موت صاحب الخيار

الإسلام > المعاملات المالية > الخيارات > موت صاحب الخيار

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

موت صاحب الخيار - الأقوال والأدلة

البَيعِ، فيُقطَعُ به خِيارُهما، كما لو تَخايَرا، ويَصحُّ تَصرُّفُهما؛ لأنَّ قَطعَ الخيارِ حصَل بالإذْنِ في البَيعِ، فيقعُ البَيعُ بعدَ انقِطاعِ الخيارِ.

وإنْ تَصرَّفَ البائِعُ بإذْنِ المُشتَري احتَمَلَ أنْ يَقَعَ صَحيحًا؛ لأنَّ ذلك دَليلٌ على فَسخِ البَيعِ، أو استِرجاعِ المَبيعِ، فيقعُ تَصرُّفُه بعدَ استِرجاعِه ويُحتمَلُ ألَّا يَصحَّ؛ لِأنَّ البائِعَ لا يَحتاجُ إلى إذْنِ المُشتَري في استِرجاعِ المَبيعِ؛ فيَصيرُ كتَصرُّفِه بغيرِ إذْنِ المُشتَري، وقد ذَكَرنا أنَّه لا يَصحُّ، كذا ههُنا.

وكُلُّ مَوضِعٍ قُلنا فيه: «إنَّ تَصرُّفَ البائِعِ لا يَنفُذُ ولكنْ يَنفَسِخُ به البَيعُ» فإنَّه مَتَى أعادَ ذلك التَّصرُّفَ، أو تَصرَّفَ تَصرُّفًا سِواه صَحَّ؛ لأنَّه يُفسَخُ البَيعُ، عادَ إليه المِلْكُ، فصَحَّ تَصرُّفُه فيه، كما لو فُسِخَ البَيعُ بصَريحِ قَولِه، ثم تَصرَّفَ فيه، وكذلك إنْ تَقدَّمَ تَصرُّفَه ما يَنفسِخُ به البَيعُ صَحَّ تَصرُّفُه؛ لِما ذَكَرنا (١).

٣ - مَوتُ صاحِبِ الخيارِ:

اختلَف الفُقهاءُ فيما إذا ماتَ مَنْ له الخيارُ، هل يَبطُلُ خيارُه بمَوتِه أو يَنتقِلُ إلى الوارِثِ؟

فذهَب المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ وقَولٌ مُخرَجٌ عندَ الحَنابِلةِ إلى أنَّه إذا ماتَ مَنْ له الخيارُ انتَقلَ الخيارُ إلى وارِثِه؛ لأنَّه خيارٌ ثابِتٌ في مُعاوَضةٍ مَحضةٍ؛ فقامَ الوارِثُ فيه مَقامَ المُورِّثِ، كالرَّدِّ بالعَيبِ.

(١) «المغني» (٤/ ١١، ٢٢)، ويُنظر: «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٨، ٣٩)، «الشرح الكبير» للرافعي (٤/ ١٩٣)، و «الجامع لمسائل المدونة» (١٣/ ٨٠٦، ٨١١)، و «البيان في مذهب الإمام الشافعي» (٥/ ٣٥، ٣٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ١١٠، ١١١)، و «الكافي» (٢/ ٤٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢٣٧)، و «الإنصاف» (٤/ ٣٧٧، ٣٧٨).

وقالَ الشافِعيَّةُ: إذا ثبَت هذا: فإنْ عَلِمَ الوارِثُ بالبَيعِ، وبِمَوتِ مُورِّثِه عندَ مَوتِه فلَه الخيارُ فيما بَقيَ مِنْ مُدَّةِ الخيارِ، وإنْ لَم يَعلَم بهما، أو بأحَدِهما حتى مَضَتْ مُدَّةُ الخيارِ ففيه وَجهانِ:

أحَدُهما: يثبُتُ له الخيارُ في قَدْرِ ما بَقيَ مِنْ مُدَّةِ الخيارِ مِنْ حينِ عَلِمَ؛ لأنَّه لمَّا انتَقلَ الخيارُ إلى غيرِ مَنْ شُرِطَ له بالمَوتِ وجَب أنْ يَنتَقِلَ إلى غيرِ الزَّمانِ الذي شُرِطَ فيه.

