أثر الربا في العقود

الإسلام > المعاملات المالية > الربا والصرف > أثر الربا في العقود

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 17 دقيقة قراءة

أثر الربا في العقود - الأقوال والأدلة

أثَرُ الرِّبا في العُقودِ وكُلِّ بَيعٍ مُحرَّمٍ والمَقبوضِ بعَقدٍ فاسِدٍ:

ذهَب عامَّةُ الفُقهاءِ إلى أنَّ العَقدَ الذي خالَطَه رِبًا مَردودٌ أبَدًا، ولا يَجوزُ بحالٍ، وأنَّ مَنْ أرْبَى يُنقَضُ عَقدُه ويُرَدُّ فِعلُه، وإنْ كانَ جاهِلًا؛ لأنَّه فِعَلُ ما حرَّمه الشارِعُ ونهَى عنه، والنَّهيُ يَقتَضي التَّحريمَ والفَسادَ.

والدَّليلُ على هذا: ما رَواه الإمامُ مالِكٌ في المُوطَّأِ عن يَحيَى بنِ سَعيدٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: أمَرَ رَسولُ اللَّهِ السَّعدَيْنِ أنْ يَبيعا آنيةً مِنْ المَغانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، فباعا كُلَّ ثَلاثةٍ بأربَعةٍ عَينًا، أو كُلَّ أربَعةٍ بثَلاثةٍ عَينًا، فقالَ لَهما رَسولُ اللَّهِ : «أربَيتُما؛ فَرُدَّا» (١).

قالَ الإمامُ ابنُ عَبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وفي قَولِه: «أرْبَيُتما؛ فرُدَّا» دَليلٌ على أنَّ البَيعَ الحَرامَ مَردودٌ أبَدًا؛ فإنْ فاتَ رجَع فيه إلى القِيمةِ عندَ الفُقهاءِ (٢).

وقالَ الإمامُ ابنُ بطَّالٍ رحمة الله عليه: وأجمَعَ العُلماءُ على أنَّ البَيعَ إذا وقَع مُحرَّمًا فهو مَفسوخٌ مَردودٌ؛ لقولِه عليه السلام: «مَنْ عَمِلَ عَمَلًا على غيرِ أمرِنا فهو رَدٌّ». وقد رُويَ أنَّ رَسولَ اللَّهِ أمَرَ برَدِّ هذا البَيعِ مِنْ حَديثِ بِلالِ بنِ رَباحٍ رضي الله عنه ومِن حَديثِ أبِي سَعيدٍ الخُدريِّ، ورَوى مَنصورٌ وقَيسُ بنُ الرَّبيعِ عن أبي حَمزةَ، عن سَعيدِ بنِ المُسَيِّبِ، عن بِلالٍ رضي الله عنه قالَ: كانَ عِندي تَمرٌ دُونٌ؛ فابتَعتُ تَمرًا أجوَدَ مِنه فى السُّوقِ بنِصفِ كَيْلِه، صاعَيْنِ بصاعٍ؛ فأتَيتُ النَّبيَّ عليه السلام فحَدَّثتُه بما صَنَعتُ؛ فقالَ: «هذا الرِّبا

(١) رواه الإمام مالك في «الموطأ» (١٢٩٧) مرسلًا.
(٢) «الاستذكار» (٦/ ٣٥١).

بعَيْنِه، انطَلِقْ فرُدَّه على صاحِبِه، وخُذْ تَمرَكَ فبِعْه، ثم اشتَرِ التَّمرَ» (١).

وقالَ الإمامُ السَّرخَسيُّ رحمة الله عليه: العَقدُ الفاسِدُ يَستحِقُّ فَسخَه ورَدَّه؛ لأنَّ مُباشَرَتَه مَعصيةٌ، والإصرارُ على المَعصيةِ مَعصيةٌ؛ فلِهَذا قالَ : «أرْبَيتُما فرُدَّا»، ولَم يُعاتِبْهما على ما صَنَعا؛ لأنَّ نُزولَ تَحريمِ الرِّبا لَم يَكُنِ اشتُهِرَ بَعدُ، فعَذَرَهما بالجَهلِ به (٢).

وعَن أبي سَعيدٍ الخُدريِّ رضي الله عنه قالَ: جاءَ بِلالٌ إلى النَّبيِّ بتَمرٍ بَرنِيٍّ؛ فقالَ له النَّبيُّ : «مِنْ أينَ هَذا؟»، قالَ بِلالٌ: كانَ عندَنا تَمرٌ رَديٌّ، فبِعتُ مِنه صاعَيْنِ بصاعٍ؛ لِنُطعِمَ النَّبيَّ ؛ فقالَ النَّبيُّ عندَ ذلك: «أوَّه أوَّه، عَينُ الرِّبا، عَينُ الرِّبا، لا تَفعَلْ، ولكنْ إذا أرَدتَ أنْ تَشتَريَ فبِعِ التَّمرَ ببَيعٍ آخَرَ ثم اشتَرِ به» (٣).

وفي رِوايةِ مُسلِمٍ: «هذا الرِّبا؛ فرُدُّوه، ثم بِيعوا تَمرَنا واشتَرُوا لَنا مِنْ هذا» (٤).

