةِ التي لا تَصلُحُ لِشَيءٍ، والبِطِّيخةِ شَديدةِ التَّغيُّرِ، رجَع بجَميعِ الثَّمنِ، نصَّ عليه -أي: الشافِعيُّ-، وكَيفَ طَريقُه؟ قالَ مُعظَمُ الأصحابِ: يَتبيَّنُ فَسادُ البَيعِ لِوُرودِه على غيرِ مُتقوَّمٍ.
(١) «بدائع الصنائع» (٥/ ٢٨٤).
(٢) «مجمع الضمانات» (٥٢٢)، و «الاختيار» (٢/ ٢٤).
وقالَ القَفَّالُ وطائِفةٌ: لا يَتبيَّنُ فَسادُ البَيعِ، وكَما يَرجِعُ بجُزءٍ مِنْ الثَّمنِ لِنَقصِ جُزءٍ مِنْ المَبيعِ، يَرجِعُ بكُلِّه لِفَواتِ كلِّ المَبيعِ، وتَظهَرُ فائِدةُ الخِلافِ في القُشورِ الباقيةِ بمَن تَختَصُّ، حتى يَكونَ عليه تَنظيفُ المَوضِعِ منها؟
أمَّا إذا كانَ لِفاسِدِه قيمةٌ، كالرانِجِ وبَيضِ النَّعامِ والبِطِّيخِ إذا وجَده حامِضًا أو مُدوَّدًا في بَعضِ الأطرافِ فلِلكَسرِ حالتانِ:
إحداهما: ألَّا يُوقَفُ على ذلك الفَسادِ إلَّا بمِثلِه؛ فقَولانِ: أظهَرُهما عندَ الأكثَرينَ: له رَدُّه قَهرًا، كالمُصَرَّاةِ.
والآخَرُ: لا، كما لو قُطِعَ الثَّوبُ؛ فعلى هذا هو كسائِرِ العُيوبِ الحادِثةِ؛ فيَرجِعُ المُشتَري بأرشِ العَيبِ القَديمِ، أو يَضُمُّ أرشَ النُّقصانِ إليه ويَرُدُّه، كما سبَق.
وعلى الأوَّلِ، هل يُغرَّمُ أرشَ الكَسرِ؟ قَولانِ: أظهَرُهما: لا؛ لأنَّه مَعذورٌ، والآخَرُ: يُغرَّمُ ما بينَ قيمَتِه صَحيحًا فاسِدَ اللُّبِّ، ومَكسورًا فاسِدَ اللُّبِّ، ولا يُنظَرُ إلى الثَّمنِ.
الحالةُ الأُخرى: أنْ يَكونَ الوُقوفُ على ذلك الفَسادِ بأقَلَّ مِنْ ذلك الكَسرِ، فلا رَدَّ، على المَذهبِ، كسائِرِ العُيوبِ، وقيلَ بطَردِ القَولَيْنِ.
إذا عَرَفتَ هذا؛ فكَسرُ الجَوزِ ونَحوِه، وثَقبُ الرانِجِ، مِنْ صُوَرِ الحالةِ الأُولى، وكَسرُ الرانِجِ وتَرضيضُ بَيضِ النَّعامِ مِنْ صُوَرِ الحالةِ الأُخرى.
وكذا تَقويرُ البِطِّيخِ الحامِضِ إذا أمكَنَ مَعرِفةُ حُموضَتِه بغَرزِ شَيءٍ فيه، وكذا التَّقويرُ الكَبيرُ إذا أمكَنَ مَعرِفَتُه بالتَّقويرِ الصَّغيرِ، والتَّدويرُ لا يُعرَفُ
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلح
٨١٨ - مسألة؛ قال: (ومن اعترف بحق، فصالح على بعضه، لم يكن ذلك صلحا؛ لأنه هضم للحق)
هاهُنا لم يَمْتَنِعْ مِن أدَائِه، بلِ اعْتَرَفَ به، وصَالَحَهُ عليه، مع بَذْلِه له، فأَشْبَهَ ما لو لم يَجْحَدْهُ.
٨١٨ - مسألة؛ قال: (ومَنِ اعْتَرَف بِحَقٍّ، فصَالَحَ عَلَى بَعْضِهِ، لَمْ يَكُنْ ذلِكَ صُلْحًا؛ لِأَنَّهُ هَضْمٌ لِلْحَقِّ)
ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.