والآخَرُ: يثبُتُ له الخيارُ على الفَورِ؛ لأنَّ المُدَّةَ التي شُرِطَ فيها الخيارُ قد فاتَتْ؛ فسَقَطتْ، وبَقيَ الخِيارُ؛ فكانَ على الفَورِ، كالرَّدِّ بالعَيبِ.

وذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ مَنْ له الخيارُ إذا ماتَ بطَل خِيارُه ويَنفُذُ عَقدُه؛ لأنَّ بالمَوتِ يَنقطِعُ الخيارُ، وقَطعُه يُوجِبُ تَمامَ البَيعِ، كما لو انقَضَتِ المُدَّةُ؛ فإنْ كانا جَميعًا بالخِيارِ فماتَ أحَدُهما تَمَّ البَيعُ مِنْ قِبَلِه، والآخَرُ على خِيارِه، فإنْ ماتَ جازَ عليه، ولا تَقومُ الوَرَثةُ مَقامَه في الفَسخِ والإجازةِ؛ لأنَّه حَقُّ فَسخٍ لا يَجوزُ الِاعتياضُ عنه، فلَم يُورَثْ كخيارِ الرُّجوعِ في الهِبةِ، ولأنَّ البائِعَ أو المُشتَريَ رَضيَ بثُبوتِ الخيارِ لِلمَوروثِ، لا لِلوارِثِ، ولأنَّه ليسَ إلَّا مَشيئةً وإرادةً لا يُتصوَّرُ انتِقالُه، والإرثُ إنَّما يَكونُ فيما يَقبَلُ الِانتِقالَ.

وإذا لَم يُورَثِ الخيارُ يَسقُطُ ضَرورةً؛ ويَصيرُ العَقدُ لازِمًا؛ لأنَّه وقَع العَجزُ عن الفَسخِ (١).

(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٩، ٤٥، ٤٦)، و «اللباب» (١/ ٣٦٤)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ٤٩)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٥٨٩)، و «الشرح الكبير» للدردير (٤/ ١٦٥)، و «الجامع لمسائل المدونة» (١٣/ ٧٩٣، ٧٩٥)، و «نهاية المطلب» (٥/ ٢٧)، و «البيان في مذهب الإمام الشافعي» (٥/ ٣٧، ٣٨)، و «المغني» (٤/ ١٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
(خيار المتبايعين)

(خِيَار المُتَبَايِعَيْنِ)

أىْ بَابُ خِيَارِ المُتَبايِعَيْنِ، فَحُذِفَ اخْتِصارًا.

٧٠٠ - مسألة؛ قال أبو القاسم رحمه اللهُ: (وَالمُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُما بِالخِيَارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا بِأبْدَانِهِمَا)

فى هذه المَسْألةِ ثلاثةُ فُصولٍ، أحَدُها، أنَّ البَيْعَ يَقَعُ جَائِزًا، ولِكُلٍّ مِنَ المُتَبَايِعَيْنِ الخِيَارُ فى فَسْخِ البَيْعِ، ما دَامَا مُجْتَمِعَيْنِ، لم يَتَفَرَّقَا، وهو قَوْلُ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ، يُرْوَى ذلك عن عمرَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبّاسٍ، وأبِى هُرَيْرَةَ، وأبى بَرْزَةَ ، وبه قال سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وشُرَيْحٌ، والشَّعْبِىُّ، وعَطَاءٌ، وطَاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ والأوْزاعِيُّ، وابنُ أبى ذِئْبٍ، والشافِعيُّ، وإسحَاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ. وقال مَالِكٌ وأصْحابُ الرَّأْىِ: يَلْزَمُ العَقْدُ بالإيجَابِ والقَبُولِ، ولا خِيارَ لهما؛ لأنَّه رُوِىَ عن عمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنه: البَيْعُ صَفْقَةٌ أو خِيَارٌ. ولأنَّه عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ، فَلَزِمَ بمُجَرَّدِه، كَالنِّكاحِ والخُلْعِ. ولنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: "إذا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا، وكَانَا جَمِيعًا، أوْ يُخَيِّرُ أحَدُهما الآخَرَ، فإنْ خَيَّرَ أحَدُهما الآخَرَ، فَتَبَايَعَا عَلَى ذلِكَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ، وإن تَفَرَّقَا بَعْدَ أنْ تَبَايَعَا، ولم يَتْرُكْ أحَدُهُمَا البَيْعَ، فَقَدْ وَجَبَ البَيْعُ" . مُتَّفَقٌ عليه . وقال

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل البيع بشرط الخيار]

(فَصْلٌ) إنَّمَا الْخِيَارُ بِشَرْطٍ.

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ الْبَيْع بِشَرْطِ الْخِيَار

فَصْلٌ) (فِي الْبَيْعِ بِشَرْطِ الْخِيَارِ)

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
خيار الشرط

فَأَمَّا) إذَا اشْتَرَى أَحَدَهُمَا شِرَاءً فَاسِدًا بِأَنْ قَالَ الْبَائِعُ: بِعْت مِنْك أَحَدَ هَذَيْنِ الْعَبْدَيْنِ بِكَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِيَارَ أَصْلًا فَإِنَّ الْمُشْتَرِيَ لَا يَمْلِكُ وَاحِدًا مِنْهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ لَا يُفِيدُ الْمِلْكَ قَبْلَ الْقَبْضِ، فَإِنْ قَبَضَهُمَا مَلَكَ أَحَدَهُمَا مِلْكًا فَاسِدًا، وَأَيُّهُمَا هَلَكَ لَزِمَتْهُ قِيمَتُهُ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ، وَالْبَيْعُ الْفَاسِدُ يُوجِبُ الْمِلْكَ بِالْقِيمَةِ، وَلَوْ هَلَكَا فَإِنْ كَانَ عَلَى التَّعَاقُبِ لَزِمَتْهُ قِيمَةُ الْهَالِكِ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَأَنَّهُ بَيْعٌ فَاسِدٌ فَيُفِيدُ الْمِلْكَ بِالْقِيمَةِ، وَإِنْ هَلَكَا مَعًا لَزِمَهُ نِصْفُ قِيمَةِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا بِتَعْيِينِهِ لِلْبَيْعِ أَوْلَى مِنْ الْآخَرِ فَشَاعَ الْبَيْعُ فِيهِمَا، وَلَوْ تَعَيَّبَ أَحَدُهُمَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّهُمَا جَمِيعًا، أَمَّا غَيْرُ الْمَعِيبِ؛ فَلِأَنَّهُ أَمَانَةٌ.

وَأَمَّا الْمَعِيبُ؛ فَلِأَنَّهُ تَعَيَّنَ لِلْبَيْعِ وَالْمُشْتَرِي شِرَاءً فَاسِدًا وَاجِبُ الرَّدِّ فَيَرُدَّهُمَا وَيَرُدَّ مَعَهُمَا نِصْفَ نُقْصَانِ الْعَيْبِ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَيِّبَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَبِيعُ فَيَجِبُ نُقْصَانُ الْعَيْبِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْأَمَانَةُ فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ، وَلَا دَلَالَةَ عَلَى التَّعْيِينِ فَيَتَنَصَّفَ الْوَاجِبُ وَلَوْ تَعَيَّبَ الْآخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 540 - 541

ارجع إلى الخيارات للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
اللهم صل على محمد