قالَ الإمامُ القُرطُبيُّ رحمة الله عليه: قالَ عُلماؤُنا: فقَولُه: «أوَّه، عَينُ الرِّبا»، أي: هو الرِّبا المُحرَّمُ نَفْسُه، لا ما يُشبِهُه، وقَولُه: «فرُدُّوه» يَدلُّ على وُجوبِ فَسخِ صَفقةِ الرِّبا، وأنَّها لا تَصحُّ بوَجْهٍ، وهو قَولُ الجُمهورِ، خِلافًا لِأبي حَنيفةَ، حيثُ يَقولُ: إنَّ بَيعَ الرِّبا جائِزٌ بأصْلِه مِنْ حيثُ هو بَيعٌ مَمنوعٌ بوَصفِه

(١) شرح صحيح البخاري لابن بطال (٦/ ٣٢٢، ٣٢٣).
(٢) «المبسوط» (١٤/ ٧).
(٣) رواه البخاري (٢١٨٨)، ومسلم (١٥٩٤).
(٤) رواه مسلم (١٥٩٤).

مِنْ حيثُ هو رِبًا، فيَسقُطُ الرِّبا ويَصحُّ البَيعُ، ولو كانَ على ما ذُكِرَ لَما فسَخ النَّبيُّ هذه الصَّفقةَ، ولَأمَرَه برَدِّ الزِّيادةِ على الصَّاعِ، ولَصَحَّحَ الصَّفقةَ في مُقابَلةِ الصَّاعِ المُوفِّيةِ عِشرينَ، وكُلُّ ما كانَ مِنْ حَرامٍ بَيِّنٍ فُسِخَ؛ فعلى المُبتاعِ رَدُّ السِّلعةِ بعَينِها؛ فإنْ تَلِفتْ بيَدِه رَدَّ القِيمةَ فيما له القِيمةُ، وذلك كالعَقارِ والعُروضِ والحَيَوانِ والمِثْلِ فيما له مِثْلٌ مِنْ مَوزونٍ أو مَكِيلٍ مِنْ طَعامٍ أو عَرضٍ. قالَ مالِكٌ: يُرَدُّ الحَرامُ البَيِّنُ، فاتَ أو لَم يَفُتْ، وما كانَ ممَّا كَرِهَ النَّاسُ رُدَّ، إلَّا أنْ يَفوتَ، فيُترَكُ (١).

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قَولُه في حَديثِ أبي سَعيدٍ رضي الله عنه لِمَنِ اشتَرَى صاعًا بصاعَيْنِ: «هذا الرِّبا؛ فرُدُّوه»، هذا دَليلٌ على أنَّ المَقبوضَ ببَيعٍ فاسِدٍ يَجِبُ رَدُّه على بائِعِه، وإذا رَدَّه استَرَدَّ الثَّمنَ، فإنْ قيلَ: فلَم يُذكَرْ في الحَديثِ السَّابِقِ أنَّه أمَرَ برَدِّه، فالجَوابُ: أنَّ الظَّاهِرَ أنَّها قَضيةٌ واحِدةٌ، وأمْرَ فيها برَدِّه، فبَعضُ الرُّواةِ حَفِظَ ذلك، وبَعضُهم لَم يَحفَظْه، فقَبِلْنا زِيادةَ الثِّقةِ، ولو ثبَت أنَّهُما قَضيَّتانِ لَحُمِلَتِ الأُولَى على أنَّه أيضًا أمَرَ به، وإنْ لَم يَبلُغْنا ذلك، ولو ثبَت أنَّه لَم يَأمُرْ به مع أنَّهُما قَضيَّتانِ لَحَمَلْناها على أنَّه جَهِلَ بائِعَه، ولا يُمكِنُ مَعرِفَتُه، فصارَ مالًا ضائِعًا لِمَنْ عليه دَيْنٌ بقِيمَتِه، وهو التَّمرُ الذي قبَضه عِوَضًا، فحصَل أنَّه لا إشكالَ في الحَديثِ، ولِلَّهِ الحَمدُ (٢).

(١) «تفسير القرطبي» (٣/ ٣٥٨).
(٢) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ٢٣، ٢٤)، وانظر: «فتح الباري» (٤/ ٤٠٠).

وفَصَّلَ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه فقالَ: مَنْ باعَ بَيعًا أرْبَى فيه غيرَ مُستَحِلٍّ لِلرِّبا فعليه العُقوبةُ المُوجِعةُ إنْ لَم يُعذَرْ بجَهلٍ، ويُفسَخُ البَيعُ ما كانَ قائِمًا، والحُجَّةُ في ذلك أنَّ رَسولَ اللَّهِ أمَرَ السَّعدَيْنِ بأنْ يَبيعا آنيةً مِنْ المَغانِمِ مِنْ ذَهَبٍ أو فِضَّةٍ، فباعا كُلَّ ثَلاثةٍ بأربَعةٍ عَينًا، أو كُلَّ أربَعةٍ بثَلاثةٍ عَينًا، فقالَ لَهُما رَسولُ اللَّهِ : «أرْبَيتُما؛ فرُدَّا» (١).

فَإنْ فاتَ البَيعُ فليسَ له إلَّا رَأْسُ مالِه، قبَض الرِّبا أو لَم يَقبِضْه؛ فإنْ كانَ قبَضه رَدَّه إلى صاحِبِه، وكذلك مَنْ أرْبَى ثم تابَ، فليسَ له إلَّا رَأْسُ مالِه، وما قُبِضَ مِنْ الرِّبا وجَب عليه أنْ يَرُدَّه إلى مَنْ قبَضه مِنه، وأمَّا مَنْ أسلَمَ وله رِبًا؛ فإنْ كانَ قبَضه فهو لَهُ؛ لقولِ اللَّهِ : ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولقولِ رَسولِ اللَّهِ : «مَنْ أسلَمَ على شَيءٍ فهو له» (٢)، وأمَّا إنْ كانَ لَم يَقبِضِ الرِّبا فلا يَحِلُّ له أنْ يَأخُذَه وهو مَوضوعٌ عنِ الذي هو عليه، ولا خِلافَ في هذا أعلَمُه (٣).

(١) رواه الإمام مالك في «الموطأ» (١٢٩٧) مرسلًا.
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه البيهقي في «الكبرى» (١٨٠٣٨)، وغيره.
(٣) «المقدمات» لابن رشد (٢/ ٩، ١٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب البيوع
باب الربا والصرف

بابُ الرِّبا والصَّرْف

الرِّبا في اللُّغَةِ: هو الزِّيادَةُ. قال اللهُ تَعالَى: {فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ} . وقال: {أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ} . أي أكْثَرُ عَدَدًا، يُقالُ: أَرْبَى فُلانٌ على فُلانٍ، إذا زادَ عليه. وهو في الشَّرْعِ: الزِّيادَةُ في أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ. وهو مُحَرَّمٌ بالكِتابِ، والسُّنَّةِ، والإجْماعِ؛ أمّا الكِتابُ، فقولُ اللهِ تَعالَى: {وَحَرَّمَ الرِّبَا} . وما بَعْدَها مِن الآياتِ. وأمّا السُّنَّةُ، فَرُوِيَ عن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنَّه قال: "اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ" . قِيلَ: يا رسولَ اللهِ ما هي؟ قال: "الشِّرْكُ بِاللهِ، والسِّحْرُ، وقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إلَّا بِالْحَقِّ، وأَكْلُ الرِّبَا، وأكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ، والتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ، وقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ الْغَافِلَاتِ" . وَرُوِيَ عن النَّبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنّه لَعَنَ آكِلَ الرِّبَا، ومُوكِلَه، وشَاهِدَيْه، وكاتِبَه. مُتَّفَقٌ عليهما في أخْبارٍ سوى هذين

كثيرةٍ ، وأجْمَعَتِ الأُمَّةُ على أنَّ الرِّبا مُحَرَّمٌ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب الربا وما لا يجوز بعضه ببعض متفاضلا ولا مؤجلا والصرف

بَابُ الرِّبَا وَمَا لَا يَجُوزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ متفاضلا ولا مؤجلا والصرف

سَمِعْتُ الْمُزَنِيَّ يَقُولُ (قَالَ الشَّافِعِيُّ) أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ يَسَارٍ وَرَجُلٍ آخَرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَالَ: " لَا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ، وَلَا الْوَرِقَ بِالْوَرِقِ وَلَا الْبُرَّ بِالْبُرِّ وَلَا الشَّعِيرَ بِالشَّعِيرِ وَلَا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ وَلَا الْمِلْحَ بِالْمِلْحِ إِلَّا سَوَاءً بِسَوَاءٍ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَدًا بِيَدٍ وَلَكِنْ بِيعُوا الذَّهَبَ بِالْوَرِقِ وَالْوَرِقَ بِالذَّهَبِ وَالْبُرَّ بِالشَّعِيرِ وَالشَّعِيرَ بِالْبُرِّ وَالتَّمْرَ بِالْمِلْحِ وَالْمِلْحَ بِالتَّمْرِ يَدًا بِيَدٍ كَيْفَ شِئْتُمْ " (قَالَ) وَنَقَضَ أَحَدُهُمَا التَّمْرَ وَالْمِلْحَ وَزَادَ الْآخَرُ فَمَنْ زَادَ أَوِ اسْتَزَادَ فَقَدْ أَرْبَى (قَالَ الشَّافِعِيُّ) وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْأَحَادِيثِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي الصَّرْفِ وَبِهِ قُلْنَا ".

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: الْأَصْلُ فِي تَحْرِيمِ الرِّبَا الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ثُمَّ الْإِجْمَاعُ.

فَأَمَّا الْكِتَابُ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً} آل عمران: ١٣٠ .

منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[فصل علة طعام الربا]

(فَصْلٌ) عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا. اقْتِيَاتٌ وَادِّخَارٌ،

ــ

منح الجليل

فَصْلٌ عِلَّةُ طَعَامِ الرِّبَا

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 211 - 214

ارجع إلى الربا والصرف للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله